الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

محجوب محمد صالح: ”لا خيار أمامنا غير العودة لاتفاق نافع – عقار“

محمد هلالي
الخرطوم ‪-‬ في هذا الحوار، يوضح الأستاذ محجوب محمد صالح عددا من القضايا المتعلقة باتفاقيات أديس أبابا، ومستقبل العلاقات بين السودان وجنوب السودان.
24.10.2012
محجوب محمد صالح في مكتبه بصحيفة ’الأيام‘، الخرطوم، أبريل ‪.‬2012
محجوب محمد صالح في مكتبه بصحيفة ’الأيام‘، الخرطوم، أبريل ‪.‬2012

الأستاذ محجوب محمد صالح هو عميد الصحفيين السودانيين، ويسطر بقلمه يومياً على صفحات صحيفته الغراء ’الأيام‘ تحليلات وآراء في ما يتعلق بشئون الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي السوداني.

يحتاج كل مشتغل بالشان العام إلى مطالعة كتابات الأستاذ محجوب للتزود منها، تحليلاً ورأياً ومعرفةً، فالرجل له خبرة طويلة في دهاليز السياسة السودانية، وله مواقف واضحة وصلبة لا ينكرها إلا المكابرون.

وفي ذات الوقت، يمثل محجوب محمد صالح مرجعاً حقيقياً وأصيلاً في التاريخ السياسي الحديث. ’النيلان‘ وضعت أمام الأستاذ، في مكتبه بصحيفة ’الأيام‪‘‬ في الخرطوم، اتفاق أديس أبابا الأخير وما ترتب عليه من تغييرات على مستويات العمل السياسي في الخرطوم وجوبا، ومستقبل العلاقة بين الشماليين والجنوبيين على ضوئه.

يقود الأستاذ محجوب مبادرة للإخوة الشمالية الجنوبية ويعمل جاهداً من أجل مستقبل آمن للشعبي السودان وجنوب السودان، فكان محورنا الأول في هذا الجلسة القصيرة هذه الجمعية، ومن بعدها تناولنا ثلاث محاور أساسية في ذات الموضوع وهي التي تخص الضغوط الدولية وتأثيرها على الإتفاق ومستقبل الجولات التفاوضية، قضايا النقاط الخلافية حدودياً ومصالح القبائل فيها، إلى جانب معضلة قطاع الشمال. وكانت الإفادات التالية:


س: أستاذ محجوب، إنكم تتبون مبادرة للإخوة بين الشماليين والجنوبيين في شكل جمعية طوعية مدنية، نرجو أن تحدثنا عن مبادرتكم هذه؟

ج: كانت البداية قبل الاستفتاء وذلك عندما قمنا بتأسيس المنظمة الوطنية لدعم الوحدة الوطنية منذ العام 2010. وفي ذلك الوقت كنا نستصحب معنا أن الرأي العام الجنوبي ميال أكثر للانفصال، فكنا نعمل على أساس أنه حتى إذا حدث الانفصال فلابد من الإحتفاظ بالعلاقة المتميزة بين الدولتين والشعبين.

ولهذا السبب في ورقتنا التأسيسية ذكرنا أننا سنعمل للوحدة وسنواصل جهودنا لحسن الجوار إذا حدث الانفصال. وبالفعل بعد إعلان نتيجة الاستفتاء قمنا بعقد جمعيتنا العمومية وانتقلنا للخطة -ب-، وقمنا بتسجيل جمعيتنا هذه في يناير 2011 في مجلس الصداقة الشعبية وفق قوانينه، ودشناها في أبريل الماضي كجمعية للإخوة بين الشماليين والجنوبيين. وحسب قانون المجلس فإننا نقبل أي جنوبيين موجودين ومستقرين في الشمال بنسبة 30 في المائة.

بعد ذلك قمنا بالإتصال ببعض منظمات المجتمع المدني في جوبا لإنشاء جمعيات مشابهة في الجنوب، وتشكيل لجنة للتنسيق للعمل على المستوى الشعبي من أجل واقع مبني على حسن الجوار بين البلدين. من منظورنا، ما حدث هو مجرد ترتيبات دستورية أنشات دولتين وهو ما يقتضي أن تكون القنوات سالكة، ولا عودة للحرب، إلى جانب حدود آمنة هي الأطول بالنسبة للدولتين إذا تبلغ 2000 كيلو متر.

وفي هذه الحدود بطبيعة الحال معطيات وحراك شعبي يتطلب أن تكون هذه الحدود مرنة. فمثلاً لدينا ملايين الرعاة يحتاجون سنوياً لعبور الحدود جنوباً، وهنالك حالة من التبادل التجاري، حتى في أيام كانت الحرب في أشد عنفوانها ظلت مزدهرة. وهذا إلى جانب أن دولة الجنوب دولة مغلقة ولا حدود لها على البحر ويمكنها الإستفادة من البنى التحتية في السودان، فهنالك خط للسكة الحديد من واو إلى بورتسودان وخط نهري من كوستي إلى جوبا.

إنطلاقاً من كل هذه الأسباب وغيرها، نحن نجد أن الظروف مهيئة لتنزيل أهداف جمعيتنا، رغم أننا كنا مدركين أن الانفصال  ستترتب عليه بعض المواجهات وبعض الخلافات، وهذا حدث في كل البلدان التي مرت بمرحلة مثل هذه، حيث مرت بفترات توتر مؤقت. ولكننا لدينا رؤية مبنية على استراتيجية بعيدة المدى، ونرتكز فيها على أنه حتى في حال حدوث توتر على المستوى الحكومي فلا يمكن لنا أن نسمح بأن ينتقل إلى المستوى الشعبي، فنحن ننظر للأمر على أنه ترتيبات دستورية أدت لهذا الانفصال على المستوى السياسي ولكنه ليس انفصالاً وجدانياً، وذلك عند تذكرنا أن الجنوبي كان في أشد فترات التمرد قساوة يلجأ للشمال.

