الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

السودان - ما بعد سبتمبر 2013

ماهر أبو جوخ
ماذا لو تمكنت الحكومة السودانية من إخماد احتجاجات سبتمبر 2013؟ هل هذا يعني أن الحكومة اجتازت منطقة الخطر؟ الصحفي السوداني ماهر أبو جوخ يقدم لنا تحليله للوضع في السودان.
30.09.2013  |  الخرطوم، السودان
الاحتجاجات في الخرطوم، 24 سبتمبر 2013.
الاحتجاجات في الخرطوم، 24 سبتمبر 2013. (الصورة: رشان أوشي)

التظاهرات الأخيرة التي شهدتها عدد من المدن السودانية وعلى رأسها العاصمة الخرطوم في أعقاب إعلان الحكومة لرفع الدعم عن المحروقات أثارت العديد من الاستفسارات حول التداعيات المترتبة على تلك التظاهرات.

اولى الملاحظات التي استوقفت المراقبين طيلة فترة اندلاع تلك التظاهرات –ما بين 23-27 سبتمبر 2013- التي تعد الأعنف ضد حكومة الرئيس السوداني المشير عمر البشير منذ وصوله للسلطة عبر انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو 1989، هو انطلاقتها وإدارتها بشكل مختلف عن تظاهرات العقدين الماضيين.  

احتجاجات شهر سبتمبر 2013 اعتمدت  على تظاهرات الأحياء بدلاً عن الجامعات التي قادت ولعبت دور مفصلي في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 الشعبتين اللتين أنهيتا حكم الفريق إبراهيم عبود والمشير جعفر نميري على التوالي.


جانب من الاحتجاجات في بورتسودان، 26 سبتمبر 2013.
© النيلان | عبد الهادي الحاج

أدى انطلاق الاحتجاجات من الأحياء إلى توسيع دائرة المواجهة للأجهزة الأمنية والشرطية وصعوبة مهمتها في مواجهة التظاهرات.

أما الملاحظة الثانية فكانت مشاركة طلاب/ات المرحلة الثانوية بشكل أساسي وحيوي في هذه التظاهرات بشكل استوجب على إثره إصدار قرار بتعطيل الدراسة بكل المدارس بالعاصمة الخرطوم حتى فاتح أكتوبر المقبل.

بدت التظاهرات عند انطلاقتها في مدني يوم الاثنين 23 سبتمبر الجاري وما تلاها من تظاهرات بالعاصمة الخرطوم يومي الثلاثاء والأربعاء 24 و25 سبتمبر اقرب للاحتجاجات الشعبية على القرارات الاقتصادية.

ولعل مرد هذا الأمر هو اختفاء القيادة السياسية لتلك التظاهرات وهو ما جعلها في أحيان عديدة تجنح –نتيجة عوامل داخلية أو استغلال أطراف خارجية لها- للتخريب والسلب والنهب.

لكن تظاهرات الجمعة 27 سبتمبر شهد تحولاً لافتاً بظهور قيادات المعارضة السياسية حيث لم يصاحبها أي من مظاهر التخريب واتسمت بالسلمية.

بخلاف حالة عدم الرضا الشعبي عن القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة، ترتب على تلك التظاهرات زيادة الاحتقان السياسي للحكومة الداخلي جراء ارتفاع أعداد الضحايا من المتظاهرين الذين لقوا مصرعهم بإصابتهم بالرصاص الحي. وتشير التقديرات الآن لتجاوز عدد القتلى لأكثر من 100 قتيل في تظاهرتي يومي الثلاثاء والأربعاء بالعاصمة الخرطوم.

ورغم محاولة الحكومة إقناع الرأي العام المحلي لاستخدامها للعنف المفرط تجاه المتظاهرين لحماية الممتلكات العامة والخاصة، إلا هذا التبرير تعرض لانتكاسة كبيرة بلجوء الأجهزة الأمنية والشرطية لاستخدام القوة المفرطة ضد المشاركين في تظاهرة يوم الجمعة 27 سبتمبر التي اتسمت بالسلمية.

