الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

أعالي النيل ‪-‬ حرب الكل ضد الكل

جوبا - أحداث ملكال الأخيرة ما هي إلى عرض آخر لمرض التسييس الإثني الذي يتوجب القضاء عليه عبر تشجيع الوحدة في التنوع.
حي الملكية في مدينة ملكال الذي تم تدميره بسبب المعارك التي دارت بين الحكومة والمتمردين يوم 14 يناير 2014، ثالث فبراير 2014. © النيلان | فرانسيس مايكل
حي الملكية في مدينة ملكال الذي تم تدميره بسبب المعارك التي دارت بين الحكومة والمتمردين يوم 14 يناير 2014، ثالث فبراير 2014. © النيلان | فرانسيس مايكل (الصورة: © النيلان | فرانسيس مايكل)

هدوء مشوب بالحذر يسود ولاية أعالي النيل، بعد أن قامت لجنة عسكرية من قيادة الجيش الشعبي في جوبا بزيارة تفقدية للمدينة مطلع الأسبوع المنصر للتقصي عن حقيقة الأوضاع الميدانية في مدينة ملكال.

لا زالت الأنباء تتحدث عن خروج قوات جونسون أولينج من المدينة متوجهة إلى حاضرة واو شلك المحاذية لملكال غربا، بعد أن شهدت في 22 أبريل مواجهات بين فصائل عسكرية تابعة لحراسة حاكم الولاية سايمون كون من جهة، وقوة تابعة لجونسون أولينج، نائب قائد فرقة أعالي النيل العسكرية، من جهة أخرى. سوء تفاهم وقع بين القوتين نتج عنه مقتل أربعة من الجنود التابعين للطرفين.

اتسعت دائرة المواجهات في جميع أرجاء المدينة في ظل تضارب الانباء عن تمرد قوات اللواء جونسون أولينج احتجاجا على تكرار الاعتداء على قواته، خصوصا بعد حادثة مقتل نائبه اللواء جيمس بوقو على يد شبان مسلحين تابعين لمقاطعة أكوكا. كان بوقو يزور المنطقة لاحتواء بعض الخلافات بين مجموعة الشلك والدينكا حول تبعية الأرض.

من جهة، نجد مليشيات تابعة لمجموعات الدينكا المقيمة في أعالي النيل تم تجنيدها من أجل حماية مناطق الدينكا في الرنك، ملوط، أكوكا وبالليت ضد هجمات المتمردين. من جهة أخرى نجد القوات التابعة للواء جونسون أولونج، أغلبهم من مجموعة الشلك، الذين كانوا قد تمردوا ضد الحكومة سنة 2011 بدعوى حماية أراضيهم من تغول مجموعات الدينكا، قبل أن يتم استيعابهم في الجيش الحكومي بموجب اتفاق بين الطرفين سنة 2012.

جاء هذا التصعيد بعد الهدوء النسبي في ولاية أعالي النيل وسيطرة القوات الحكومية على مقاليد الأمور فيها خلال الأشهر الثلاث الماضية.

يرجح بعض المراقبين أن يكون غياب المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة والمتمردين هو ما قاد إلى توتر الاوضاع بين مجموعتي الشلك والدينكا. الأزمة التي نشبت في ديسمبر 2013 قاربت بين هاتين المجموعتين، حيث شكلتا تحالفا هدفه تطهير المنطقة من التمرد. بعد أن استقرت الأوضاع بشكل نسبي في الأشهر الثلاث الاخيرة، بدأت قضايا الأرض والصراع حول تبعيتها تبرز الي السطح من جديد. كل مجموعة بدأت تتحسس قوتها العسكرية بعد أن صارت تمتلك عتادا حربيا يمكنها من إزاحة الأخرى من مناطقها حسب اعتقادها المبطن.

ما يحدث حاليا في أعالي النيل من مواجهات بين قوات جونسون أولينج والمجموعات المسلحة التابعة للدينكا، لا يعدو إلا ان يكون انعكاسا لطبيعة تلك الاوضاع السياسية والاجتماعية المعقدة، على خلفية الحرب الدائرة في جنوب السودان والتي اتخذت من تلك المنطقة ساحة للقتال والمواجهات العسكرية.

في خضم كل هذه التقاطعات يجب علينا أن ناخذ كذلك في عين الاعتبار أن ولاية أعالي النيل تتكون في غالبها من المجموعات النيلية الرئيسية الدينكا، في مناطق الضفة الشرقية للنيل الأيض كالرنك، ملوط، أكوكا وبايلييت، إلى جانب الشلك المقيمة في امتداد الضفة الغربية للنيل، والنوير المتواجدة في مقاطعات الناصر، لونقشوك، مايووت وأولانغ. هذا بالإضافة إلى تواجد مجموعة البرون في منطقة المابان شمال شرقي الولاية.

تجمع بين هذه القبائل علاقات الاختلاط البيولوجي وقرابة الدم عن طريق الزواج حيث تعبر ولاية أعالي النيل منطقة تداخل لغوي كبير بين تلك المكونات التي تعايشت لفترات طويلة بما لديها من معرفة بآليات حل النزاعات التقليدية حول المراعي.

المدخل السليم لمعالجة الأوضاع في ولاية أعالي النيل هو مخاطبة قضية التسييس الإثني عبر الحوار بين جميع المكونات الاجتماعية بالولاية، ووضع آليات سلمية للحل الخلافات القائمة حاليا.

الآن، الكل بات يحتفظ بسلاحه لحماية نفسه ومنطقته من ناحية، متحالفا مع الحكومة في حربها ضد المتمردين. هذه الطريقة في تسليح المجتمعات هي التي ستقود إلى إضعاف موازين القوى الحكومية في المنطقة في حال خروج الوضع عن السيطرة.

أهم شيء يجب صيانته في منطقة مثل أعالي النيل هو وحدة النسيج الاجتماعي التي تبدأ أولا وقبل كل شيء بعدم الاعتماد على العنف والمواجهة المسلحة للانتصار في الخلافات. ثانيا، يجب تذكر تلك الآليات التي اعتمدت عليها قبائل أعالي النيل لحل النزعات حول الأراضي. وأخيرا، على كل فرد أن يتذكر أن الوحدة تكمن في التنوع، وكلما كثر التنوع كلما كانت الوحدة أقوى والمجتمع أصح وأسلم.