الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

لماذا لم تتحول أحداث سبتمبر لثورة شعبية تسقط النظام؟

رشان أوشي
الخرطوم - خمد لهيب المظاهرات في السودان، مما أجهض توقعات البعض بأن تتحول المظاهرات إلى ربيع سوداني. فما هي أسباب هذا التحول؟
22.10.2013
حوادث تخريب الممتلكات وحرق محطات الوقود أدى إلى انقسام الشارع ما بين الحرص على تأمين الممتلكات وبين الخروج إلى الشارع.
حوادث تخريب الممتلكات وحرق محطات الوقود أدى إلى انقسام الشارع ما بين الحرص على تأمين الممتلكات وبين الخروج إلى الشارع.

اختلطت الأوراق تماماً بيد الساسة في الحكومة والمعارضة عندما تدافع المواطنون للشوارع تعبيراً عن غضبهم من غلاء المعيشة ورفضاً للإجراءات الاقتصادية الأخيرة. وبلا مقدمات ارتفع سقف المطالب من التراجع عن القرار الحكومي الى المطالبة برحيل النظام.

في البداية، كانت الأمور تسير بعفوية، ثم خلع لباس العفوية لتدخل المظاهرات في مرحلة التنظيم بعد ظهور أحزاب المعارضة على الخط. وهؤلاء أحسوا بأن الأمر بين أيدهم حتى باتوا يرتبون لما بعد الأحداث.

\"إن الحكومة استخدمت قوات الطوارئ الكبرى المعدة ضد الانقلابات العسكرية في قمع التظاهرات مما أشاع الرعب والخوف بين المواطنين“
أبو بكر عبد الرازق
وفجأة تسرب الماء من بين أيديهم، وانخفض صوت الشارع العفوي، وهدأت الأمور، مما أربك حسابات الجميع حكومة ومعارضة. وهنا يكمن السؤال: لماذا لم تتحول احتجاجات سبتمبر لثورة شعبية تطيح بالنظام؟

العامل الذي لعب دوراً محورياً في إخماد لهيب الثورة هو القمع الحكومي للمتظاهرين الشيء الذي أحدث حالة من الهلع بين المواطنين.

وقال القيادي بالمؤتمر الشعبي الأستاذ أبو بكر عبد الرازق لـ’النيلان‘: \"إن الحكومة استخدمت قوات الطوارئ الكبرى المعدة ضد الانقلابات العسكرية في قمع التظاهرات مما أشاع الرعب والخوف بين المواطنين وخاصة بعد سقوط قتلى وجرحى.\"

حوادث تخريب الممتلكات وحرق محطات الوقود كان عاملا ثانيا أدى إلى انقسام الشارع ما بين الحرص على تأمين الممتلكات وبين الخروج إلى الشارع.

هكذا وحسب المعارضة والمجموعات السياسية التي شاركت في الاحتجاجات، فإن الحكومة تبعت مبدأ ’فرق تسد‘ عبر تدبيرها لحرق محطات الوقود وتخريب الممتلكات.

حسب عبد الرازق: ”الحكومة أخرت اعلان الزيادات حتى تستطيع الترتيب لسيناريو محدد تتمكن من خلاله إخماد الغضب الشعبي المتوقع“، يقول عبد الرزاق مضيفا أن ”الحكومة استفادت من الزمن ودبرت حوادث التخريب من أجل إضعاف التظاهرات وتقليل التعاطف معها“.

الإعلام طبعا كان عاملا أساسيا في تحديد مسار الاحتجاجات، حيث ارتفعت وتيرة الإعلام الرسمي لتغطية أحداث العنف، واتهام المتظاهرين بكونهم مجرد مخربين يحاولون المساس بحرمة الوطن، يستهدفون الأبرياء السودانيين. وبما أن التخريب يلامس الوجدان السوداني، فقد أضعف هذا العامل الاحتجاجات.

”إن الأحداث الأخيرة لم تكن خروجاً سياسياً ينادي بإسقاط النظام، إنما كانت احتجاجاً على قرارات معينة صاحبتها أعمال عنف“
ياسر يوسف
قيادات الحزب الحاكم حاولت استخدام الآلة الإعلامية في الحرب ضد خصومهم، وكانوا كثيرا ما يجنحون للتأكيد على أن ما يحدث في الشارع يمكن احتواءه، انه لا يرقى لمستوى ثورة شعبية بقدر ما أنه غضب شعبي مرحلي وسينتهي، وقللوا أيضاً من مقدرة المعارضة على تحريك الشارع، باعتبار أن المؤتمر الوطني يحكم لأكثر من عقدين، وكونه حزب متجذر في الشارع السوداني وله مؤسسات غير رسمية في الأحياء السكنية وبين المواطنين كاللجان الشعبية.

