الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الاستثمار في رأس المال البشري: دعم الأقوال بالأموال

جوليانا بول
بالتيمور – ينبغي جعل الهدف الرئيسي لجنوب السودان زيادة حصة الفرد من الإنفاق على الصحة، بما يتجاوز إعلان أبوجا، مع ترجمة الأقوال إلى أفعال.
22.04.2015
عاملون في مجال الصحة المجتمعية يتلقون دراجاتٍ هوائية تسهِّل عليهم أداء عملهم في مقاطعة يي، 16 نوفمبر 2005.
عاملون في مجال الصحة المجتمعية يتلقون دراجاتٍ هوائية تسهِّل عليهم أداء عملهم في مقاطعة يي، 16 نوفمبر 2005.

إن معدل وفيات الأمهات في جنوب السودان هو الأعلى في العالم، إذ يبلغ 2054 حالة وفاة لكل مائة ألف ولادة حية. كما أن معدلي وفيات الرضع والأطفال فيه هما من بين الأعلى في العالم، حيث يبلغا 84 و105 حالة وفاة على التوالي لكل 1000 ولادة حية.

ومع أننا غالبًا ما نتحدث في جنوب السودان عن وجود التزامٍ بتحسين صحة الرجل والمرأة والطفل، لم يخصَّص للصحة ضمن موازنة الدولة لعام 2014-2015 سوى نسبةٍ زهيدة قدرها 3.5 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي.

أطلق وزراء الصحة في أفريقيا عام 1987 مبادرة باماكو متعهدين فيها بتسريع الحصول على الخدمات الصحية من خلال تعزيز تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية مع إعطاء الأولوية لصحة الأم والطفل.

’ينبغي أن يغدو هدفنا الرئيسي هو زيادة الإنفاق على صحة الفرد بما يتجاوز إعلان أبوجا، وأن يترجم كلامنا إلى واقعٍ عملي‘وقد تلا ذلك إعلان أبوجا 2001 الذي التزم فيه رؤساء دولٍ أفريقية بتخصيص ما لا يقل عن 15 بالمائة من موازنة دولهم لقطاع الصحة بهدف تحقيق أهداف مبادرة باماكو والاعتراف بأن عدم إحراز تقدمٍ في تحقيق الأهداف الصحية إنما هو نتيجةٌ لقلة الموارد المالية المخصصة للصحة. (ملاحظة: هذه الـ 15 في المائة هي بالإضافة إلى نسبة 0.7 في المائة من الدخل القومي الإجمالي التي تعهدت بها الدول المانحة كمساعدةٍ إنمائية رسمية للبلدان النامية).

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه يتعين على الدول إنفاق ما لا يقل عن 61 دولارًا لكل فردٍ من أجل تحقيق أهداف الإنمائية للألفية في مجال الصحة. وباستخدام تقديرات الإحصاء السكاني المنخفضة أصلًا لعام 2008 كمرجعٍ، نجد أننا ننفق أقل من 14 دولارًا لكل شخص.

وفي حين يُعتبر جنوب السودان محظوظًا لالتزام المجتمع الدولي بالمساهمة بشكلٍ كبير في تمويل البرامج الصحية في أنحاء البلاد، فمن الحكمة ملاحظة أن تخصيص 15 بالمائة لشؤون الصحة (أبوجا) لم يشمل تمويل المانحين بل جاء علاوةً عليه.

ونظرًا لسوء المؤشرات الصحية والبنية التحتية الصحية التي ورثناها جراء الحرب والإهمال المتعمد من جانب حكومة الخرطوم، ينبغي أن يغدو هدفنا الرئيسي هو زيادة الإنفاق على صحة الفرد بما يتجاوز إعلان أبوجا، وأن يترجم كلامنا إلى واقعٍ عملي.

