الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تحقيق | مؤتمرات الصلح في دارفور والتمادي في نقض العهود والمواثيق!

محمد هلالي
الخرطوم ‪-‬ يأخذ العنف في دارفور أنماطاً مختلفة ومتعددة، ولكن تبقى القبيلة مسيطرة على توجيهه في كافة أنماطه. حتى الحركات المسلحة من الملاحظ أن الطابع القبلي يحرك غالبية مواقفها. فماهي أسباب هذه الانفلاتات الأمنية؟…
9.11.2012
لقاء بالمصادفة في مناسبة إجتماعية عادية لزعماء قبائل‪،‬ تحول على الفور لمناقشة إشكالات العنف المتجدد والخروج بحلول مرضية للجميع، أكتوبر ‪.‬2012
لقاء بالمصادفة في مناسبة إجتماعية عادية لزعماء قبائل‪،‬ تحول على الفور لمناقشة إشكالات العنف المتجدد والخروج بحلول مرضية للجميع، أكتوبر ‪.‬2012

شهدت ولاية شمال دارفور في منتصف أغسطس الماضي أحداثاً عنيفة بين بعض المكونات القبلية. وفي خطوة متوقعة بعد اندلاع هذه الأحداث، أعلن والي الولاية محمد كبر أنه تم تعيين العميد محمد كمال الدين، قائد منطقة كتم العسكرية، مشرفاً لمحليتي الواحة وكتم، وذلك في مطلع سبتمبر الماضي.

وأعلن الوالي في ذات السياق حظر التجوال من الساعة السادسة مساءً وحتى السابعة صباحاً بجانب منع حمل السلاح ولبس القناع على الوجوه داخل المنطقة، وإغلاق المدارس إلى اجل غير مسمى.

وأكد كبر في مؤتمر صحفي في نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الماضي، بأمانة حكومته بالفاشر عاصمة الولاية، أنه لم يتم إعفاء أياً من معتمدي الواحة وكتم، مشيراً إلى سحب الأجهزة العدلية والشرطية وقوات الاحتياطي المركزي علاوة على لجان التحقيق من كتم مؤقتاً، إلى حين استقرار الأوضاع.

”حجم الخسائر بالمنطقة حوالي سبعة قتلى في الأحداث التي حدثت قبل أيام بينهم مواطنين وأحد عشر جريحا وحرق عربة مواطن وعربة أخرى تتبع للشرطة“
محمد كبر
وأوضح كبر أن "حجم الخسائر بالمنطقة حوالي سبعة قتلى في الأحداث التي حدثت قبل أيام بينهم مواطنين وأحد عشر جريحا وحرق عربة مواطن وعربة أخرى تتبع للشرطة".

وكانت الأوضاع الأمنية والإنسانية قد تردت بصورة مقلقة للغاية بشمال دارفور منذ بداية شهر أغسطس الماضي، حيث تشهد الولاية في محليتي كتم ومليط انفلاتاً أمنياً تحاول الحكومة في المركز وصمه بالقبلية في أعقاب اغتيال محافظ محلية الواحة بالولاية.

وشهدت محلية مليط في ذلك التوقيت هجوما من مسلحين يقول شهود عيان أنهم هاجموا سوق المدينة ونهبوا وسلبوا المدنيين فيه وقتلوا رجل يعمل في عربة كارو (عربة مع حمار تستخدم لنقل المواد الثقيلة والناس في تلك الأنحاء، وتعتبر من أهم وسائل النقل) في السوق، فقط لمجرد أنه لم يتنح من طريق هؤلاء المهاجمين الذين بلغ عددهم أقل من المائة بقليل.

وشهدت مدن كتم والفاشر في تلك الأثناء اعتقالات من قبل القوات النظامية والأمنية بصورة عشوائية وشرسة. وقالت مصادر عليمة أن أقارب والي الولاية محمد كبر هم من قاموا بهذه العمليات وأكدت بعض المصادر على عدم انتمائهم للقوات النظامية من الأساس.

وفي السياق اختطفت مجموعة مسلحة أحد عناصر جهاز الأمن يُدعى محمد الدومة وتم اقتياده إلى مكان مجهول وقتلت إثنين من مرافقيه أحدهم صاحب منصب كبير بالجهاز في محلية كتم.

”سكان مخيم كساب للنازحين قد فروا جميعهم بسبب القتال“
مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بالأمم المتحدة
وفي وقت سابق لهذا الحدث في منتصف أغسطس أعلن مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بالأمم المتحدة أن "أعمال العنف التي اندلعت مجددا منذ ما يقارب عشرة أيام في إقليم دارفور أدت إلى تشريد ما يقارب 25 ألف شخص".

