الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

حرب جنوب كردفان: أحزان بلا شواطئ

مها التلب
الأبيّض ‪-‬ العديد من الأسر تكافح كل يوم لمواجهة صعوبات الحيا ة بعد أن دفعتهم حرب جنوب كردفان الى هجرة منازلهم وأراضيهم للاستقرار في معسكر الأبيض.
5.11.2012
نازحون من جنوب كردفان في طريقهم الي معسكر ييدا، في ولاية الوحدة في جنوب السودان، يوليو 2012.
نازحون من جنوب كردفان في طريقهم الي معسكر ييدا، في ولاية الوحدة في جنوب السودان، يوليو 2012.

مجموعة ممن دفعت بهم الحرب المشتعلة في جنوب كردفان للعبور شمالا لم يجدوا من ملجأ سوى الأبيض، في ولاية شمال كردفان في السودان، أو بالأحرى أطراف المدينة، للاستيطان هناك في وضع يصعب على كل إنسان، وضع يصعب وصفه.

800 أسرة من مناطق مختلفة من ولاية جنوب كردفان استوطنت معسكر الأبيض، واعداد أخرى تفرقت داخل أحياء طرفية بالولاية مثل حي السلام وعرفات.

إنها الحرب بأوجاعها وبآلامها التي لا تنتهي. ولو أن من يرفعون البندقية فهموا أن رصاصها لا تحده حدود، لما رفعوها ولبحثوا عن آلية جديدة تنتزع بها الحقوق، دون أن تؤثر على الآخرين.

”هل ثمة سبيل لتحقيق طموحات البقاء في الكرسي أو الوصول إليه غير الصعود على أشلائنا؟ تبا للحرب ولمن أشعل نارها ولمن أحضر لها وقود الاشتعال! تبا للجميع!“
امرأة لاجئة

الناس يحملون عصا ترحالهم في اتجاه مكان جديد، بعيدا عن مرمى النيران. ولكن قدرهم كتب عليهم أن يستظلوا من الرمضاء بالنار.

حكايات بالدموع التي يذرفونها على أيام السلام والاستقرار، على الحقول التي تنبت الخضرة، وعلى الابتسامات التي تكتسي بها العيون. عيونهم أصبحت غائرة الآن، فاقدة للبوصلة.

”هل ثمة سبيل لتحقيق طموحات البقاء في الكرسي أو الوصول إليه غير الصعود على أشلائنا؟ تبا للحرب ولمن أشعل نارها ولمن أحضر لها وقود الاشتعال! تبا للجميع!“ لسان الحال غلب هكذا على امرأة تجاوزت بعمرها الأربعين، تجلس من خلف (طشت) الملابس لإزالة البقع على الملابس في أحياء مدينة الأبيض. ولكن التساؤل هو: من يزيل الذي علق بها من خوف وحزن؟

الأنفاس اللاهثة والأيادي التي تتسابق للحصول على خرقة بالية تقي الراقدين تحتها زمهرير البرد وأنواء الرياح. سكان المعسكر أطفال ونساء وشيوخ وعدد محدود من الرجال.

لا شيء سوى الفراغ والأراضي المنبسطة كأحزان من اجبروا على البقاء فيها. مجموعة من المشمعات وضعت كيفما اتفق، والعنقريب  الواحد هناك يحمل الأسرة كلها، آملين أن يكون دفء العائلة وأنفاسها واقيا من برد الشتاء.

”في حضني السلوى“
فاطمة، إحدى اللاجئات
”في حضني السلوى.“ هكذا أجابت فاطمة بعد سؤالها عن الواقع وعن حال أطفالها. فاطمة أم لستة لا يملكون الغطاء، مما جعلها تضطر لمنحهم الدفء بالدور. ارتجافات البرد تجعلها تحتضنهم بالدور طوال ساعات الليل الذي لا ينتهي، قبل أن يهل الصباح لإكمال رحلة الكفاح من اجل الحصول على ما تطعمهم به. دموعها كانت هي الرسالة الأكثر بلاغة ومعها عبارة ’الله كريم علينا‘.

الحكومة كانت في المعسكر في أول ايام عيد الأضحى وهي تشاركهم الفرحة بذبح الأبقار وكأنها تعيد تلك الدماء التي اريقت حين ذهب الجنوب لحال سبيله، وتعيد في الوقت نفسه شعارات ’يا فيها يا نطفيها‘، ’النجمة او الهجمة‘، و’هارون ولا القيامة‘.

دماء الأبقار هي فقط ما استطاعت حكومة شمال كردفان إليه سبيلا، وهو الأمر الذي يرتبط بقرارات الحكومة بانه لا سبيل لإقامة معسكرات نزوح تعيد أوجاع دارفور بدمائها النازفة وتفتح بوابات الولوج للمنظمات التي تنطلق من أغراضها الذاتية في البلاد، تعيد
أزمة معسكر ’كلمة‘ في دارفور.

ولمعرفة رأي الحكومة حول هذه الأزمة، حاولنا الاتصال بعدد من المسؤولين، لكنهم رفضوا ان يدلوا بأي تصريحات.

”إلا أن الأمر يجب أن تقال فيه كلمات،“ عبارة رددها على مسامعي شيخ تجاوز الستين من عمره، وهو يبكي على الموسم الزراعي الذي فاته.

”نحنا عايزين نرجع بلدنا ونعيش في أمان زي زمان“
شيخ لاجئ
بكى حالة الاستقرار التي كانوا يعيشونها. بعد ان كانوا يمنحون الآخرين خيرهم، ها هم الآن يتوسدون العراء وينتظرون هبات الآخرين التي لن تأت. وأضاف: ”نحنا عايزين نرجع بلدنا ونعيش في أمان زي زمان“، وكأنه يستعيد شريط أصوات البنادق التي دفعت بهم إلى الهروب دون ان يحملوا معهم شيئا.

عن الوضع الصحي حدث ولا حرج. أي مكان بعيدا عن اعين الناس هو مكان لقضاء الحاجة ولا وجود لأي خدمات صحية تذكر. ترك الأطفال التعليم. يذهبون مع شروق الشمس تلقاء سوق الأبيض والعمل في اي مهنة توفر في نهاية المطاف قدحا من الفول وبعض
الرغائف لمن لا يستطيعون مغادرة البيت الجديد أو الملجأ الجديد.