القطاع/جهة الإنفاق         إجمالي الإنفاق الحكومي

الأمن                              36.6 في المئة
نفقت تشمل عدة قطاعات        20.9 في المئة
سيادة القانون                     14.3 في المئة
الإدارة العامة                    8.1 في المئة
التعليم                             5.6 في المئة
الصحة                            3.5 في المئة
الموارد الطبيعية وتنمية الريف  3.2 في المئة
المهام الاقتصادية                 2.9 في المئة
المساءلة                           2.4 في المئة
البنية التحتية                      1.7 في المئة
الشؤون الاجتماعية والإنسانية   0.9   في المئة
إجمالي الإنفاق الحكومي         10،842،316،325 ج.ج.س

*الموازنة الكاملة لجمهورية جنوب السودان: www.grss-mof.org.
** النسب المئوية من حساب الكاتبة.

ونحن نوصي بأن تصل نسبة "العاملين الصحيين (من أطباءٍ وممرضات وقابلات) إلى 2.3 لكل ألف شخص" من أجل تقديم الخدمات الأساسية الخاصة بصحة الأم والطفل، كما ننصح بتحسين النتائج الصحية عمومًا.

قطاع الصحة يواجه نقصًا حادًا في أعداد العاملين الصحيين المؤهلين. وقد دُرِّب كثيرٌ من هؤلاء الموجودين حاليًا قبل سنواتٍ أثناء الحرب دون أن تتاح لهم سوى فرصٍ قليلة لتطوير مهاراتهم منذ ذلك الحين.

ولما كانت نسبة البالغين المتعلمين لا تتجاوز 27 في المائة، ينبغي أن تشمل أكبر أولوياتنا التعليم في مراحله الأساسية والثانوية والجامعية وتعليم الكبار، لاسيما الإسراع في تدريب كادر القابلات والممرضات والمدرسين والمدرسات.

كما يتعين علينا أن نزيد "بصورةٍ كبيرة" نسبة خريجي المدارس من الأطفال على المستوى الوطني وأن نشجع الفتيات خاصةً على الالتحاق بمهنٍ في قطاعي الصحة والتعليم.

وقد تعهدنا بأن يصبح التعليم مصدر ربحنا بعد الاستفتاء، لكننا نلاحظ أن الالتزام الحالي بتعليم أطفال جنوب السودان لا يتجاوز 5.6 في المائة من الإنفاق الحكومي، وهذا غير كافٍ.

وبمقارنة هذه النسبة مع نسبة 7.1 بالمائة المخصصة للشرطة (أي ضعف ما هو مخصص لقطاع الصحة) ونسبة 3.44 في المائة للسجون، يتبين لنا أن الأولويات هي حماية و/أو سجن المواطن، أي أن أقوالنا لا تُترجم إلى أفعال.

ومن المعروف للجميع أن سوء التغذية يسهم في تردي صحة وتعليم الفرد وفي ارتفاع وفيات الأمهات والرضع والأطفال. ومع أننا نتحدث عن الزراعة باعتبارها حجر الزاوية في جهود تنويع اقتصاد جنوب السودان وتقليص الاعتماد الزائد على واردات الأغذية والمعونات الغذائية، لكننا لا نخصص إلا 0.7 في المائة للزراعة.

ولا يبقى مع صرف كل تلك الأموال على الرواتب ونفقات التشغيل إلا القليل جدًا من أجل تعزيز البنى التحتية الرئيسية وتلك المتعلقة بقطاعات معينة أو استثمارها.

’يعطي كل هذا انطباعًا بأن الشؤون الاجتماعية والإنسانية وشؤون المرأة والطفل والزراعة والبنية التحية وإعادة الإعمار والتنمية هي أمورٌ هامشية‘وإجمالًا، فإن 72 في المائة من السكان هم دون سن 30 عامًا (إحصاء 2008)، ومع ذلك لا يُصرف سوى 0.3 في المائة من إجمالي الإنفاق على الثقافة والشباب والرياضة، و0.13 في المائة على رعاية النوع الاجتماعي والطفل والرعاية الاجتماعية. وبمقارنة ذلك مع نسبة 2 في المائة المخصصة لمكتب رئيس الجمهورية ونسبة 1 في المائة لفوج الإطفاء، يتبين وجود حاجةٍ ملحة لإعادة النظر في أولوياتنا المالية.