وقد شهدت محلية كتم ومخيم النازحين في منطقة كساب عمليات نهب وسلب لمنازل المهجرين والأسواق والمؤسسات التجارية. وأكدت المنظمة الدولية أن "سكان مخيم كساب للنازحين قد فروا جميعهم بسبب القتال". والجدير بالذكر أن معسكر كساب للنازحين والذي يقع على مشارف كتم شمال غرب الفاشر، كان يأوي النازحين منذ العام 2003.

وقد جاء اندلاع موجة جديدة من العنف مع بداية شهر أغسطس الماضي على خلفية مقتل معتمد محلية الواحة عبد الرحمن محمد عيسى هو وسائقه في كمين من قبل مجهولين في سوق كتم.

سبب الانفلاتات

ويذهب البعض إلى أن صراعات قبلية تقف وراء هذا الأمر. ويرى بعض المحللين أن تزامن هذه الأحداث مع اقتراب توصل الحكومة المركزية لحلول بشأن قضاياها العالقة يشبه إلى حد كبير تلك الأيام التي اندلعت فيها أزمة دارفور بصورة حادة، أثناء وضع اللمسات الأخيرة لاتفاقية نيفاشا.

ويعتبر آخرون أن النظام المركزي يغذي الصراعات القبلية التي تنشط بين الفينة والأخرى عن طريق الولاة وقيادات الحكومة في تلك الولايات من الإقليم المتأزم.

وفي ذات السياق رجحت مصادر مطلعة بشمال دارفور وجود انقسام حاد في الأجهزة الأمنية بالولاية، مما أدى للانفلاتات الأمنية بمدينة مليط التي أودت بحياة ستة أشخاص وجرح 12 آخرين في أواخر شهر أغسطس.

وقال مصدر موثوق أن النزاع نشب بين عناصر تتبع لجهاز الامن من أبناء قبيلتي البرتي والزيادية مما أدى لانفجار الصراع.


رئيس هيئة الدفاع عن الحريات والحقوق فاروق محمد إبراهيم. © النيلان | محمد هلالي
وأكد المصدر أن العلاقة بين قبيلتي البرتي والزيادية لم تشهد أي نزاعات طوال السنوات الماضية وانهما يعيشان بسلام كامل حتى خلال سنوات الحرب في دارفور، ويقتسمان منافع البيع والشراء وحركة التجارة في سوق مليط. وأشار إلى أن الأوضاع في المنطقة ما تزال محتقنة جدا رغم توقف القتال الآن.

وكانت قبيلة الزيادية أصدرت بياناً بالتزامن من تلك الأحداث اتهمت فيه والي الولاية محمد كبر "بدعم أبناء قبيلته من البرتي" في الصراع الذي نشب في مدينة مليط.

وهرع وزيرا الدفاع والداخلية إلى شمال دارفور لاحتواء الموقف المتفجر بالولاية، لا سيما في ظل اتساع هوة الخلافات المبنية على أساس قبلي بين منسوبي الأجهزة الأمنية في مناطق واسعة بشمال دارفور.

ويرى محللون بان اللعب على التناقضات القبلية في اقليم دارفور التي مارستها الحكومة لفترة طويلة أدت لاحتقانات مكتومة بدأت في الانفجار الواحدة تلو الأخرى.

ويرجح المحللون أن تكون أحداث العنف التي اندلعت في كتم ومليط والاعتداء علي مقر السلطة الانتقالية بالفاشر والقتل العشوائي للمتظاهرين بنيالا، أمثلة واضحة للصراع والانفلات بين الأجهزة الأمنية الحكومية، مما دفع وزيرا الدفاع والداخلية للوقوف على الأمر بنفسيهما.

ويتوقع المحللون أن تكون لهذه الأحداث ما بعدها، لا سيما أن القبيلتين تستندان على علاقات جيدة مع النظام، فوالي الولاية، محمد كبر، يمتلك مليشيات تعرف وسط مواطني الولاية بمليشيات كبر ومعظمها من أبناء قبيلته، وفي المقابل فان زعيم مليشيات الجنجويد موسي هلال هو واحد أيضاً من قيادات قبيلة الزيادية.

ويقول رئيس هيئة الدفاع عن الحريات والحقوق فاروق محمد إبراهيم أن الحكومة تعمل في هذه الأثناء على تفتيت وحدة أبناء دارفور، مشيراً إلى أن المعلومات التي تواترت إليهم ”تؤكد على حدوث تقدم فيما يتعلق بتقارب في وجهات النظر بين الفرقاء في الإقليم عقب إنعقاد عدد من مؤتمرات الصلح والمكاشفة تمت مؤخراً“.

