الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

دارفور: نزاعات قبلية، انفلاتات أمنية وعجز أممي

محمد هلالي
الخرطوم - بين نزعات قبلية، الصدامات بين الحكومة والمعارضة المسلحة، وحتى تمرد القوات النظامية، تزداد معاناة المواطن الدارفوري دون أمل في الأفق، في أزمة يمكن أن تكون الأسوأ منذ اندلاع النزاع في العام 2003.
14.05.2013
رغم كل التحصينات، تظل قوات اليوناميد ضعيفة وعاجزة أمام حفظ الأمن في دارفور، معسكر كريندينق 2 للنازحين شرق الجنينة، يناير 2013
رغم كل التحصينات، تظل قوات اليوناميد ضعيفة وعاجزة أمام حفظ الأمن في دارفور، معسكر كريندينق 2 للنازحين شرق الجنينة، يناير 2013

لقي خمسة أشخاص مصرعهم وجرح عدد غير معروف في مواجهات مسلحة بين قبيلتي الفور والترجم، بمنطقة وادي بلبل غرب مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور.

وقال شهود عيان للنيلان من نيالا يوم السبت 4 مايو "إن مجموعة مسلحة من قبيلة الترجم، تستقل 40 عربة لاندكروز، هجمت مساء الخميس 2 مايو الماضي على عدد من القرى التي يقطنها عناصر من قبيلة الفور، بمنطقة بلبل غرب نيالا، مما أدى إلى مصرع خمسة أشخاص و جرح عدد غير معروف".

وأضافت مصادر عبر الهاتف يوم الأحد 5 مايو أن المهاجمين قاموا بحرق قرى دمبادمبا، نيروا وترترة، مما تسبب في نزوح المئات إلى معسكر كلمة للنازحين ومنطقة دوماية بنيالا، بالإضافة إلى نزوح عدد من المواطنين إلى منطقة بلبل.

وأوضحت ذات المصادر التي فضلّت حجبها أن ”الأزمة تصاعدت عقب مقتل أحد المواطنين ينتمي لقبيلة الفور، على أيادي مجموعة مسلحة من قبيلة الترجم، قبل أن يخرج أهله لمطاردة الجناة، ويدخل الطرفين في اشتباكات مسلحة في المنطقة".

وغير بعيد من تلك المناطق، وتحديداً في أم دخن، قاد النزاع القبلي بين قبيلة السلامات من جهة وقبيلتي التعايشة والمسيرية من جهة لنزوح الآلاف، كما قامت الحكومة بتهجير الكثيرين بالقوة تفادياً لوقوع الاشتباكات.

وكان هذا النزاع قد تطور إلى حد أنه انتقل لداخل مدينة رهيد البردي بولاية جنوب دارفور. وتسبب القتال العنيف داخل سوق المدينة بين السلامات والتعايشة في مقتل وجرح العشرات يوم الجمعة 12 أبريل، ذلك بحسب إفادات مصادر حكومية.

هذه النزاعات القبلية ليست جديدة على دارفور، ولكنها، بالإضافة إلى أنواع أخرى من العنف، بدأت ترسم وجها جديدا للمنطقة، يتسم بعنف متزايد، يتنافى مع وعود دولية بحلول السلام وقيادة المنطقة نحو إعادة الإعمار.

اتفاق سلام يؤدي إلى صدام وعنف

في النصف الأخير من أبريل، نزحت المئات من الأسر جراء المعارك بين قوات حركة تحرير السودان بزعامة، مني أركو مناوي، والقوات المسلحة السودانية في منطقة مرلا، جنوب مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور.

رغم توقيع اتفاق بين الحكومة وفصيل من حركة العدل والمساواة إحدى أكبر الحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة في دارفور، وذلك بالدوحة في الأسبوع الثاني من أبريل، إلا أن الأحداث تداعت بصورة سريعة ومُخيفة بالإقليم المتأزم، إلى حد يمكن تشبيهها معه بالأسوأ منذ اندلاع النزاع في العام 2003.

