الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

غلاء المعيشة في السودان: هل يكون سبباً للإنتفاضة؟

آدم أبكر علي
الخرطوم - غلاء المعيشة في السودان أصبح كابوسا يؤرق منام السودانيين. فما رأي الشارع السوداني؟ هل يؤدي غلاء المعيشة إلى انتفاضة شعبية؟
15.10.2012
سوق ستة بالحاج يوسف محلية شرق النيل في الخرطوم، 11 سبتمبر.
سوق ستة بالحاج يوسف محلية شرق النيل في الخرطوم، 11 سبتمبر.

غلاء المعيشة في السودان، بسبب ارتفاع أسعار السلع، أصبح أمراً مألوفاً لدى السودانيين. ففي كل صباح يجد المواطن نفسه أمام سعر جديد لسلعة قد تكون ضرورية بالنسبة له. وإزاء هذا لا يملك المواطن شيئاً سوى الإذعان وشراء السلعة، أو العودة إلى منزله دون أن يشتري ما يريد.

وأصبحت الوعود المتكررة للحكومة، والقاضية بضرورة الحفاظ على ثبات الأسعار، لا تعني شيئاً بالنسبة للمواطن، لأن السوق هو من يقرر، والتجار أصبحوا هم أصحاب القول الفصل في هذا الغلاء.

أما المواطن فهو الضحية بين وعود الحكومة وسطوة السوق والتجار. منذ إعلان الحكومة لقرارات التقشف، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وتضاعفت أثمانها. فقد وصل سكر رطل كيلو السكر ل6 جنيهات بزيادة أكثر من النصف ووصل سعر كيلو اللحم البقري إلى 30 جنيهاً.

الزيادة لم تطرأ على هاتين السلعتين فحسب، وإنما شملت كل السلع الاستهلاكية. وبالرغم من كل هذه الزيادات الكبيرة في الأسعار، لا توجد زيادات في الرواتب، الأمر الذي زاد من تكاليف المعيشة بصورة يصعب تحملها من أي مواطن يتقاضى راتباً شهرياً.

إزاء هذه الظروف المعيشية القاسية نتيجة لغلاء المعيشة اتجهت ’النيلان‘ إلى المواطن السوداني وسألته عن رأيه في ارتفاع الأسعار، وهل يمكن لهذا الغلاء أن يتسبب في اندلاع انتفاضة شعبية.

تباينت الردود ما بين متيقن من قيام الانتفاضة في حالة استمرار الغلاء، وبين متردد في الإجابة على السؤال، وآخر يتساءل عن ما الذي تفعله الانتفاضة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي.

أول المتحدثين، إبراهيم زكريا الدوم، أستاذ بمدارس الأساس قال: ”الغلاء بهذه الصورة لا يتحمله أي مواطن، وبعد فترة سوف يتولد الغبن في داخل كل المواطنين، وأعتقد أن الأمر سيقود حتماً إلى انتفاضة إذا لم تحدث معالجات سريعة من الحكومة للحد من ارتفاع الأسعار.“ وزاد أن ”الحكومة تعلم جيداً أن دخل الفرد لا يكفي لسد حاجته في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار“.

أما المواطن أبوزيد رحمة الله فبدأ إجابته على سؤال النيلان بشيء من الغضب، وهو يسترجع ذكريات الماضي، حينما كان الشعب السوداني يخرج في أقل زيادة تطرأ على سلعة من السلع، وقال رحمة الله متسائلاً: ”ماذا أصاب الشعب السوداني حتى يصمت على هذا الطوفان من الزيادات المتكررة في الأسعار؟ في السابق كانت الزيادة في السلعة (تعريفة) لكن الناس لم يقبلوا بها ويخرجون في مظاهرات. اليوم أصبحت الزيادة جنيه كامل في السلعة والمواطن إما أن يسكت أو يشتري غصباً عنه تبعاً لحاجته أو يرجع إلى داره مطأطأ الرأس”.

ويمضي رحمة الله في الحديث: ”المواطن أصبح يخشى إذا حاول التظاهر سوف يزج به في السجن، وأنت تعرف ما الذي يحدث له هناك!“
 
لم يتوقف محدثي عند هذا الحد بل ذهب إلى أبعد من ذلك متناولاً سياسات الحكومة وفي ذلك يقول: ”الحكومة إعتمدت سياسة جوع كلبك يتبعك إلى جانب إرهاب الدولة. لقد شاهد الجميع المظاهرات التي خرجت في بداية الإجراءات التقشفية كيف ملأت العربات والجنود المدججين بالسلاح الشوارع.”