مؤتمرات الصلح

الملاحظ بدقة للأوضاع في الإقليم وطبيعة أهله يفهم جيداً أن أي تجمع للقبائل الدارفورية في أي مناسبة اجتماعية ولو عن طريق المصادفة يتحول دائماً إلى طاولة لمناقشة هذه الإشكالات ودائما ما يخرج للمفارقة بعدد من الحلول والنتائج، فهم لا يحتجون لأن تقوم جهة بعينها بجمعهم.

بيد أنه من المعروف بالنسبة للسودانيين أن هنالك أكثر من أربعين مؤتمراً للصلح بين القبائل تمت في الفترات الأخيرة، ولكنها لم توقف نزيف الدم وحالة الاقتتال المستمرة بين القبائل في أنحاء مختلفة من السودان، ولعل دارفور هو الإقليم صاحب النصيب الأوفر من هذه الحالات والمؤتمرات كذلك، وحتى ما يحدث في الأنحاء القريبة من دارفور في كردفان مثلاً فلا يخرج عن انه امتداد لتلك الحالات.

ومؤتمرات الصلح هذه هي في الأصل الوسيلة المتبعة منذ أزمان قديمة في حلحلة المشكلات التي كانت تنجم بين فترة وأخرى بين القبائل، ولكنها أصبحت في نظر الكثيرين غير مجدية، كما أصبحت كذلك الإدارات الأهلية غير مجدية.


المحلل السياسي والناشط الدارفوري عبد الله آدم خطر.
© النيلان | محمد هلالي
تأثرت كتم ومليط، وقبلها لأعوام مضت في كاس، شعيرية، تلس، برام، خور رملة، أبو جابرة وغيرها من المناطق بدارفور وجزء من كردفان، بشدة بهذه الصراعات ولم تهدأ منذ فترة ليست بالقصيرة، كما لم يتوقف بها انعقاد مؤتمرات الصلح.

وعلى سبيل المثال للحصر فان البرقد والزغاوة يفضون أولى جلسات صلحهم عند إصرار قيادات البرقد على خروج قوات الحركات الدارفورية المسلحة المحسوبة على قبيلة الزغاوة من منطقة شعيرية على أساس أنها حاكورتهم (أي أرض ملك لهم).

كما وأن هنالك العديد من المناطق تحدث بها مواجهات تخلف خسائر أكبر من مناطق أخرى تجد نصيبها في الإعلام نسبة لبعد الأولى من المركز إلى جانب أهمية الثانية. فمثلاً نجد إن قبائل الرزيقات الأبالة "نوايبة" والمسيرية جبل كانت بينهم مواجهات في منطقة خور رملة بغرب دارفور، وامتدت حتى جنوب دارفور.

كانت هذه الصراعات أكثر دموية من الأحداث التي وقعت بين الطرفين في جنوب كردفان بمنطقة أبو جابرة. على الرغم من ذلك، وجدت هذه الأخيرة نصيبها من البحث وإرسال القوات النظامية والنشر بالصحف أكثر من الأولى لقربها من مناطق إنتاج النفط، رغم أن السبب الغالب في هذه الصراعات هو الأرض والمياه.

حضور للسلاح وغياب للدولة

الملاحظ بدارفور بصورة خاصة، وأنحاء كبيرة من كردفان، هو عدم التمييز بين المواطن العادي وفرد القوات الأمنية، فالجميع مدجج بالسلاح. وهذا ما أجمع الكثيرون على انه السبب الرئيسي في اندلاع المواجهات بين القبائل.

ويقول المحلل السياسي والناشط الدارفوري عبد الله آدم خاطر إن "دخول الإقليم في نزاع حاد ومسلح مع المركز، قد تمخض عنه إن يصبح السلاح الحكومي الذي استخدم في مواجهة القبائل أصبحت القبائل تستخدمه ضد بعضها“.

”انتشار السلاح بصورة كبيرة وعدم مراقبته يعمل على تفاقم الصراعات وتجددها“
فيصل محمد نور
ومن جانبه زاد عضو المجلس التشريعي عن دائرة شعيرية فيصل محمد نور أن "انتشار السلاح بصورة كبيرة وعدم مراقبته يعمل على تفاقم الصراعات وتجددها"، كما أشار إلى إن الشخص العادي لا يستطيع التمييز بين المواطن العادي ورجل الأمن أو الشرطة“.