”قطع فيه عدد من النازحين مسافة 20 كيلومتر مشياً على الأقدام حتى وصولهم بليل“
صحفية الميدان
وقال شهود عيان، بحسب صحيفة ’الميدان‘ يوم الأربعاء 24 أبريل، إن أكثر من 200 أسرة وصلت إلى محلية بليل شرق نيالا هرباً من القتال بين قوات مناوي و الجيش في منطقة مرلا، وأضاف الشهود: "إن النازحين تجمعوا في الميادين العامة جنوب قسم شرطة بليل، وأشاروا إلى أن النازحين فروا من مناطق تور طعان، صليعة، كاسب، عبر قطارات البضاعة المتجهة إلى نيالا حتى بليل، في الوقت الذي قطع فيه عدد من النازحين مسافة 20 كيلومتر مشياً على الأقدام حتى وصولهم بليل".

وكانت وكالة الأنباء الفرنسية قد ذكرت أن الاشتباكات تجددت بين الحكومة وحركة مناوي، ونقلت يوم الثلاثاء 23 أبريل تأكيدات من الجيش السوداني ومتمردي حركة تحرير السودان، جناح مني مناوي، عن وقوع اشتباكات بينهما مساء الاثنين 22 أبريل في ولاية جنوب دارفور.

وأكد كل من الطرفين أنه أوقع خسائر كبيرة في صفوف الطرف الآخر في المعركة، التي جرت الاثنين في منطقة مرلا.

وقال المسؤول السياسي لحركة مناوي، حسين مناوي، لفرانس برس من أوغندا إن "قواته قصفت بالمدفعية مطار مدينة نيالا لكن حركة الطيران في المطار لم تتأثر"، وفي السياق ذاته أكد المتحدث باسم الجيش السوداني العقيد الصوارمي خالد سعد وقوع القتال في مرلا، لكنه قال إنه "لا يملك معلومات عن قصف المطار".

اليوناميد عاجزة عن الحركة

ومن جانبها أعلنت القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في دارفور يوم الأحد 14 أبريل أن السلطات السودانية منعت جنودها من دخول منطقة في دارفور فر منها نحو خمسين ألف شخص هربا من أعمال عنف قبلية.

"القوة لا يمكنها الإدلاء بمعلومات مفصلة عن الوضع في منطقة ام دخن. لم تسمح الحكومة السودانية لدورية تحقق تابعة للقوة بالوصول إلى المنطقة في العاشر والحادي عشر من ابريل"
عائشة البصري
وتشكو القوة المشتركة على الدوام من قيود تفرضها عليها السلطات السودانية، وقالت المتحدثة باسم القوة عائشة البصري ل’فرانس برس‘ أن "القوة لا يمكنها الإدلاء بمعلومات مفصلة عن الوضع في منطقة ام دخن. لم تسمح الحكومة السودانية لدورية تحقق تابعة للقوة بالوصول إلى المنطقة في العاشر والحادي عشر من ابريل". وأشارت الوكالة الفرنسية إلى "مقتل 18 شخصاً على الأقل في بداية أبريل في أعمال عنف بين قبيلتين عربيتين في منطقة أم دخن المحاذية لتشاد".

بيد أن أن البعثة هذه نفسها تشكوى لطوب الأرض، وهي لا تفعل شيئا، بل على العكس تماماً، هي نفسها تحتاج لمن يحميها. فقد ذكرت وكالة رويترز للأنباء يوم السبت 20 أبريل أن البعثة المشتركة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام، قالت إن "مسلحين مجهولين أطلقوا الرصاص وقتلوا أحد أفرادها في الجزء الشرقي من منطقة دارفور بالسودان، وبذلك يصل إجمالي عدد أفراد البعثة الذين قتلوا في دارفور إلى 44 منذ عام 2007".

ورغم وجود أكبر بعثة لحفظ السلام في العالم بدارفور، استمرت المعارك بين جيش السودان والمتمردين منذ ذلك الحين، إلى جانب اشتباكات قبلية وبين العصابات. وقالت البعثة إن أحد أفرادها قتل بالرصاص في ساعة مبكرة من صباح الجمعة 19 أبريل قرب مهاجرية في ولاية شرق دارفور.

وذكرت فى بيان أن اثنين آخرين أصيبا، ولكن امتنعت عن ذكر جنسية الضحايا.

وهذا ما جعل البعض يفر بجلده من هذا الواقع المرير، حيث دفعت الدكتورة عائشة البصري المتحدثة باسم البعثة يوم الاثنين 22 أبريل باستقالتها لرئيس البعثة محمد بن شامس الذي قبلها على الفور، وعزت عائشة دوافع الاستقالة لعدم رضائها بطبيعة وظروف العمل بالبعثة.

