الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

جنوب السودان - ذاكرة الحرب والانقسامات

محمد هلالي
نيروبي - عبر نظرة سريعة لتاريخ الانقسامات والحرب في جنوب السودان، يرى المراقب لأوضاع الدولة الفتية أن مصدر العنف ليس ما يروج له البعض، أي النزعة القبلية، وإنما المصالح الشخصية للقادة الجنوبين
مدينة بور بعد استرجاعها من طرف الحكومة، 25 ديسمبر 2013.
مدينة بور بعد استرجاعها من طرف الحكومة، 25 ديسمبر 2013.

قضايا حقيقية، أساسية، ضرورية ومُلحة للغاية، كانت على الدوام تدفع بجنوب السودان إلى اتون الصراعات الدموية لعقود طويلة.

وعلى الرغم من التخلق الأهلي والعشائري لهذه الصراعات في الغالب، إلا أنه على نحو دقيق علمياً، لا يُمكن أن يُنظر لما يحدث كمجرد صراع قبلي، ومن غير المُنصف أن تكون النزعة القبلية فقط، كما يروج الكثيرون، هي السبب المباشر والأول لحدوث حالة الاقتتال بين الفرقاء الجنوبيين.


الرئيس جنوب السوداني سالفاكير ميارديت، خلال خطابه في مجلس التحرير، 14 ديسمبر، 2013.
© النيلان | أتيم سايمون
المتتبع بصورة ولو سريعة لتواريخ قريبة في الحركة السياسية الجنوبية، يلمح بوضوح شديد الخلافات الإديولوجية والسياسية، التي كانت دائما تقود للصدامات بين المُختلفين.

ما يحدث من تحول هذه الصدامات لشكل من أشكال التناحر القبلي يعود لطبيعة المكان وقوة المؤسسة القبلية فيه، هشاشة المجتمعات، مما يسهل عملية اختراقها.

لا بد من فهم حقيقة أن مصالح شخصية، مرتبطة بطموحات ذاتية، بالإضافة إلى اختلافات حول إدارة الشئون، وقيادتها، وكذلك المرتكزات الفكرية التي تُشكِل التوجهات السياسية، كانت باستمرار هي الدوافع والمسببات الرئيسية للانقسامات التي نالت من تنظيم الحركة الشعبية وجيشها الشعبي، منذ الانطلاقة الأولى للكفاح المُسلح ضد نظام الخرطوم.

هذا هو ما حدت كذلك في نسخة الانقسام الأخيرة منذ ديسمبر من العام الماضي. من السهولة أن نقول أنها حرب قبلية بين الدينكا والنوير، أو قبائل متعددة ومجتمعة ضد سيطرة الدينكا كما يقول الكثيرون، ولكنها ليست الحقيقة.

المانيفستو والأنانيا الثانية

كانت بداية الحركة مثلها مثل أي بداية لأي حركة سياسية. كان الاختلاف حول التسمية وحول التوجه السياسي والبرنامج العام لها، وقيادتها كذلك. هذه الاختلافات كانت وراء بروز أولى الصراعات أثناء تخلق الحركة الشعبية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.



والشاهد أن الصراع الذي حُسم في نهايته لصالح العقيد جون قرنق، الزعيم التاريخي للحركة فيما بعد، كان بين هذا الأخير وبعض قادة تنظيم الأنانيا الثانية الذي تشكل في منتصف السبعينات.

ويقول عن تلك الفترة الباحث والمؤرخ عبد الماجد بوب، في كتابه ’جنوب السودان، جدل الوحدة والانفصال‘ الصادر في العام 2010 أن ”الخلافات بين العسكريين المواليين للعقيد جون قرنق من جهة والمجموعة المكونة من قادة حركة الأنانيا الثانية لم تقتصر على مسألة قيادة الحركة الوليدة فحسب، بل شملت أهداف تلك الحركة نفسها“.