وأوضح فيصل محمد النور أن "الحركات المسلحة بدارفور والجنود النظاميين جزء من هذه القبائل"، وزاد انه مع غياب الحكومة، فإنه من الصعب السيطرة على السلاح الذي بأيديهم، إلى جانب استخدام نفوذهم وسلطاتهم ضد قبائل أخرى.

وإتفق مع هذه الفكرة القيادي بحركة مناوي سابقاً والناطق الرسمي باسمها، ذو النون سليمان، الذي أشار في اتصال هاتفي إلى أنه "لابد من إعمال القانون في البداية وبسط هيبة الدولة،" مطالباً بالعمل على نزع أسلحة المليشيات بكل أشكالها، وإعمال القانون في القضاء على الجريمة والقبض على المجرمين والجناة.

وهؤلاء تحديداً، أعتبر صديق عبد النبي، أحد كبار رجالات قبيلة البرقد،" انه لا يوجد تدخل جاد من الدولة تجاههم ومحاسبتهم،" مشيراً إلى إن هذا الأمر يشجع على تجدد الانفلاتات، مؤكداً على ضرورة بسط هيبة الدولة.

جيل جديد وتسييس للإدارة الأهلية

جيل جديد من القيادات القبلية الشابة برزت في هذه الصراعات خلال فترات الحرب، وهذا الجيل الذي تمخض عن ظروف الحرب المشتعلة لا يؤمن بالإدارة الأهلية التي أصبحت غير فاعلة على الرغم من الدور الكبير الذي كانت تلعبه في فترات سابقة.

ويضيف المحلل السياسي والناشط الدارفوري عبد الله آدم خاطر، أن "المجتمع الدارفوري على الرغم من تنوعه ولكنه استطاع على مدار قرون إن يحافظ على نسيجه الاجتماعي“. وأشار خاطر إلى قوة الإدارات الأهلية في تلك الفترة، وأشار إلى إن هنالك قيادات قبلية شابة، موضحاً أنها تدير شئون القبائل في المعسكرات في ظل النزاع الموجود، مع الإشارة إلى أنها تحمل أجندة سياسية.

”هذه القيادات الشابة الجديدة لا تعرف ماذا تعني الإدارة الأهلية ولا تعترف بها ولا بدورها، ولا بكيفية إدارة الأمور وتسويتها بغير القوة“
صديق عبد النبي
بينما اعتبر صديق عبد النبي أن "هذه القيادات الشابة الجديدة لا تعرف ماذا تعني الإدارة الأهلية ولا تعترف بها ولا بدورها، ولا بكيفية إدارة الأمور وتسويتها بغير القوة". وأضاف إن لهم فهم جديد ونظرة للحياة مختلفة، مع عدم وجود لمجالات تستوعب طاقاتهم، معتبراً انه لهذا السبب تتجدد مثل هذه التفلتات.

وأوضح ذو النون سليمان أنه حدث تسييس للإدارة الأهلية حتى أصبحت هي كذلك جزء من الأزمة، مشيراً إلى إن هذا ما جعلها غير ملزمة للكثيرين، مطالباً بتعزيز دور الإدارة الأهلية مما يساعد في القيام بواجباتها المجتمعية بحياد وفاعلية بعيداً عن محاولة تسييسها، إلى جانب إتباع سياسة تنموية تعليمية، والابتعاد عن ما أسماها "قبلنة" الأجهزة وتعميم الخدمات وقوميتها ومدنيتها وجعلها بعيداً عن تحكم القبائل بها.

الحلول في ظل ديات مكلفة وعدم تمثيل لأولياء الدم

اعتبر صديق عبد النبي إن الديات التي تقررها المؤتمرات تكون تكلفتها كبيرة ولا تستطيع القبيلة تحملها، كما وأضاف إن المصالحات لا يمثل فيها أولياء الدم بصورة مباشرة ولا يكون هنالك تمثيل لذوي الأرحام أو من لهم علاقة بالقتلى، مشيراً إلى أن هذا هو ما يولد الغبن مستقبلا.

بينما يرى ذو النون سليمان إنه تاريخياً، كانت هذه المؤتمرات تمثل الحلول العرفية لمشكلات صغيرة ومحدودة، ولكن الآن المشكلات كبيرة ولا يمكن أن تكون هذه المؤتمرات حلا لها، مشيراً إلى أن "آليات تنفيذ مقررات هذه المؤتمرات ضعيفة وغير ملزمة للقبائل".

في حين اعتبر عبد الله آدم خاطر أن هذه المؤتمرات "فقدت احترامها بالتدخلات المركزية والأمنية إلى جانب تسييسها"، مضيفاً أنها جزء من التراث التقليدي وستكون محل استفادة كبيرة عندما يكون هنالك استقرار.