الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

اجتياح الجيش السوداني لأبيي.. قرار سياسي أم مجرد إجراء عسكري؟

رشان أوشي
المراقبون يعتبرون أن ما يحصل في أبيي برميل بارود يهدد بعودة الحرب الأهلية إلى البلاد التي يعتبر النفط أهم دوافعها ومصدرا للتنافس الدولي.
24.05.2011
سلام أهل أببي يجب ان يكون الأولية الأولى لكل سياسي أو عسكري. هل سيسمع السياسيون و العسكريون هذا النداء؟
سلام أهل أببي يجب ان يكون الأولية الأولى لكل سياسي أو عسكري. هل سيسمع السياسيون و العسكريون هذا النداء؟

تجددت الاشتباكات أخيراً في أبيي، وكان الجيش السوداني قد أعلن قبل أيام عن تعرض عدد من  قواته لكمين اتهم الجيش الشعبي بنصبه استخدمت فيه الاسلحة الثقيلة. ونفى المتحدث باسم الجيش الشعبي فيليب اقوير تلك الاتهامات، معتبراً "ان قوات الجيش السوداني كانت تخطط مسبقاً لأجتياح أبيي، من خلال حشدها لعدد من مليشيات الدفاع الشعبي، ونتج عن ذلك  اجتياح القوات الحكومية لأبيي واعلان حالة الطوارئ باعتبارها منطقة حرب‪"‬. ووصف المراقبون خطوة الحكومة بالاستباقية لحسم الصراع الدائر في المنطقة عسكريا وهو إجراء مدفوع بأجندة سياسية.

 جاء موقف السياسيين في الحزب الحاكم أكثر عنفاً من العسكريين، فقد صرح القيادي البارز بالمؤتمر الوطني الدكتور ربيع عبد العاطى قائلا: "كان لابد من اعادة الامور إلى نصابها، و ان منطقة ابيي شمالية ومن المهم أن تخضع المنطقة لسيطرة الحكومة المركزية، وان تكون خالية من اي قوات يشكل وجودها خرقا لبروتوكول ابيي"، مشدداً على "تبعيتها للشمال حتى يحسم امرها بالاستفتاء". وهو ما يعتبره المراقبون برميل بارود يهدد بعودة الحرب الاهلية الى البلاد التي يعتبر النفط اهم دوافعها ومصدرا للتنافس الدولي.

تزامنت المعارك في أبيي مع زيارة لوفد من مجلس الأمن، لبحث الملفات العالقة بين الشمال والجنوب، مع اقتراب موعد إعلان الدولة الجديدة.  وعلى رأس الملفات العالقة ملف أبيي، الذي لم يتم التوصل فيه إلى تسوية بين الطرفين لجهة إجراء الاستفتاء الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل، خشية من نشوء علاقات عدائية بين الجارتين المرتقبتين. واعتبرت الحركة الشعبية ان توقيت الصراع هدفت الخرطوم منه الى منع الوفد من زيارة أبيي تمهيدا لاحتلالها، مشيرة الى المراسيم الجمهورية التي اصدرها الرئيس عمر البشير القاضية بحل ادارية أبيي وأمر الجيش باجتياح المنطقة وهي خطوة تتنافى مع اتفاقية السلام التي نصت على ان تكون القرارات المتعلقة بأبيي بالتشاور بين الجانبين، وتصريحات وزير الدفاع التي قال فيها:"ان الوضع في ابيي مفتوح على كل الاحتمالات".


جمال أبيي يواجه وعود حرب جديدة. AFP \\ بيتر مارتيل.

وكان نائب الرئيس علي عثمان محمد طه تهرب من لقاء الوفد وهو ما صنفه المراقبون كرد فعل سلبي من الحكومة.  وقالت ممثلة البيت الابيض في مجلس الامن سوزان رايس "ان الحكومة السودانية اضاعت فرصتها في توضيح موقفها وابداء رأيها في ما يجري".

ويعتقد استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم البروفيسور الطيب زين العابدين "ان تزامن المعارك في أبيي مع زيارة لوفد اممي رفيع هدفت منها بعض الجهات المتنفذة في حكومة الجنوب الى الدفع بالأمم المتحدة للتدخل لحل قضية ابيي بعد فشل المفاوضات  المتوالية بين الشريكين، ورفض الولايات المتحدة الامريكية التدخل في الشأن الداخلي..." معتبراً أنه "إذا تاكد أن الجيش الشعبي هو من نفذ الكمين فالغرض منه هو القيام بفرض امر واقع لأجبار مجلس الامن على التدخل الفوري".

ويوافق الخبير العسكري اللواء محمد الامين على وجهة النظر هذه ويقول "ان زيارة الوفد الاممي وتزامن المعارك لم يأت بمحض الصدفة، بل هدفت حكومة الجنوب من خلاله الإيحاء بتواطؤ الشمال ضد استقرارها، ودفع مجلس الأمن إلى استخدام البند السابع ضد الجيش السوداني" لافتاً الى "تهديدات الولايات المتحدة بالتدخل عسكريا لحسم الصراع في أبيي".

