الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تحليل - موقف السودان الغامض تجاه مصر بعد عزل مرسي

ماهر أبو جوخ
الخرطوم - يتطرق هذا التحليل إلى موقف السودان الغامض من عزل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، أسبابه وكذلك تداعياته على العلاقات السودانية-المصرية مستقبلا.
9.09.2013

اتسم موقف الحكومة السودانية الرسمي حيال التطورات والتحولات السياسية التي شهدتها مصر منذ عزل للرئيس المنتخب محمد مرسي وما أعقبها من أحداث بـالغموض، حيث اكتفى السودان بالتعليق "أن ما يحدث بمصر شأن داخلي".

ولعل مصدر الغموض مرده المقارنة بين موقف السودان الحالي من مصر وترحيبها بشكل سريع بخلع الرئيس السابق حسني مبارك قبل عامين ونصف وانتخاب الرئيس المعزول د.محمد مرسي قبل اكثر من عام.

ما زاد من غموض الموقف الرسمي السوداني هو مشاركة منسوبي تنظيمي المؤتمر الوطني، وهو الحزب الحاكم بالبلاد، والحركة الإسلامية، كيان يرأسه الرئيس السوداني عمر البشير ويضم العديد من الرموز الإسلامية المهيمنة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، في الفعاليات الشعبية أمام السفارة المصرية الرافضة ل’الانقلاب‘ على مرسي والإطاحة به.

مبررات الغموض

هذه المعطيات تطرح تساؤلاً حول أسباب غموض الموقف الرسمي للخرطوم تجاه التحولات والتطورات الأخيرة بمصر. وفي هذا السياق يقول المحرر العام لصحيفة ’السوداني‘ محمد عبد العزيز لـ ’النيلان‘ أن ”الإيديولوجية الإسلامية التي تجمع المؤتمر الوطني بالسودان والإخوان المسلمين بمصر كانت هي الفيصل الرئيسي في تحديد الموقف السوداني الرسمي“.

”الإيديولوجية الإسلامية التي تجمع المؤتمر الوطني بالسودان والإخوان المسلمين بمصر كانت هي الفيصل الرئيسي في تحديد الموقف السوداني الرسمي“
محمد عبد العزيز

هذا يفسر الانقسام وسط الأطراف السياسية والصحفية والشارع السوداني حيال ما حدث بمصر. يفسر عبد العزيز أن التيارات الإسلامية - بما في ذلك منسوبي الحزب الحاكم - تعارض عزل مرسي استناداً لتقاطعتها الإيديولوجية والبرمجية مع الإخوان المسلمين باعتبار تلك الخطوة تستهدف الإسلاميين ولا تعترف بشرعيتهم الشعبية وتفويضهم الانتخابي.

من جهة أخرى، نجد أن عددا من فعاليات المعارضة تنظر لتلك الخطوة باعتبارها نهاية طبيعية لفشل حكم الإسلاميين الذين تم التخلص منهم عبر اللجوء لثورة شعبية تمت مساندتها من قبل الجيش.

”هكذا يبدو واضحا أن كل طرف يتبنى منطق خاص به فالمجموعة الأولى تستند على شرعية (الصندوق الانتخابي) أما المجموعة الثانية تستند لشرعية (الجماهير بالشوارع) باعتبارهم يمثلون الجمعية العمومية“، يقول عبد العزيز.

سبب ثاني يمكن أن يفسر غموض الموقف السوداني هو ”قلق الخرطوم من موجة ثانية من ثورات الربيع العربي تسقط الإسلاميين من السلطة التي وصلوا لها بعد الموجة الأولى انطلاقاً من مصر وربما تونس“، كما يقول أستاذ العلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية بجامعة أمدرمان الإسلامية بشير الشريف احمد مكين.

”تقلق الخرطوم من موجة ثانية من ثورات الربيع العربي تسقط الإسلاميين من السلطة التي وصلوا لها بعد الموجة الأولى انطلاقاً من مصر وربما تونس“ بشير الشريف احمد مكينويشير مكين إلى أن ما يفاقم المخاوف السودانية هي التعقيدات السياسية والأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية التي يعيشها السودان، بجانب زيادة النقمة الشعبية بعد السيول والأمطار الأخيرة نتيجة للفشل الحكومي والرسمي في التعامل معها واستقطاب الدعم الداخلي والخارجي.

”ما ينمي تلك المخاوف السودانية هو خلق تحالف إقليمي بالمنطقة تقوده السعودية يعمل بشكل واضح وعلني من اجل دعم ومساندة مساعي إسقاط المجموعات الإسلامية الحاكمة“، يضيف مكين.

يضاف إلى كل ذلك، أن ترحيب السودان بانتخاب مرسي كرئيس لمصر لم يجعل القاهرة تلبي طموح الخرطوم، الذي كان يتوقع تحسنا بارزا للعلاقات مع الجار الشمالي استناداً للتطابق الإديولوجي الإسلامي بينهما.

