الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

صراع الأرض: فتيل إشعال أزمات السُّودان

نصر الدين الطيب
عقب انفصال الجنوب صدرت قرارات رئاسية بإعادة توطين الرعاة الرُّحل العائدين وفتح ممرات لحركة تنقلهم في المناطق الرعوية، ولكن تلك القرارات لم تطبق، وتفاقم الأمر لدرجة أنه يُشابه في مؤشراته بدايات الأزمة في دارفور.
26.08.2016  |  الخرطوم، السودان
ولاية سنار، السودان، ٢٦ أغسطس\آب، ٢٠١٦ (الصورة: خرائط قوقل)
ولاية سنار، السودان، ٢٦ أغسطس\آب، ٢٠١٦ (الصورة: خرائط قوقل)

"على الرغم من بؤس الأوضاع الحياتية في المناطق التي سكنا بها في ولاية سنار المتاخمة لدولة جنوب السودان، أصبحا لسنا في مأمن"،  يقول صديق الحسن وهو العائد مع حوالى ١٧٠ ألف من السودانيين الرُحل العائدين من دولة جنوب السودان بعد انفصال الدولتين.

وعدم الاحساس بالأمن الذى نقله الحسن لـ’النيلان’ عبر الهاتف من منطقته الحدودية مع دولة جنوب السودان، يلازم الآلاف من الرُّحل العائدين، في نواحٍ عديدة في ولاية سنار، في أعقاب مناوشات مستمرة بين العائدين والمزارعين المحليين، تطورت لاحقاً إلى نزاع حول الأرض.

قرارات معطلة

بعد انقسام الدولتين، في العام ٢٠١١، عاد الرُحل من دولة جنوب السودان وصدرت قرارات رئاسية من حكومة السودان حينها بإعادة توطينهم وتنفيذ مشروعات زراعية وخدمية وفتح ممرات لحركة تنقلهم في المناطق الرعوية بماشيتهم.

الإ أنّ هذه القرارات مضى عليها نحو خمس سنوات ولم ينفذ منها إلا القليل في ولاية النيل الأزرق وبعض المشروعات في ولاية سنار- حسب عائدين.

عدم تنفيذ هذه المشاريع فاقم الأزمة وزاد من حدتها. الصعوبات التي واجهت تنفيذ هذه القرارت ارتبطت بالأرض والصراع حولها. 

المزارعون يرون أنّهم أصحاب مشروعات زراعية مملوكة لهم ولا يستطيعون التنازل عنها أو جزء منها لأيِّ جهة بحسب ما ينص القرار، فيما يرى العائدون أنّ الأرض التي نشأت عليها هذه المشروعات ملكهم تاريخياً ويملكون وثائق بذلك.

وتدِّعي مجموعة 'رفاعة الهُوي' التي ينتمي اليها الرُحل العائدين ملكيتهم للأراضي، وبطبيعة حياتهم الرعوية غادروها الى مناطق جنوب أصبحتْ بعد انفصال الدولتين داخل حدود دولة جنوب السُّودان، لكن أراضيهم في ولاية سنار السودانية "حيكورة" من حقهم العودة اليها متى ما رغبوا.

احتكاكات مستمرة

على وقع هذا التجاذب، تتجه الأوضاع على الأرض الى تطورات واحتحاكات مستمرة بين المزارعين والرعاة العائدين. يقول العائد من دولة الجنوب صديق الحسن، لـ’النيلان’: "الأرض لنا، كنا هنا قديما وعدنا لنجد أنفسنا أغراب بعد أن أصبحنا أجانب في دولة جنوب السودان."

ويضيف: "بعد عودتنا لم نجد شيئا، لكن الحكومة منحتنا قرارات لاستعادة حياتنا الطبيعية فى المنطقة الجنوبية لولاية سنار بيد ان هذا لم يحدث ولم تنفذ القرارات وتركنا نواجه مصيرنا".

ويتهم ناظر "رفاعة الهُوي"، يوسف أحمد يوسف أبوروف، السلطات الحكومية المحلية في ولاية سنار بعرقلة مشاريع التوطين لمدة خمس سنوات وتأجيج الصراع في المنطقة. "عاد نحو ١٧٠ الف من الرُّحل الى مناطقهم في ولاية سنار، لكن الأوضاع الآن غاية في البؤس. تركتهم الحكومة في الغابات يواجهون ظروف حياة قاسية بلا رعاية في الصحة والتعليم ومياه الشرب" يتهم أبوروف. 

لكن ما يدعو للقلق، وفقاً لأبوروف، هو حالة اللامبالاة التي تتعامل بها السلطات مع قضية الرحل العائدين و"دفعهم إلى المواجهة عبر عمليات ترويع واعتقالات والزّج بالعشرات من العائدين في سجون الولاية دون إبداء أسباب واضحة أو البلاغات الكيدية التي تواجه بها السلطات العائدين".

مشاهد سابقة

يُقسم العائد، صديق الحسن، "سمعت دويّ الرصاص في قريتي أبو قرود الأسبوع قبل الماضي(منتصف يوليو\تموز)، المشهد أمامي: نظاميون يطلقون النار في الهواء ويقتادون قياديين أهليين من المنطقة، وبسؤالنا عن السبب قالوا لنا أن بلاغا مفتوح ضدهما من مزارع مجاور للقرية يتهمهما فيه بدخول ماشيتهما الى مزرعته".

وأعاد هذا المشهد صديق إلى مشاهد سابقة، إبّان استقرارهم في دولة جنوب السودان والحرب الأهلية بين البلدين، وكيف كان دويِّ السلاح يُثير الرعب بينهم. ويقول: "على الأقل لم نكن جزءاً من الحرب وقتها.. لكن الآن يدفعوننا للمواجهة".

ويذهب الناظر، أبوروف، في ذات الاتجاه بأن السلطات المحلية مصرة على اجبارهم على التعامل بالمثل. ويقول "واجهني من قبل والي الولاية السابق بقوله 'لا أرض لكم هنا.. الأرض تخص المزارعين'".

ويشير الى أن الأزمة تتصاعد، والصراع حول الأرض فجَّر أزمات عديدة في السودان، لكن مع ذلك يرى الحلول ممكنة وكامنة في تنفيذ قرار رئاسة الجمهورية القاضي بتوطين الرعاة وفق التفاصيل التي ذكرها ومن بينها منحهم مشاريع سكنية وزراعية "حتى نتجنب ما لا يحمد عقباه".   

ويرى الناشط المدني في المنطقة، عماد الدين عبد الله، بأن كل التطورات في قضية الرحل العائدين من دولة جنوب السودان تنذر بخطر كبير على المنطقة من واقع الاحتكاكات المستمرة بين الرعاة والمزارعين والتي في طريقها الى أن تتحول الى نزاع حول الأرض.

ويقول عبد الله: "خطورة النزاع تكمن في عجز السلطات المحلية عن حل الأزمة."

القرار الرئاسي الذي عجزت الحكومة الاتحادية والمحلية عن تنفيذه، حسب عبد الله، منح العائدين نحو ٤٤ ألف فدان تشمل مناطق سكنهم ومزارعهم باستقطاع من المشروعات الزراعية القائمة الآن وفتح مسارات لهجرتهم مع مواشيهم لكن هذا القرار ظل حبيس الأدراج ودون تنفيذه ستظل المنطقة، في حالة احتقان يشابه في مؤشراته بدايات الأزمة في إقليم دارفور المضطرب غرب البلاد.

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.