الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

التعدي على مجرى نهر القاش يهدد سلام الإنسان

حامد إبراهيم
كسلا - التعدي على نهر القاش يهدد مستقبل الحياة البيئية في المناطق المجاورة له. الحل يكمن في عمل جميع الأطراف على حماية بيئة النهر من أجل سلامة الإنسان والحيوان.
2.01.2014
نهر القاش، 21 مارس 2012.
نهر القاش، 21 مارس 2012.

”إذا كانت مصر هبة النيل فإن كسلا هي هبة القاش“، يقول الدكتور محمد الفاتح عثمان أحيمر رئيس الجمعية السودانية لحماية البيئة بولاية كسلا والناشط البيئي المعروف.

ويفسر ذلك بأن كسلا المدينة وضواحيها تكاد تعتمد إعتمادا كليا على نهر القاش الموسمي في توفير مقومات الحياة فيها سواء كان ذلك في توفير مياه الشرب النقية التي يعتبر الحوض الجوفي للنهر مصدرا رئيسيا ووحيدا لها، أو في إنتاج المحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها السكان في توفير الخضر والفواكه.


الزراعة داخل مجرى نهر القاش والنفايات التي يتم رميها في النهر، الثالث من مارس، 2012.
© النيلان | حامد إبراهيم

يعتبر القاش نهر موسمي يفيض ويمتلئ في فصل الخريف ـ من يونيو إلى أكتوبر ويجف بقية فصول السنة وينبع من الهضبة الحبشية وفي أعاليه يعتبر فاصلا طبيعيا بين كل من دولتي إثيوبيا إريتريا.

وإن كان معظمه يجري في الأراضي الإرترية ويسمى هنالك نهر مرب، يدخل نهر القاش الحدود السودانية عند منطقة اللفة 25 كلم جنوبي مدينة كسلا ويخترق مدينة كسلا مقسما أياها إلى قسمين شرق القاش وغرب القاش.

وتم ربط قسمي المدينة بجسرين ’الكبري القديم‘ و’الكبري الجديد‘، ومن ثم يتوغل داخل الأراضي السودانية بطول أكثر من مائتي كلم مكونا دلتا القاش التي تم تحويلها في عهد الاستعمار الإنجليزي إلى مشروع القاش الزارعي الفيضي. 

يقول أحيمر انه من المؤسف فإن هنالك تعد من الجهات الرسمية والشعبية على حد سواء على السلامة البيئية للنهر الموسمي ويقول أن ”السلطات سمحت وتسمح يوما بعد يوم بالسكن بالقرب من النهر بالسكن العشوائي تارة وبالتخطيط الرسمي تارة أخرى ويتسبب ذلك في رمي النفايات والتبرز المباشر على مجرى النهر وهو أمر كان ممنوعا في الماضي“.

ويعدد أحيمر أنماط التعدي التي يتعرض لها نهر القاش فيقول أن أبرزها ”ممارسة الزارعة والرعي داخل مجرى النهر مما يتسبب في خلخلة التربة وكذلك السماح بإقامة المقاهي وتخطيط المساحات القريبة من النهر مما يسبب ضغطا كبيرا عليه وإزالة الغطاء النباتي والشجر“.

المواطن عثمان حسب الله من سكان حي الحلنقا القريب من القاش يقول أن ”التبرز على مجرى النهر وتربية الماعز من البعض ظل يتسبب في مشكلات كبيرة لسكان حيهم كتوالد الذباب“ وخاصة النوع الأخضر الخطير منه الذي يمتاز بالحجم الكبير مما سبب لهم ولأطفالهم الكثير من الأمراض المعدية كالإسهالات والبلهارسيا وغيرها.


مكائن الطوب في مجرى نهر القاش، فاتح أبريل،  2012.
© النيلان | حامد إبراهيم

إنشاء كمائن الطوب الأحمر على ضفة النهر يسبب للسكان أمراضا كثيرة متعلقة بالجهاز التنفسي كالحساسية وأصاب الكثير من الحوامل بالإجهاض، كما يقول يحي علي يحي رئيس اللجنة الشعبية لحي الوحدة.