نائب الرئيس السابق رياك مشار، في مجلس التحرير، 14 ديسمبر، 2013.
© النيلان | أتيم سايمون

”توحد كل من أكوات أتيم، وصمويل قاي توت ووليم عبد الله شول، وغوردون كونغ شول حول المُطالبة بأن تكون الحركة الناشئة امتداداً للأنانيا الأولى، بهدف تحقيق الانفصال لجنوب السودان، بينما تبنى قرنق والمجموعة الموالية له برنامج (مانيفستو) يدعو إلى تحرير السودان وتحقيق العدالة في تقاسم السلطة، وتحقيق التنمية المتوازية، وعدالة تقسيم الثروة القومية“، يفسر بوب.

ودون أي إشارة لنشوب نزاع على أساس القبيلة يذهب الكاتب مباشرة إلى أن هذا التعارض في تلك الفترة كان ”كفيل بفتح الباب على مصراعيه لتصفيات دموية راح ضحيتها أكوت أتيم وصمويل قايتوت ووليم عبد الله شول. وخاضت قوات الجانبين معارك ضارية طوال الستة أشهر الأولى“.

وكان أن أصبحت هنالك الحركة الشعبية وجيشها الشعبي، والمانيفستو الشهير، بقيادة صارمة وقوية على رأسها جون قرنق، كاربينو كوانين، سلفاكير ميارديت، أروك طون، وليم نيون بانج، وتمت تصفية جميع التنظيمات المناوئة لها، لتصير المؤسسة الوحيدة المنظمة والمسلحة والمدعومة من الخارج، ومُعترف بها، ضد نظام الحكم في الخرطوم.

وفي هذا السياق يؤكد لي المحلل السياسي والمهتم بالشأن الجنوبي، محمد علي جادين، أن ”العامل الرئيسي للتصعيد للقيادة كان هو الخبرة العسكرية“.

وفيما أعتبر جادين الذي ترجم وقدم لعدد من الكتب التي تسرد تاريخ مهم لجنوب السودان والحركة الشعبية أنه لا علاقة للعامل القبلي بهذا الأمر، وزاد أنه ”حتى الصراعات الأولى ما بين قادة الانانيا الثانية وقرنق؛ كانت بسبب أطروحات قرنق الوحدوية، حيث أن أغلبية المعارضين لقرنق من قادة الأنانيا الثانية، هم من أبناء الدينكا قبيلة قرنق نفسه“، في إشارة إلى أن أغلب قادة الأنانيا الثانية كانوا انفصاليين.

الناصر والمطالبة بالديمقراطية

كانت التطورات التي حدثت للمعسكر الاشتراكي وإثيوبيا، ذات تأثير كبير على الحركة الشعبية، وانعكست بسرعة شديدة على جيشها.

أعلن الرجل الذي يقود التمرد ضد جوبا اليوم، رياك مشار تينج، وحليفه في ذلك التوقيت لام أكول أجاوين، بالإضافة إلى القيادي المخضرم في الحركة غوردون كونق، انشقاقهم من الحركة الشعبية وتأسيس ما أطلقوا عليها ’حركة استقلال السودان‘، وهي التي عُرفت بمجموعة الناصر.

أطلقت المجموعة نداءً لفصل جنوب السودان، والتجديد والديمقراطية داخل الحركة الشعبية وتنحي قرنق عن قيادتها، وقد لخصوا أسباب انشقاقهم هذا في نقاط أساسية كانت: عدم وجود هيكل تنظيمي يحدد ترتيب وصلاحيات الهيئات العسكرية والسياسية في بنية الحركة منذ تأسيسها، كما اعتبروا أن ارتباطات قرنق العالمية ومع أحزاب المعارضة السودانية تقف عقبة أمام تحقيق أهداف الحركة، في إشارة إلى انفراده (أي قرنق) بمسئولية القيادة، وعزله وحبسه لعدد من كبار قادة الحركة.

إلى جانب ذلك تحدثوا عن خرق الجيش الشعبي بقيادة قرنق لميثاق حقوق الإنسان بتنجيده للأطفال فيما كان يعرف بالجيش الأحمر، وللمفارقة؛ نفس الشيء الآن هو اتهام في رقبة رياك مشار نفسه، حيث تتحدث وكالات الأنباء اليوم عن تنجيد للأطفال في صفوف الجيش الأبيض الذي يقاتل حكومة الرئيس جنوب السودان سلفاكير!

