الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

وثائقي جديد يتناول أزمة الهوية السودانية

داليا حاج عمر
الخرطوم – قام المخرج حجوج كوكا في أول فيلم سوداني يعرض في مهرجان تورونتو السينمائي بتوثيق الحياة السودانية في مناطق الحرب في جبال النوبة وولاية النيل الأزرق.
10.09.2014
جبال النوبة، 27 أبريل، 2012.
جبال النوبة، 27 أبريل، 2012.


© TIFF | حاجوج كوكا

في فيلمه الوثائقي بعنوان "ضربات أنتونوف"، والذي تم عرضه في كندا يوم الجمعة 5 سبتمبر، تحدى كوكا القيود المفروضة على حرية التعبير وسلط الضوء على أزمة الهويات المتنوعة في السودان.


جبال النوبة، 27 أبريل، 2012.
© مارك هوفر
ويقدم الفيلم لمحة غير اعتيادية عن المواطنين تحت وطأة الحروب التي ترعاها الدولة، حيث تتمحور الدقائق الأولى من الفيلم عن بعض المواطنين الهاربين من قنبلة أنتونوف مقابل مظاهر الاحتفال والرقص التي يؤديها غيرهم في مخيم لللاجئين مستخدمين آلات موسيقية مصنعة من مواد معاد تدويرها ومنشدين أغان ألفها المغنون أنفسهم واصفة الحرب والمواطنين الفارين منها.

وقد عزز النزوح من عزيمة سكان جبال النوبة وولاية النيل الأزرق للحفاظ على ثقافتهم، حيث تعد الموسيقى والرقص والمصارعة النوبية من سمات الحياة الأساسية في مخيمات اللاجئين.

وبفضل هذا الفخر الثقافي، فإن القصة المرهقة التي يرويها فيلم "نبضات أنتونوف" تم تقديمها بشكل ممتع ويمس المشاعر الانسانية.

ويبقى موضوع الهوية الوطنية حاسماً في الانقسام السياسي الذي يعاني منه السودان، إلا أن هذا الفيلم يحاكي المفكرين والسياسيين ويطرح حواراً وطنياُ.

وهكذا، ولمرة واحدة، يتم تناول الجدل المتعلق بالهوية السودانية بلغة الفن والثقافة العالمية بدلاً من لغة سياسة القوة، ويوضع في متناول المواطنين بلغة ووسيلة يمكنهم التفاعل معها.

وللصراع في السودان جذور معقدة، إلا أن سببه الرئيسي هو فشل قادة ما بعد الاستقلال في التوصل إلى حل سلمي لقضية الهوية وإدارة التنوع العرقي في البلاد.

لذلك، تُروى قصة هذا الفيلم الوثائقي من قبل سكان مخيم اللاجئين القادمين من جبال النوبة وولاية النيل الأزرق مما يقدم تحليلاُ جديداً للموضوع الذي عادة مايتم تحليله من وجهة نظر أجنبية. وقد جسّد الفيلم العادات والقيادات الدينية أيضاً عاكساُ بذلك التنوع الديني في المنطقة.


جبال النوبة، 25 أبريل، 2012.
© مارك هوفر
ويظهر في الفيلم بعض الأعضاء البارزين في المجتمع المدني السوداني وهم ينتقدون النظام الذي وصل إلى السلطة قبل 25 عاماً ومشروعه الحضاري القائم على محو التنوع و"أسلمة" و"تعريب" السودان.

ويساهم "ضربات أنتونوف" على نحو كبير في إعادة التوازن في الحوار السوداني حول قضية الهوية، بما فيها الثقافية والسياسية والدينية.

وعلى الرغم من أن العرض الأول لهذا الفيلم كان أمام جمهور دولي، إلا أن قيمته الحقيقية تتمثل في عرضه أمام الجماهير السودانية في السودان والمهجر، فضلاً عن أثره في طرح حوار جديد حول قضية الهوية والذي من شأنه أن يبني جسوراً من التعاطف بين سكان المناطق المدنية في السودان والمجتمعات السودانية في المهجر البعيدين كل البعد عن معاناة سكان المناطق الريفية المهمشة ومناطق الصراع.

إن الامتداد الجغرافي الواسع للسودان وضعف بنيته التحتية والحروب المتعددة فيه يعني أن أجزاء كبيرة من البلاد تعيش في عزلة عن بعضها البعض ولا تتقاطع أبداً.

ورسخت هذه العزلة، المنبثقة من الخوف وترويجات الدولة والعقائدية والجهل، الصورة النمطية التي تعزز العنصرية والتمييز والأقليات الثقافية والاجتماعية.

وهذا هو سبب عدم تشكل حركة شعبية مناهضة للحرب لدعم المناطق المهمشة، بصرف النظر عن الجهود الحثيثة التي تبذلها الحركات الشبابية السودانية منذ عام 2009.

ونهاية، يخرج " ضربات أنتونوف" عن الواقع القائم ويهدم جدران العزلة القسرية المفروضة على مناطق السودان راوياً قصة هامة من شأنها أن تبني جسوراً وتشكل بداية لحوار وطني في بلد هو في أمس الحاجة إليه.

وبفضل شجاعة المخرج، يوثق " ضربات أنتونوف" أحداث الحرب، إلا أنه يخلّف لدى المشاهد شعوراً بالأمل ويقدم لمحة عن الحياة الثقافية المتنوعة في السودان والتي ستزدهر مرة أخرى بعد احلال السلام.