ويعطي كل هذا انطباعًا بأن الشؤون الاجتماعية والإنسانية وشؤون المرأة والطفل والزراعة والبنية التحية وإعادة الإعمار والتنمية هي أمورٌ هامشية مقارنةً بالشؤون السياسية والجهاز التنفيذي والشرطة والسجون والجيش. ليست هذه هي الرسالة التي نود إرسالها.

’إن أهم موارد أي بلد هي شعبها‘إن أهم موارد أي بلد هي شعبها. والقدرة القصوى للنمو الاقتصادي المستدام مستقبلًا هي رهن الاستثمار في رأس المال البشري اليوم. وتطوير القدرة على التنافس في هذا الاقتصاد العالمي يحتِّم إشراك الشباب، وتعزيز الأنظمة الصحية، وضمان الأمن الغذائي، وتخفيف حدة الفقر، فضلًا عن الحماية وسيادة القانون والدفاع.

وفيما "يمكن" تبرير تخصيص 37 بالمائة من الموازنة العامة للأمن إضافةً إلى 14 بالمائة لسيادة القانون (فلا يمكن إحراز تقدمٍ في غياب الاستقرار)، لا يجب أن يعني ذلك إهمال تنمية الموارد البشرية.

’من الحماقة أن نركز على حاضرنا فقط‘ومن الصعب الإسهام فعليًا في إعادة إعمار هذا البلد وتنميته بينما لا نزال نعاني من الفقر والجوع وسوء المعاملة. ومع دخولنا فترة تقشفٍ قسري جراء انخفاض عائدات قطاع النفط، يستدعي ذلك خفض المعدلات الحالية للإنفاق. وسيكون من الحكمة ألا نتبنى الرأي الذي يتصف بقصر النظر وينادي بإجراء مزيدٍ من تخفيض الإنفاق على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والرعاية الاجتماعية.

كما أنه من الحماقة أن نركز على حاضرنا فقط وننسى أن الاستثمار في الصحة والغذاء والتعليم مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالنمو الاقتصادي وبالحد من الفقر وأنه مرادفٌ للسلام والاستقرار أيضًا. ولما كان مقياس نجاح أي بلدٍ هو نمط عيش "غالبية" سكانه، دعونا نفكر قليلًا كيف تعيش "غالبية" سكان بلدنا على أمل أن يذكرنا هذا بواجبنا تجاه تحسين أوضاع جميع مواطني جنوب السودان.

 



* تركز هذه المقالة على خطة الإنفاق الحكومي كمقياسٍ للأولويات الوطنية، دون أن تتطرق للمصروفات الفعلية أو لتخطيط وتنفيذ المشاريع أو للمساءلة.
** تعمل جوليانا بول في القطاع الصحي بجنوب السودان منذ سنواتٍ خمس، وهي تُحضر حاليًا لنيل درجة الدكتوراه في الصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز، ويمكن التواصل معها عبر البريد الإلكتروني [email protected]

1. المسح الصحي والأسري في جنوب السودان لعام 2010.
2. موازنة جنوب السودان لعام 2014-2015. Historial-outruns-and-budgets-SS-05-14-v11-2014 www.grss-mof.org
3. منظمة الصحة العالمية، إعلان أبوجا: مرور عشر سنوات: http://www.who.int/healthsystems/publications/Abuja10.pdf
4. بافتراض أن الدولار يعادل 3 جنيهات جنوب سودانية.
5. لا بدّ من توفير القوى العاملة اللازمة لبلوغ المرامي الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة! http://www.who.int/hrh/workforce_mdgs/ar/
6. المؤشرات الرئيسية لجنوب السودان، المكتب الوطني للإحصاء (متوفرة على شبكة الإنترنت).