وكشفت البصري في تصريح لصحيفة ’آخر لحظة‘ نشرته يوم الأربعاء 24 أبريل، عن "عدم تلقيها الدعم اللازم من المسؤولين المختصين بالبعثة"، وقالت إنها "واجهت مضايقات فيما يختص بتمليك المعلومة بشكل يتماشى مع متطلبات العمل الإعلامي".

وأردفت قبيل مغادرتها لموطنها المغرب إنها "دفعت باستقالتها رغم أن فترة تعاقدها مع اليوناميد لم تنته"، مشيرة إلى أنها تنتهي في أغسطس من هذا العام، وأعربت عائشة عن أملها في تحقيق الاستقرار في دارفور.

تمرد القوات النظامية: نوع جديد من العنف؟

وفي ذات الأسبوع، شهدت دارفور انفلاتات أمنية وصلت إلى حد تمرد قوة تابعة للحكومة.

فقد أعلنت وزارة الداخلية السودانية الأحد 21 أبريل أن "قوة محدودة من قوات الاحتياطي" في ولاية غرب دارفور نفذت تمرداً.

"قوة محدودة من قوات الاحتياطي المركزي بولاية غرب دارفورنفذت تمردا“
وكالة الأنباء السودانية
وقالت وزارة الداخلية في بيان نقلته وكالة الأنباء السودانية الرسمية أن "قوة محدودة من قوات الاحتياطي المركزي بولاية غرب دارفور" نفذت تمرداً، لافتة إلى أن مركز هذه القوة هو "قطاع الجنينة" كبرى مدن ولاية غرب دارفور القريبة من الحدود التشادية.

وأضافت الوزارة أن القوة المتمردة "قامت بإطلاق النيران بصورة عشوائية بالمدينة، الأمر الذي أحدث هلعاً بين المواطنين، ومن ثم اتجهت صوب الجنوب الغربي دون إحداث خسائر في الأرواح ولا زالت القوات المسلحة تطارد الفلول".

وتابع البيان أن قوة الاحتياط "انسحبت من معسكرها بعد نهب أربع عربات لاندكروز دفع رباعي بأسلحتها وبعض التعيينات الغذائية"، لافتاً إلى أن الهدوء عاد إلى المنطقة.

وقوة الاحتياطي هي أحدى القوات التي تستخدمها الحكومة السودانية لمقاتلة المتمردين في دارفور، ويتهمها عدد من الدارفوريين بارتكاب جرائم ضدهم.

وفي سياق ذي صلة اعتدى أفراد مسلحون على سجن محلية كاس، بولاية جنوب دارفور، بالثلاثاء 23 أبريل، وتمكنوا من تهريب 4 متهمين إلى خارج المدينة. وذكر بيان صحفي لشرطة الولاية، أن "مجموعة مكونة من ثلاثة مسلحين مجهولين قامت بالاعتداء على سجن محلية كاس بعد أن قاموا بتمويه أفراد الشرطة بأنهم حضروا لزيارة أقاربهم الذين تم القبض عليهم في بلاغات جنائية".

وتحركت قوة مشتركة من الشرطة والاحتياطي المركزي لملاحقة الجناة. وأضاف البيان "أنه أثناء المطاردة ظهرت لهم مجموعات مسلحة تابعة للجناة اشتبكت معهم في ثلاثة مواقع، مما حال دون القبض على الجناة الأربعة الذين تم إخراجهم من السجن".

أهل دارفور: معاناة لا تنتهي


وبين كل هذا العنف، تزداد معاناة انسان دارفور، فقد أوردت صحيفة ’الميدان‘ على الإنترنت يوم 15 أبريل، عن مكتب الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة بالخرطوم "إن أكثر من 17 ألف نازح جراء الأحداث العسكرية في منطقة مهاجرية بدارفور، يعيشون أوضاعا إنسانية قاسية“.