وأكد رحمة الله قيام الانتفاضة إذا ما سارت الأمور على حالها: ”بالرغم من هذه الإجراءات القمعية أنا جزم إذا ما تواصل ارتفاع الأسعار بهذه الصورة، فإن المواطن سوف يخرج في انتفاضة، لأن الجوع كافر. فقد يتحمل المواطن أن يتحمل الجوع في نفسه، لكنه لا يتحمل أن يرى أطفاله الصغار يصرخون من شدة الجوع.“

من جانب آخر شرحت آمنة عبد الوهاب، التي تعمل ممرضة وزوجها يعمل معلماً، معاناتها وزوجها في الإيفاء بمتطلبات المعيشة بحسب راتبهما قائلة: ”أصبحنا نستدين من الدكان، كنا في السابق نستطيع تدبير حالنا، لكن الآن عجزنا تماماً لأن الراتب أصبح لا يغطي نفقات البيت. الحالة أصبحت لا تحتمل على الإطلاق!”

”المواطن السوداني أصبح يعمل من أجل ذاته ولا يعير اهتماماً لغيره، والانتفاضات دائماً تحدث من خلال الرأي الجمعي، لا من خلال الرأي الفردي. وفي حالتنا هذه من الصعب للشعب السوداني أن يخرج في إنتفاضة منظمة بالرغم من الظروف المعيشية القاسية، لأن قوة الدولة أصبحت في مواجهة المواطن وليس من أجل حمايته. فالذي يتظاهر من أجل المطالبة بتخفيف أعبائه، ينظر اليه من قبل الدولة بأنه مخرب ويستحق العقاب.“

وتختم آمنة حديثها قائلة: ”في اعتقادي قيام الانتفاضة في السودان بسبب الغلاء أمر صعب ولا أتوقع حدوثه لأن الأيام أفصحت عن ذلك.“

أما عبد الله محمد زين الذي يعمل كسائق ركشة قال: ”حن نعمل منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل. وحينما نأتي إلى البيت نجد أن كل ما كسبته في اليوم ذهب إلى مصروف البيت فقط، ولا يتبقى شيئاً ندخره.“

”في كل هذا نحمد الله لأننا أحسن حالاً من غيرنا من الذين يعتمدون على الرواتب، كيف لهم مواجهة هذا الإرتفاع الجنوني في الأسعار؟ التجارة في السودان أصبحت سرقة مقننة. بمجرد سماع التجار ارتفاع في سعر الدولار ، كل السلع ترتفع حتى المنتجة بالداخل. وبعد ارتفاع أسعار المحروقات إرتفعت الأسعار ثلاث مرات عن السابق“.

ويتساءل عبد الله: ”إلى متى يصبر الشعب على هذا الجحيم؟ أكيد غلاء المعيشة سيكون سبباً في قيام الإنتفاضة عاجلاً أم آجلاً.“

ومثلما كان لكل واحد التقيت به رأيه الخاص حول غلاء المعيشة، كان لمحدثي عبد الوهاب زين العابدين، بائع متجول، رأيه الخاص والمخالف لكل الآراء، فهو يقول أن السودان يتعرض إلى حصار ومؤامرات داخلية الشعب السوداني مدرك لهذا التآمر وسوف يصبر إلى أن تتحسن الأوضاع.

ويرى زين العابدين أن موجة الغلاء هذه بمثابة سحابة صيف عابرة ويؤكد بأن الشعب السوداني سوف لن يخرج في أي إنتفاضة نتيجة هذا الغلاء: ”لن يخرج الشعب السوداني مهما راهن الجميع وسوف يصمد بوجه الغلاء، والمؤمن مبتلى.“

جاء ختام حديثي مع المواطنين، مع الحاجة زينب محمود، ربة منزل، سألتها نفس السؤال الذي طرحته على كل من التقيت به، فبادرتني بالإجابة قائلة: ”يا ابني أنا لا أفهم في السياسة لكن بعرف حاجتين هما الرخاء والغلاء. الرخاء يجعل الناس مستورين في بيوتهم وفي حالهم والغلاء يكدر الحياة لدى الناس. وطالما تكدرت الحياة بين الناس، فإن الوضع يتحول إلى غضب. الآن كل الناس زعلانة من هذا الغلاء.“

لم تجيب الحاجة زينب على سؤالي بشكل مباشر، لكنها لامست كبد الحقيقة، إذ يمكن للغضب الذي تحدثت عنه أن يتسبب في الانتفاضة.

تباينت الردود لكن القاسم المشترك هو أن الغلاء أصبح كالذي ينخر في جسد المواطن السوداني. فإلى أي أمد يطول صبره على هذه الحال؟ سؤال متروك للأيام القادمة علها تجد لها الإجابة الوافية والشافية.