وبالعودة لتاريخ انقسام الناصر هذا، فقد أفضى لي جادين أن القبلية لم تكن تحركه، على الرغم من أنه تم الزج بها في الصراع.

استخدم القادة المنشقين نفوذهم القبلي ”نسبة لضعف المؤسسات في الجنوب وقوة القبلية“.

وقال جادين أن ”رياك مشار ومن معه كانوا يجدون أن الحرب طالت والخسائر أصبحت كثيرة“، مشيراً إلى أنهم كانوا يعتبرون أن شعار السودان الجديد أصبح بعيداً ولا بد من التفكير في استقلال الجنوب فقط.

ويضيف جادين أن هذا الصراع أصبح قوياً جداً ”بعد أن دخلت فيه المؤسسة القبلية والأساطير“، وفي النهاية هو الذي دفع بقرنق إلى تعديل وعقد مؤتمر توريت الشهير 1991، الذي أطلق عليه اسم ’مؤتمر الرؤية والبرنامج‘، والذي تم فيه تغيير مانيفستو الحركة، عبر وضع ثلاثة خيارات، السودان الجديد، الكونفدرالية بين الشمال والجنوب، واستقلال الجنوب.

معضلة القيادة الجنوبية

هذه النظرة التاريخية المُختصرة لإثنين من أبرز الهزات والمواقف الفصامية التي مرّ بها جسد الحركة الشعبية وجيشها، بالمقارنة مع ما يحدث الآن في الجنوب، تؤكد على أن المصالح الشخصية والطموحات الذاتية تلعب دوراً أكبر من أي شيء آخر في صناعة القتال بين الرفاق، وما يحدث من تمظهر قبلي عنيف ليس إلا نتاج استغلال هؤلاء القادة لنفوذهم من أجل تحقيق أهدافهم.

”هنالك مجموعة كبيرة من المثقفين، عمدنا على تسميتهم بمدرسة المثقفين الجنوبيين الحيارى. أهم سمة لهذه المدرسة هي أنها تلف وتدور حول معضلتها الخاصة“
جوزيف قرنق


الآن في الجنوب، لام أكول أجاوين وتيلار رينق دينق في صف الحكومة، وباقان أموم في صف المتمردين عليها، وهذه مفارقة بالمقارنة مع انقسام الناصر!

بالإضافة إلى كل هذه الديناميات، انفجار الأزمة بهذه الدرجة يعود كذلك لطبيعة الأوضاع كانعدام كامل للأمن بالعاصمة جوبا، وعدم إتخاذ الحكومة لأي تدابير بشأنه، عدم الصرف الجاد على التعليم والصحة، وعدم العمل على رفع الوعي وتحقيق المصالحة الوطنية.

هذه الأوضاع جعلت من الانفجار الحالي أمرا ليس ببعيد، علما أن جميع من يقتتلون الآن كانوا في قيادة البلاد، يعني كان بإمكانهم أن يؤثروا إيجابيا على تطور الأمور في جنوب السودان وأن يرفعوا من مستوى عيش الإنسان الجنوبي، ولكنهم جميعا فشلوا في تحقيق ذلك.

وهذا يقودنا لحقيقة جلية وبائنة، وهي أن القياد الجنوبيين، الذين يشكلون جزءا كبيرا من طبقة المثقفين، وما يطروحونه يجعلهم بعيدين عن مجتمعاتهم التي أعاقتها الحرب، والتي لحد الآن ما زالت تقف في ذات مراحلها الأولى التي اندلعت الحروب بسببها.

هذا يجعلنا نعيد قراءة أطروحات الشهيد جوزيف قرنق حول المثقف الجنوبي في نهايات الستينيات وبداية السبعينات عبر وثيقة ’معضلة المثقف الجنوبي‘ التي قال فيها: ”هنالك مجموعة كبيرة من المثقفين، عمدنا على تسميتهم بمدرسة المثقفين الجنوبيين الحيارى. أهم سمة لهذه المدرسة هي أنها تلف وتدور حول معضلتها الخاصة“.