تسببت القرارات الاقتصادية والتظاهرات التي تلتها في توتر علاقة الحكومة بالصحف والأجهزة الإعلامية الخارجية حيث لجأت الأولى لمصادرة عدد من الصحف وإيقافها، كـ ’السوداني‘، ’المجهر السياسي‘ و’ الوطن‘، في ما اختارت صحف أخرى التوقف عن الصدور احتجاجاً على التضييق وإلزامها بالرواية الحكومية لتغطية التظاهرات وهي ’الأيام‘، ’الجريدة‘ و’القرار‘.

 


سيارة تعرضت للحرق في الخرطوم، يوم 25 سبتمبر، اليوم
الثالث للمظاهرات في السودان. © النيلان | سعيد عباس

وبلغ الأمر ذروته بإعلان شبكة الصحفيين تنظيم إضراب عن العمل اعتباراً من يوم السبت 28 سبتمبر. أما الإعلام الخارجي فقد أصدرت السلطات السودانية قراراً يقضي بإغلاق مكتبي قناتي ’العربية‘ و’سكاي نيوز‘ وتقييد مساحة حركة وعمل المراسلين الأجانب وطواقم تصويرهم ومنعهم من التواجد والعمل في المناطق التي تشهد تظاهرات.

أثر العنف تجاه المتظاهرين بشكل كبير على مساعي الحكومة الخارجية لتغيير صورتها النمطية المرسومة لها باعتبارها تمارس العنف ضد مواطنيها بمناطق النزاعات.

جلبت عليها هذه العديد من الانتقادات من قبل عدد من الأطراف الدولية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسعي الحكومة لتطبيع وتحسين العلاقات معها وإنهاء حالة من الجمود في العلاقات بينهما منذ تسعينيات القرن الماضي.

لعل السؤال المطروح الآن هو: ’إلى أين تمضي التظاهرات في السودان؟‘

ونجد أن الإجابة على هذا السؤال تقودنا للوصول لسيناريوهين.

السيناريو الأول هو إمكانية تصعيد الاحتجاجات بشكل يفضي لأحداث تغيير سياسي ينهي حكم البشير.

لكن الوصول لهذه النتيجة يستوجب حدوث تحول كمي، أي بانتشار التظاهرات في مدن سودانية أخرى، ونوعي، أي عبر وجود قيادة سياسية مباشرة لها تتولى بلورة مطالبها السياسية بغرض القيام بمهمة الاتصال بالقيادات العسكرية العليا لضمان انحياز الجيش لتلك المطالب، اسوة بما حدث في ثورتي أكتوبر وأبريل السودانيتين أو  ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر.

أما السيناريو الثاني فهو نجاح الحكومة في إخماد هذه الاحتجاجات قبل تخلقها لثورة سياسية شاملة تفضي لإسقاط النظام.

ولكن هل هذا يعني أن الحكومة عبر إخمادها للاحتجاجات تكون قد تجاوزت مرحلة الخطر؟ حدوث هذا السيناريو، إخماد الاحتجاجات، سيكون  تدشيان لحقبة اكثر عسراً نتيجة الاحتقان المرتب على الأعداد الكبيرة من الضحايا الذين سقطوا خلال تلك التظاهرات في مناطق تنظر لها الحكومة باعتبارها ضمن مراكز مسانديها.

ومن المؤكد أن هذا سيؤثر على خطابها التعبوي الذي تخاطب به قطاعات عريضة من مجتمعات وسط السودان الموجه ضد الحركات المسلحة المعارضة في كل من دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، حيث تقدم نفسها كخط الدفاع الأول عنهم من محاولة استهدافهم الإثني والعرقي من قبل تلك الحركات.

النتائج المترتبة على تلك التظاهرات تبدو على المديين القريب أو المتوسط تصب في غير مصلحة الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم اللذين باتا في كلا الحالتين "أكبر الخاسرين"، وصحيح أنهما قد تجاوزا هزة تظاهرات سبتمبر، لكن الوقائع تشير لصعوبة التكهن بمآلات الهزات الارتدادية عليهما مستقبلاً.