السودان فوجئ بعلاقة فاترة نتيجة لتخوف الإخوان من تأثر تجربتهم وربطها بالنموذج الإسلامي السوداني الفاشل ونهايته التي أدت لتقسيم البلاد وعزلته دولياً، يفسر مكين، مضيفا أن ”ما يؤكد هذا الفتور عدم إحداث أي اختراق بالنزاع الحدودي على منطقتي حلايب وشلاتين المتنازع عليهما بين البلدين منذ عهد مبارك".

الخوف من التداعيات


يبدي المحرر العام لصحيفة ’السوداني‘ محمد عبد العزيز قلقه من التداعيات المترتبة على الموقف الرسمي للخرطوم الذي يبدو وكأنه ”حيادي“ باعتباره قابل للتفسير كدعم غير معلن لنظرائهم الإسلاميين بقيادة مرسي.

”قد يجد السودان والسودانيين انفسهم في موضع الاتهام، والتخوف الأساسي على السودانيين الموجودين بمصر أو الزائرين لها“
محمد عبد العزيز
واستدل في تعليقه لـ ’النيلان‘ على هذا الأمر بعدد من النماذج كنشر رسالة من البشير لمرسي يعلن فيها مساندته له في مواجهة ”الانقلابيين“، والتي سارعت وزارة الخارجية السودانية بنفيها لنظيرتها المصرية.

كما أوردت وسائل إعلامية مصرية خبراً يفيد بإلقاء القبض على قناص سوداني خلال إخراج المعتصمين من مسجد الفتح منتصف أغسطس الماضي واتضح لاحقاً عدم وجود ما يسند هذا الخبر.

”وضح أن تلك النماذج المتكررة مصطنعة من قبل جهات ما، ورغماً عن ضعفها وسهولة كشف اختلاقها فإن خطورتها هو إمكانية انطلائها على الأجهزة الإعلامية والرأي العام المصري ووقتها قد يجد السودان والسودانيين انفسهم في موضع الاتهام، والتخوف الأساسي على السودانيين الموجودين بمصر أو الزائرين لها وتعامل الجهات الرسمية والشعبية معهم بوصفهم داعمين للمجموعات المحرضة والمنفذة لأعمال العنف“، يفسر عبد العزيز.

أما أستاذ العلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية بجامعة أمدرمان الإسلامية بشير الشريف احمد مكين فيشير في تعليقه لـ ’النيلان‘ لإمكانية حدوث تداعيات محتملة لهذا الموقف الغامض للخرطوم بإمكانية لجوء مصر لاحتضان المجموعات المعارضة وتحول القاهرة للمركز السياسي والإعلامي لتلك المجموعات رداً على تفسير صمت الخرطوم باعتباره يمثل في جوهره دعماً غير مباشر للرئيس المعزول مرسي وأنصاره.



وزير الإعلام جنوب السوداني مايكل ماكويل ووزير الخارجية المصري نبيل فهمي لدى زيارة هذا الأخير لجوبا، 20 أغسطس.
© النيلان | واكي سايمون فودو
ويمكن تفسير فشل زيارة وزير الخارجية المصري السفير نبيل فهمي للخرطوم، التي جاءت في 18 أغسطس الماضي، في إحداث أي اختراق أو تحول بموقف جارهم الجنوبي كإشارة لهذه التداعيات الممكنة.

وبدا واضحاً أن القاهرة لم تستحسن مواقف جارها الجنوبي من سياق تصريحات أدلى بها فهمي للإعلامين بعد انتهاء زيارته لدولتي السودان، بإشادته بموقف جنوب السودان ورئيسها سلفاكير ميارديت وإعلانه استعداد بلاده وتعاونها مع المساعي المصرية داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لإلغاء قرار تجميد عضويتها، مقارنة بعدم إشارته لأي مخرجات إيجابية لما خلصت إليه مباحثاته بالخرطوم.

وقال فهمي في حوار مع جريدة ’الرأي العام‘ السودانية: ”نتعامل مع حكومة الخرطوم حسب تعاملها معنا“، الشيء الذي تم تفسيره كتحذير: إذا دعمت حكومة الخرطوم الإرهاب مجسداً في جماعة الأخوان، فسوف يكون تعاملنا معها بالمثل.

ملاحظة أخرى استوقفت المراقبين هي اقتصار المقابلات الرسمية لفهمي عند زيارته للسودان على نظيره كرتي وطاقم الخارجية وعدم مقابلته للرئيس أو نائبيه أو حتى معاونيه. هذا يأتي مقارنة مع المرات السابقة منذ تحسن العلاقات بين البلدين في العام 2000 باشتمال برنامج زيارة وزراء الخارجية المصريين على مقابلات مع طاقم الرئاسة، وهي خطوة ذات دلالة سياسية ودبلوماسية أظهرت تحفظات الخرطوم على الأوضاع الجديدة.