صفقات سابقة:

وتحظى أبيي باهتمام عالمي بالغ، فقد شهدت قضيتها مقترحات حلول عدة قدمتها جهات دولية كثيرة، من بينها حكومة الولايات المتحدة الامريكية ومجموعة الازمات الدولية. المبعوث الامريكي للسودان سكوت غرايشن عرض مقترح حكومته  لحل  الازمة الناشبة على خلفية عدة كيلومترات من الارض لدى لقاءاته الاخيرة بالرئيس البشير ونائبه ورئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميار ديت، بعد أحداث العنف التي اندلعت قبل أشهر. وينص المقترح على ان تقسم الارض بين رعاة المسيرية الرحل ومزارعي دينكا نقوك. إلا أنه قوبل بالرفض من جانب الطرفين، خاصة قبيلة المسيرية، التي تدين بالولاء للنظام الحاكم في الخرطوم، بل ولوحوا بخوض حرب قبلية اذا وافقت الحكومة على مقترح السيناتور الامريكي. اضافة الى مقترح ان تصبح أبيي منطقة تكامل بين الشمال والجنوب عند الانفصال ولكنه ايضا قوبل بالرفض القاطع. وخلص قرار لجنة التحكيم الدولية في لاهاي إلى أن حقول دفرة تقع داخل الاراضي التي تم استبعادها من الصراع الدائر حول الارض عند تخطيط حدود المنطقة وفقا لخريطة حدود 1956. فهل هنا من دافع آخر للحرب غير النفط ؟


هل من دافع آخر للحرب في أبيي غير النفط؟ صور الأمم المتحدة \\ ستيوارت برايس.

قرار سياسي:

ويبقى السؤال الأهم هو: هل قرار الجيش السوداني باجتياح ابيي يهدف الى حسم الصراع حول المنطقة نهائياً مدفوع بقرار سياسي، أم أن عسكر حكومة الخرطوم هم من ضغطوا لإصدار قرار الاجتياح بعد صمت طويل في انتظار ما قد يتوصل اليه السياسيون في مفاوضاتهم التي طال أمدها؟ زين العابدين، استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، يقول انه "لا أمر عسكري بدون قرار سياسي، وخاصة إن كان قرار حرب كما حدث في ابيي. من الممكن ان يكون الرد على الكمين جاء وليد الموقف، ولكن الاجتياح وتجميع القوات حتى بحر العرب من المستحيل ان يكون بلا دوافع سياسية"، ويضيف "ان كبار الضباط في الجيش السوداني اعتادوا على التدخل في مثل هذه القضايا منذ حرب الجنوب، وهم يمارسون ضغوطاً على السياسيين لانتزاع مثل هذه القرارات التي تدعم مواقفهم كعسكريين".

من جهته يعتبر الخبير العسكري اللواء العباس "ان اي قرار حرب هو قرار سياسي في المقام الاول ينفذه العسكريون". ويرجح أن يكون "قرار اجتياح أبيي جاء من المؤسسة السياسية ونفذته القوات المسلحة، وما يشاع عن استفزازات تعرض لها الجيش امر مستبعد ولا يمكن ان يقود لحرب". مشيرا الى انه "ربما تكون هناك أسباب اخرى كتجاوزات في الاتفاقية وقضية البترول والحدود".

توحيد الجبهة الداخلية:

يختلف المراقبون حيال هدف قوات الجيش الشعبي من افتعال معارك في منطقة أبيي، الذي قد يكون توحيد الجبهة الداخلية التي اهتزت في الفترة الاخيرة، كثرة الانشقاقات التي أصابتها، وضغوط أبناء أبيي داخل الحركة الشعبية لحسم قضية منطقتهم. ويقول اللواء العباس بـ"ان توحيد الجبهة الداخلية قد يكون أحد اهداف حكومة الجنوب من افتعال معارك في أبيي". إلا أن البروفيسور زين العابدين يستبعد هذه الفكرة، "لأنها ستشجع المتمردين على تنفيذ اغراضهم التي تهدف إلى الاطاحة بحكومة الجنوب الحالية. وتأكد ذلك في موقف السلطان عبدالباقي اكول اثناء معارك ابيي الاخيرة فقد ساهم بصورة مباشرة في دفع الجيش الشعبي للتراجع جنوبا اثناء القتال، لأن معركة المتمردين تهدف الى السيطرة على الجنوب مستقبلا".

فبماذا سيأتي المستقبل لأهل أببي؟ أصداء الحرب السابقة و العنف الذي لم تخل منه المنطقة لا يبشران بالخير. رغم أن الأجندة السياسية تحدد مصير الشعوب في أغلب الأحيان، يبقى الأمل ان يجد اهل أبيي من يسمع لمناداتهم لسلام حقيقي بين كل الأطراف.