“أكثر من 17 ألف نازح جراء الأحداث العسكرية في منطقة مهاجرية بدارفور، يعيشون أوضاعا إنسانية قاسية“.
مكتب الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة بالخرطوم
وأكد المكتب في تقرير له أن "فريق من عدد من المنظمات الانسانية ووكالات الأمم المتحدة، قام بعمليات مسح أمس الاول في مناطق شرق دارفور، حيث يتواجد 9 الف نازح في مجمع اليوناميد شرق مهاجرية، وثلاثة آلاف في منطقة أبو حديدة، ستة آلاف الف في مجمع اليوناميد بمنطقة لبدو، و2900 في محلية ياسين".

وكشف التقرير عن "وصول أكثر من 120 نازح إلى معسكر النيم للنازحين بالضعين"، وأشار إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في "توفير الغذاء و المياه بالإضافة إلى الخدمات الصحية للنازحين في ظل استمرار المعارك العسكرية، بين حركة مناوي و القوات الحكومية".

من المسؤول؟


قال صالح محمود عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي - أحد أبرز مكونات تحالف قوى الإجماع الوطني المعارضة - يوم السبت 27 أبريل، إن النظام لا يريد تنفيذ اتفاقية الدوحة، وإن الاتفاقية تعرضت لما اسماه بـ"التأخير المتعمد" في تنفيذ البنود وفقاً للجداول الزمنية، مضيفاً إن "الحكومة لم تلتزم بما عليها من التزامات مالية، وتجاهلت عن عمد مسألة تهيئة الأجواء والمناخ، وذلك وفقا للنصوص الواردة في البند (5) (العدالة والمصالحة)".


الصحفي محمد الفاتح همة.
© النيلان |  خالد الكوارتي

وأعتبر صالح أن هناك جهات داخل المؤتمر الوطني غير راغبة في إنفاذ اتفاقية الدوحة، مردفاً "هذا تيار مسيطر يرى أن الاتفاقية حققت مكاسب كبيرة لأهل دارفور، فلذلك يستكثرها عليهم، ويرى أنها خصماً على المؤتمر الوطني ومصالحه في دارفور".

ويرى الصحفي محمد الفاتح همة، وهو أحد أبناء دارفور، أن الحلول تكمن في "نزع السلاح وعودة النازحين إلى قراهم وتعويضهم وفرض هيبة القانون".

وأضاف همة في حديث مع ’النيلان‘ يوم الخميس 25 أبريل، أن المال لن يحل الأزمة "والحديث عن مؤتمر المانحين لن يقدم شيئاً لإنسان دارفور" مطالباً قطر بالانسحاب والاعتراف بالفشل، مبيناً أن إصرار قطر على منبر الدوحة يعمل على تعقيد الأزمة، حيث أنه "يزيد حجم الانشقاقات في صفوف الحركات، وبالتالي مزيداً من العنف في الإقليم".

وأشار همة إلى أن "الصراع الآن دخل مرحلة جديدة هي الاسوء منذ اندلاعه في 2003"، مردفاً أن الصراعات القبلية الأكثر تأثيراً الآن، عملت على نقل الصراع إلى المدن بعد أن كان خارجها.

"الصراع الآن دخل مرحلة جديدة هي الاسوء منذ اندلاعه في 2003"
محمد الفاتح همة

وقلل همة في ذات الوقت من مقدرة البعثة المشتركة يوناميد على حفظ الأمن "هي نفسها تحتاج لحماية والمواطنون أصبحوا لا يثقون بها ولا يوجهون شكواهم لها"، لافتاً إلى أنها "ضعيفة وغير مُحايدة" على حد تعبيره، مطالباً بضرورة أن تكون هنالك قوات "أكثر احترافية" من هذه القوات الموجودة الآن في الإقليم.

نزاعات قبلية، وانفلاتات أمنية، عمليات نهب وسلب، هذه هي الصورة الواضحة الآن بدارفور، صورة تكاد تكون أوضح من وجود حركات سياسية مُسلحة تقاتل النظام الحاكم، وإن كانت موجودة فعلياً، فإن الأوجه الأخرى التي نشير إليها باتت هي المُحرك الأساسي للأزمة، والمشكل الرئيسي حالياً.

 مرحلة جديدة، وشكل جديد للصراع في دارفور، تمظهرت فيه عدة أطراف؛ وهو ما زاد الأمر تعقيداً، وذلك تحت مرأى ومسمع من قوات حفظ السلام، ووكالات الأمم المتحدة، التي يبدو أنها عاجزة تماماً عن التعامل مع الأوضاع.