الناطق الرسمي باسم المؤتمر الوطني ياسر يوسف أكد في حديثه لـ ’النيلان‘، ”إن الأحداث الأخيرة لم تكن خروجاً سياسياً ينادي بإسقاط النظام، إنما كانت احتجاجاً على قرارات معينة صاحبتها أعمال عنف، ثم جاءت الأحزاب السياسية المعارضة لاستغلالها.\"

وأشار يوسف إلى أن الشعب السوداني مع شدة وطأة القرارات الاقتصادية الأخيرة إلا انه يعلم تماما ان استقرار الأوضاع في البلاد فريضة سياسية تتقدم على خيارات الفوضى. وأردف: \"الآن تجري مشاورات لبناء نظام سياسي يسع الجميع.\"

وأضاف ياسر أن نتائج ما انتهت إليه بلدان من حولنا جعلت الشعب عزوف عن المشاركة بكثافة في التظاهرات، مردفا: ”لا اعتقد أن الشروط الموضوعية للثورة توفرت في السودان.“

يقول المحلل السياسي النور آدم فإن الاحتجاجات في السودان كانت مختلفة عن تلك في دول الربيع العربي حيث مثلا اتمهت قناة الجزيرة اتهمت لصالح النظام ومحاولة إقناع العالم بأن ما يحدث هو مجرد احتجاجات محدودة للتذمر بسبب غلاء الأسعار والضائقة المعيشية، وإضفاء صبغة تصغيرية على حقيقة ما يحدث.

هنا سارعت القنوات المنافسة للجزيرة لعلها تملأ الفراغ، وهرعت كل من ’العربية‘ و’سكاي نيوز‘ لعلها تقتنص السبق الإعلامي وتصبح شريكاً إعلاميا لنظام ما بعد الثورة، وجاءت ردة الفعل الحكومية بأن أغلقت مكاتب تلك القنوات واتهمتها بالتحريض.

”منذ اندلاع الثورة الشعبية طفت إلى السطح هواجس كبيرة، جعلت الكثيرين يتراجعوا عن فكرة المضي قدماً للوصول لأهدافهم، وكثيرون تبنوا وجهه النظر القائلة ’العاقل من اتعظ بغيره واستبان النصح قبل ضحى الغد‘“
النور آدم
وفي ذات السياق اتفق معه أبو بكر عبد الرازق الذي عزا الأمر إلى أن علاقة السودان بقطر هي التي حيدت قناه الجزيرة، لأن الأخيرة تطمح للعب دوراً محورياً في السودان خاصة في قضية دارفور، إضافة إلى الحدة التي تعاملت بها السلطات مع قناتي ’العربية‘ و’سكاي نيوز‘ ربما دفع الجزيرة للانتحاء جانباً.

واستغلت الحكومة كذلك الوضع الديموغرافي المعقد للعاصمة لإجهاض الثورة. جاء هذا الاستغلال على صورة إشاعات ”أن حوادث التخريب ترتبط بإثنيات محددة تحمل بذور حقد على إثنيات أخرى تعيش في الوسط الجغرافي للعاصمة“، كما يقول عبد الرزاق.

التقسيم الذي تعرفه ساكنة الخرطوم، من حيث الإثنيات المختلفة التي نزحت إلى العاصمة جراء الحروب والمجاعة والجفاف في السودان، جعلت العديدين منهم يأخذ من أطراف الخرطوم كمسكن لهم. وهكذا كان التقسيم الذي استغلته الحكومة يضع سكان حدود الخرطوم في حالة ارتياب من المتظاهرين في مركز المدينة.  

 ”منذ اندلاع الثورة الشعبية طفت إلى السطح هواجس كبيرة، جعلت الكثيرين يتراجعوا عن فكرة المضي قدماً للوصول لأهدافهم، وكثيرون تبنوا وجهة النظر القائلة ”العاقل من اتعظ بغيره واستبان النصح قبل ضحى الغد“ في دعوة إلى الثوار للاتعاظ مما حصل عند الجيران في دول الربيع العربي“، يقول المحلل السياسي النور آدم لـ ’النيلان‘.

وبحسب مراقبين فإن الاحتجاجات الأخيرة أعادت للأذهان شعارات ثورات الربيع العربي والتي اندلعت في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن والتي كانت تنادي بتغيير الأنظمة، ومن ثم عودة هتافات الشعب يريد إسقاط النظام. ولكن توصل الجميع في نهاية المطاف إلى ضرورة وضع تصور لما بعد الثورة حتى لا يقع السودان في فخ الانقسام كما حدث في مصر مثلا.