الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

أزمة جنوب السودان في الإعلام السوداني

ماهر أبو جوخ
الخرطوم - أخذت الأزمة السياسية والإنسانية التي تهز جنوب السودان مساحة كبيرة في الإعلام السوداني، رغم التضييق الذي يعاني منه من طرف الحكومة. فما مدى ارتباط هذا الاهتمام الكبير بالعواطف التاريخية والمصالح الاقتصادية…
 أدت الأزمة في جنوب السودان إلى نزوح الآلاف في جوبا، وعدد من المدن الأخرى، 3 يناير.
أدت الأزمة في جنوب السودان إلى نزوح الآلاف في جوبا، وعدد من المدن الأخرى، 3 يناير.

أعادت الأزمة الراهنة بدولة جنوب السودان، والتي تفاقمت في منتصف شهر ديسمبر 2013 وانتهت لاشتعال مواجهات مسلحة بين مساندي الرئيس الجنوبي السوداني الفريق أول سلفاكير ميارديت ونائبه السابق د.رياك مشار وانزلاق البلاد في أتون مواجهات عنيفة، الاهتمام بجنوب السودان على مستوى الصحافة السودانية بشكل كثيف.

هذا يطرح تساؤلات حول دوافع ومبررات هذا الاهتمام ومدى ارتباطه بالعواطف التاريخية والمصالح الاقتصادية بين البلدين.
 
ظهرت أولى آثار هذا الصراع الجنوبي-الجنوبي بشكل سريع على اقتصاد جارهم الشمالي المنهك. فبجرد اندلاع النزاع، وقبل توقف العمل بالحقول النفطية الجنوبية السودانية، قفزت أسعار صرف العملات الأجنبية في الأسواق السودانية ارتفاعاً يقدر بحوالي 13.5 في المئة، حيث سجل سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السوداني لمبلغ 8.4 جنيه.


”الجنوب تأثيره على السودان كبير فلا يزال يتعاطى مع القضايا الخاصة به وكأننا نعيش في بلد واحد“
معتز محجوب
يقر الصحفي بصحيفة ’الانتباهة‘ السودانية – وهي الصحيفة التي أصدرها شماليون بعد التوقيع على اتفاق السلام الشامل للمناداة بفصل الجنوب عن الشمال – معتز محجوب بسيطرة أزمة الجنوب على الصحف السودانية ويمضي في تعليقه لـ ’النيلان‘: ”الجنوب تأثيره على السودان كبير فلا يزال يتعاطى مع القضايا الخاصة به وكأننا نعيش في بلد واحد، فكأن ما يحدث في أرجاء الجنوب هو مثل ما يشهده دارفور أو جبال النوبة“.
 
لكنه في ذات الوقت ينوه لجزئية إضافية تفسر اهتمام الصحف بأحداث الجنوب يستوجب عدم إغفالها والمرتبطة بالتنافس التجاري بينها لاجتذاب القراء، استناداً لوجود صحيفة ’الانتباهة‘ على قائمة الأعلى توزيعاً وتوفير وقائع الجنوب لمواد صحفية مثيرة. 

وينفي معتز محجوب التعاطي مع الأحداث الأخيرة بجنوب السودان من قبل الرأي العام السوداني عموماً والإعلام بشكل خاص بمنظور الشماتة، حيث تسيطر مخاوف أخرى تتمثل في التأثيرات الاقتصادية الإيجابية والسلبية على اقتصاد السوداني.


رياك مشار، نائب الرئيس سلفاكيير السابق، 30 يونيو، 2013. © النيلان | أحمد يونس
ويقول محجوب أن الحكومة تبدو قلقة من إمكانية تعرض الميزانية وإيراداتها لانتكاسات وفقدانها لموارد مالية بسبب عدم استقرار الإمدادات النفطية، بجانب هواجس أخرى كتحول أراضي جارها نتيجة لتلك الصراعات لمراكز لحركات المعارضة المسلحة أو القوات الأجنبية خاصة الأمريكية واليوغندية وأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية.
 
لكن الصحفي وثيق الصلة بالملف الجنوبي ومدير تحرير صحيفة ’الأيام‘ اليومية وائل محجوب يقدم وجهة نظر أخرى لتفسير الاهتمام الإعلامي والصحفي في السودان بأحداث جاره الجنوبي واعتبرها لا تنطلق من منصة واحدة وبالتالي لا تصب في مصب واحد.