وتساءل يحي: ”لماذا لا تمنع السلطات إقامة الكمائن بالقرب من الأحياء السكنية؟“ مضيفا أن هذه الكمائن تساهم أيضا في غرق حيهم عند موسم الفيضانات وذلك بالخلخلة التي تحدثها في ضفة النهر.

وأقر محمد جعفر محمد، المدير التنفيذي لمحلية كسلا، بتدهور الوضع البيئي بمجرى نهر القاش وألقى باللائمة في ذلك على تدني  الوعي الصحي والبيئي للمواطن خاصة في الأحياء الطرفية. ”هذه مهمة تشترك فيها أكثر من جهة وغير قاصرة على السلطات المحلية“ قال محمد، مؤكدا أن سلطات المحلية تقوم بنظافة دورية بواقع مرتين في الشهر لإزالة النفايات عن مجرى النهر.

أما عن كمائن الطوب وما تسببه من أمراض للمواطنين قال أن أضرارها ”ليست بالسوء الذي يتحدث عنه الناس“ وذكر أن ”لهذه الكمائن فوائد جمة منها استيعابها لعدد كبير من العمالة وتوفير الطوب للمواطن بأسعار معقولة“.  

وأضاف محمد أن ”إزالة هذه الكمائن تحتاج لأمر محلي، أي قانون. وبما أنه ليس هنالك مجلس شعبي للمحلية في الوقت الراهن فإنه من المتعذر إصدار مثل هذا القانون الآن“، ووعد بالعمل على إزالتها مستقبلا.   

بادرت الجمعية السودانية لحماية البيئة بولاية كسلا التي سجلت رسميا في العام 1992 بتقديم مقترح إقامة غابات على ضفتي النهر. ولقد نفذ المشروع بنسبة كبيرة جدا خاصة في جنوب كسلا، يقول الدكتور محمد الفاتح عثمان أحيمر، ولكنه ”لم ينفذ داخل مدينة كسلا لأسباب لا نعرف كنهها“.  


مقاهي في مجرى نهر القاش، 21 مارس، 2012.
© النيلان | حامد إبراهيم
كما شاركت نفس الجمعية في وضع الإستراتيجية البيئية بولاية كسلا حتى العام 2013، وقدمت مقترحا بتشجير الأحياء الطرفية بكسلا وقامت بتأليف كتيبات عن البيئة تم توزيعها على مدارس الولاية، وشاركت في ورشة عمل عن نهري تكازي بإثيوبيا والقاش وعن أبرز مظاهر تدهور صحة البيئة.

ولكن رغم كل هذه المحاولات، الضرر الذي يعاني منه النهر لا يزال في ارتفاع كل يوم.

قال أحيمر أن المظاهر البيئية لهذا الضرر تتمثل في ”ارتفاع درجات الحرارة وقلة وتذبذب الأمطار وزحف الكثبان الرملية وتدني الإنتاجية كما وكيفا، وبالتالي الإفراط في استخدام الكيماويات، سواء كانت أسمدة أو مبيدات، وتراكم الأوساخ في الطرقات وتوالد البعوض وانتشار الملاريا وارتفاع نسبة الغبار العالق بالجو“.  

في ظل حمى تخطيط المساحات الخالية وتسويقها للجمهور فيما يعرف بسياسة البيع المباشر الذي تنتهجه حكومة الولاية من أجل خلق مداخيل تمكنها من تنفيذ بعض البرامج الخدمية، وفي ظل الإمكانيات المحدودة للجمعيات في الولاية للعمل على الحد من تردي الأوضاع البيئية لنهر القاش، هذا بالإضافة إلى تدني الوعي البيئي لدى قطاع واسع من سكان الولاية نتيجة لتفشي الفقر والأمية، فإنه لا يلوح في الأفق أمل بتحسن الأوضاع البيئية لنهر القاش، مما سيؤدي مستقبلا إلى تفشي كل تلك الأمراض بصورة أكبر، ومعاناة أولئك الذين لهم أو ليس لهم يد في هذا الضرر.