الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الجنوبيون في السودان: طال الإنتظار والحال يغني عن السؤال

آدم أبكر علي
الخرطوم - مع اعلان مؤسسة الهجرة الدولية في السادس من شهر يونيو عن اكتمال عملية ترحيل حوالي 12 ألف سوداني جنوبي الى جنوب السودان، تبقى معاناة أولئك الجنوبين الذين لم يتم ترحيلهم نفسها منذ ما يقارب سنة من الانتظار القاسي.
18.06.2012
أم مع طفلها في أحد معسكرات الحاج يوسف، تنتظر في معاناة قاسية ترحيلها الى جنوب السودان.
أم مع طفلها في أحد معسكرات الحاج يوسف، تنتظر في معاناة قاسية ترحيلها الى جنوب السودان.

أعلنت مؤسسة الهجرة الدولية في السادس من شهو يونيو عن اكتمال عملية ترحيل حوالي 12 ألف سوداني جنوبي من السودان الى جنوب السودان.

مع اكتمال هذه العملية، مازال مايقارب 38 ألف سوداني جنوبي، حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ينتظرون تقرير مصيرهم في الخرطوم، حيث أخذوا من معسكرات مثل تلك في الحاج يوسف مقر لهم، لحين عودتهم لبلادهم.

مازال مايقارب 38 ألف سوداني جنوبي، حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ينتظرون تقرير مصيرهم في الخرطوم

ومازالت معاناة الجنوبيين في منطقة الحاج يوسف نفسها منذ ما يقرب العام، حيث حرارة شمس الصيف اللافحة، والحاجة الماسة الى الطعام وضروريات الحياة الأخرى تزيد من معاناتهم الى جانب الإنتظار الطويل. 

الشمس أحرقت كل متاعهم والذي تبقى لا يتحمل الإنتظار، وقد يضطر الإنسان لبيعها بأبخس ثمن ليسد حاجته من الطعام والضروريات الأخرى.

حينما تتحدث الى كل من يوجد في هذا المكان لا تجد منه إلا عبارات اليأس والقنوط غير آبه لما يمكن أن يحدثه التقرير الذي ينقل الصورة كاملة الى المسؤولين، فتكون إجابته ماذا يمكن لكم أن تفعلوا حيال معاناتنا هذه.

وجدت فتاة بالقرب من مضخة الماء وهي تمسك بطفلها. القيت اليها التحية، ثم أخبرتها عن مهمتي، تجاوبت معي لكنها إختارت عدم ذكر إسمها. 

استأذتها لكي ألتقط لها صورة هي وطفلها، توقفت قليلاً ثم أذنت لي بإلتقاطها، ثم بدأت الحديث قائلة: ”مشكلتنا أصبحت أكبر وهي كيف نوفر الطعام لأولادنا! نريد منك أن تنقل الصورة كما هي وكما تراها لكي يراها الآخرين والمسؤولين في الجنوب، هناك مجاميع ذهبت من قبل وهي تعلم جيداً حجم المعاناة التي يعانيها الجنوبيين في الحاج يوسف، هناك أكثر من خمسة معسكرات لم يسافر منها أحد وأوضاعهم بائسة“.

”في الحاج يوسف هناك أكثر من خمسة معسكرات لم يسافر منها أحد وأوضاعهم بائسة“
أم في أحد معسكرات الحاج يوسف

سيدة عجوز رفضت البوح بإسمها قالت: ”نحن على هذه الحالة ، حتى عفشنا ألفه الشمس كما ترى ومصيرنا أصبح مجهولاً، ونحن أصبحنا مثل الطفل الذي تركه والديه في الطريق بلا ماء ولا أكل أو ملبس“، وتمضي في القول أن أسماءهم سجلت، لكن لم يحدد موعد سفرهم لجنوب السودان بعد.

مجموعة من النساء جلسن مع أطفالهن تحت ظل راكوبة صغيرة مصنوعة من الجولات، قلن في بداية حديثهن معي: ”هل هناك شيء تسأل عنه أكثر مما تراه أمامك؟ نحن الآن نجلس تحت هذه الراكوبة التي لا تسع شخصين لنتقي حرارة الشمس الحارقة. وانظر الى العفش كيف أصبح من شدة حرارة الشمس، حالنا يغني عن سؤالنا، نرجو منك أن تنقل ما تراه أمامك الى المسؤولين، لأن المعاناة سوف تزداد عند هطول الأمطار، والجولات لا تمنع المياه المنهمرة من السماء.“

الرجال أيضاً كان لهم نصيب من الحديث الناري، وهم يقولون بحرقة أنهم أصبحوا يفقدون الأمل في كل شيء. أكد الرجال كذلك ان لجنة أتت اليهم وسجلت الأسماء، دون تحديد موعد السفر. بعد سنة كاملة من الانتظار، تم تسجيل أسماءهم.

”نحن نريد أن يرى المسؤولون في حكومة الجنوب معاناتنا، نحن نجلس وننام في العراء وتحت لهيب الشمس الحارقة“
نساء في أحد المعسكرات

كل من تتحدث اليه يحاول عدم إعطائك إسمه ويقول لك دع الإسم جانباً وكأن هناك من هددهم بالعقاب عندما يبوح أحدهم بإسمه. والبعض الآخر يتخوف حتى من أخذ صورة له وهو يتحدث، الأمر الذي يزيد من صعوبة كتابة التقرير بشيء من الدقة والتفصيل المعهودين في كتابة التقارير. 

سألت أحدهم عن السبب الذي يجعلهم يحجمون عن ذكر أسمائهم وأخذ الصور لهم، أجابني:  ”لانريد مشاكل“. قلت له: ”عن أية مشاكل تتحدث؟“ فأجاب: ”أنا قلت لك وبس“، دون أن يوضح أكثر.

أما النساء اللائي التقيت بهن فقلن: ”نحن نريد أن يرى المسؤولون في حكومة الجنوب معاناتنا، نحن نجلس وننام في العراء وتحت لهيب الشمس الحارقة، ونقودنا قد نقذت ومن بقيت معه نقود قد لا تكفيه لأسبوع، فكيف نعيش على هذه الحالة؟“

تساؤل في مكانه كيف لهؤلاء العيش في ظل هذه الظروف القاهرة ؟ومعاناة الجنوبيين في السودان تزداد يوماً بعد الآخر، ولا أمل لديهم في العودة الى وطنهم أو مجالاً لكسب العيش لأنهم محرمون حتى من فرص العمل. لقد طال الإنتظار والحال يغني عن السؤال.