ويشرح محجوب في إفادته لـ’النيلان‘ هذا الأمر قائلاً بأن التغطية الإعلامية تختلف منطلقاتها تبعاً لأهداف ومنطلقات كل وسيط إعلامي، ”بعضها تحركه الشماتة والإحقاد وهذه من سمات العنصريين الذين روجوا طويلا لعدم قدرة الجنوبيين على إدارة دولتهم“، فيما يستقرئ بعضها للأثر الكبير لهذا الصراع على السودان اقتصادياً.

ونوه محجوب لوجود فريق آخر يدرك أن الارتباط بين الشمال والجنوب أكثر من ارتباط حدود جغرافية أو سياسية، ولذلك تعاطيه مع الأوضاع يحركه الحرص والإشفاق على جنوب السودان وإدراكهم بالتأثيرات التي ستواجه السودان جراء أي اضطرابات في الجنوب وانعكاساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
 
ويلاحظ أن التغطية الإعلامية عموماً، والصحفية على وجه الخصوص، تجاه الأحداث الأخيرة بجنوب السودان لم تواجه - حتى لحظة كتابة هذا المقال- أي نوع من أنواع الرقابة مقارنة بالقيود الحكومية والأمنية المفروضة على الصحف في العديد من القضايا.

”أعتقد أن الصحف تتعامل مع هذا الملف بشكل واعي جنبها الراقبة الأمنية حينما لم تشر أو تحاول إيجاد رابط بين ما يحدث هناك وبين الخرطوم“
معتز محجوب

وفي هذا السياق يؤكد معتز محجوب على عدم وجود رقابة على المواد الصحفية الخاصة بجنوب السودان ومضى لأكثر من ذلك حينما أشار إلى أن مسلك الأجهزة الأمنية وتعاملها مع الصحف تجاه هذه القضية بدا وكأن ما يحدث جنوباً لا يعنيهم في شيء لكنه استدرك قائلاً لـ ’النيلان‘: ”أعتقد أن الصحف تتعامل مع هذا الملف بشكل واعي جنبها الراقبة الأمنية حينما لم تشر أو تحاول إيجاد رابط بين ما يحدث هناك وبين الخرطوم ولذلك فإن الحكومة السودانية تركتهم يسرحون ويمرحون في ما يتصل بقضايا جنوب السودان“.
 
ومضى وائل صوب تفسير متطابق حيال ما ذكر سابقاً بإشارته لإصابة الحكومة بالقلق وشروعها في التدخل في عمل الصحف وفرض الرقابة عليها حينما تتقاطع التغطية الصحفية مع حساسيتها الأمنية وقال:”تبقى المعضلة الحقيقية في عدم وجود جهة لديها المقدرة لإدراك تلك الحساسية الأمنية لتجنبها أو محاولة تلافيها“.

واستناداً لهذه المعطيات يعتبر وائل في تعليقه لـ ’النيلان‘ أن الحكومة ستترك الباب موارباً وتسمح للصحف بالنشر ”ولكنها في اللحظة التي تحس فيها أن تناولها اتجه نحوها بشكل أو بأخر فستقوم بالتدخل“.  

أحداث الجنوب الأخيرة ك”الهدية التي وقعت للحكومة من السماء“ وائل محجوبيعتبر البعض أن دوافع الحكومة السودانية من فتح مساحة الحريات أمام الصحف تجاه الأوضاع بالجار الجنوبي المقصود منه صرف أنظار الرأي العام عن الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد خاصة عقب تصاعد وتنامي الغضب الشعبي عقب تظاهرات سبتمبر الأخيرة والصراعات القيادية وسط المجموعة الحاكمة.

يبدو وائل متفقاً مع هذا التحليل وشبه أحداث الجنوب الأخيرة بـ”الهدية التي وقعت للحكومة من السماء“ لصرف الأنظار عن التداعيات التي تواجهها على رأسها تداعيات تشكيل الحكومة الجديدة وما ترتب على ذلك من خروج لعدد من طاقم الصف الأول وحالة التفكك والتفلت السياسي والتنظيمي التي يعشيها الحزب الحاكم لحزبها بخلاف الأوضاع الاقتصادية المتردية.
 
ولم يختلف معتز محجوب مع ما ذكر سابقاً واصفاً الأحداث الأخيرة التي شهدها الجنوب بـ”طوق نجاة مزدوج للحكومة“ وفسر الأمر قائلاً لـ’النيلان‘ إن الأزمة في جنوب السودان صرفت نظر الرأي العام المحلي عن الضائقة المعيشية أو ما حدث في صفوف حزب المؤتمر الوطني الحاكم.