س: إلى مدى تجد أن ظروف الضغط الدولي التي تفاوض الطرفان تحت ظلها أثرت في خروج الإتفاقية بشكل الحالي؟ وكيف تتوقع مستقبل الجولات التفاوضية على ضوئها؟ وفي ذات التوقيت هنالك الكثيرون يجدون أن قمة الرئيسان فشلت، حيث أنهما في الأخير لم يتفقوا على مجمل القضايا التي رُحِلت لهما من الجولات السابقة. ما هو تعليقك على هذه النقطة؟


ج: هذه المفاوضات هي أول مفاوضات تجري تحت قرار من مجلس الأمن صادر تحت البند السابع، وهو كما هو معروف يتضمن آلية للعقوبات. وهذا القرار اعتمد في الأساس على خارطة الطريق التي رسمها الوسيط الإفريقي فأزاح عنها مفهوم إنه ضغط دولي وأصبح كما لو كان ضغطا إقليميا.

ولكن في ذات الوقت مجلس الأمن أعطاها كل قوته، وتفاوض الطرفان تحت مادة تحتوي على أقسى العقوبات فيما عدا التدخل العسكري. كنا نعلم أن التاريخ الذي تم تحديده لن يؤخذ حرفياً وليس مُلزماً، ولكنه بغرض إثبات الجدية في التفاوض وكان المطلوب إحداث تقدم يُرضي مجلس الأمن لزيادة الفترة الزمنية وهو ما حدث في اتفاق البترول ومرة أخرى في اتفاق المنطقة منزوعة السلاح وبقية الإتفاقات التي وقعت معه، وهو ما جعل مجلس الأمن يتراخى.

وهذا بالإضافة إلى أن الطرفين كانا يريدان الإتفاق، وبذلا مجهودا كبيرا حتى وصلا إلى ما تم في النهاية. أنا أفتكر إن ما حدث في الجولة الأخيرة من المفاوضات أثبت أنه إذا توفرت الإرادة السياسية يمكن حل جميع القضايا والإشكالات سلمياً.

وإذا نظرت جيداً للاتفاقات التي تم توقيعها تجد أنه لا جديد بها. التفاوض بين الطرفين بدأ منذ 2010 وأغلب القضايا حُسمت، وأهم اتفاق كان هو المتعلق بالمنطقة منزوعة السلاح لتجاوز أزمة الميل 14.

أنا أرى أنه كان يمكن أن يضغط مجلس الأمن أكثر من ذلك ولا يتفق الطرفان، ولكن الواضح أن الإرادة السياسية عند الطرفين كانت في الوصول إلى الاتفاقات التي وقعا عليها. وأنا أجد أن \"الغريق قدام\"، والقضايا القادمة والتي سيجلسون للتفاوض بشأنها مستقبلاً هي أكثر تعقيداً.

على الأقل هنالك خمسة مناطق مختلف عليها على الحدود فشلت اللجنة الفنية في حلها، وقامت برفعها لمؤسسة الرئاسة في فترة الحكومة الانتقالية ففشلت في حلها كذلك، والآن لنا سنتين جلس فيها الطرفان على أعلى مستويات الدولة وفشلا في حلها كذلك، وهذا بالإضافة إلى أبيي بكل تعقيداتها، والجنوب جاء بثمانية مناطق ادعاها مؤخراً.

ومع أننا متفائلون جداً إلا أننا لابد من أن نكون حذرين لأن الجولات القادمة هي الأصعب، وإذا نظرت للمظاهرات التي خرجت في جوبا وقادتها مجموعات تنتمي إلى ولاية الوحدة وأبيي وغرب بحر الغزال وهي بسبب المناطق المختلف حولها، وهي لم  تكن بسبب الجولة الماضية وإنما حول الجولة القادمة حيث أنهم يريدون الضغط من الآن فيما يتعلق بقضايا مناطقهم. القادم يحتاج لمجهودات أكبر لابد أن يقوم بها كل السودانيين، ولابد من التحلي ببعد نظر ومرونة، وإذا لم تتوفر يصبح من العسير الاتفاق على شيء.

س: مسألة الميل 14 والنقاط الخلافية على الحدود تظل عقبات حقيقية أمام الطرفان. كيف تنظر لسُبل الحل التي يجب الارتكاز عليها عند الولوج لهذه القضايا لجهة الاتفاق بشأنها في الجولات القادمة؟


ج: مسألة الميل 14 هذه قديمة وتعود إلى العام 1912 عندما قامت الإدارة البريطانية في ذلك التوقيت بجعل بحر العرب فاصل بين الجنوب ودارفور التي كانت دولة قائمة بذاتها. وكانت الإدارة البريطانية تريد أن توسع مساحة السودان على حساب دارفور، وكانت تعلم في ذات الوقت أن هذه العملية ستضر بمصالح القبائل الرعوية مثل قبيلة الرزيقات، ولكن في ذات الوقت فهي تتعامل معهم على أساس أنهم أفراد في دولة أخرى ولا علاقة لها بهم.

وفي عام 1916 عندما أصبحت دارفور جزء من السودان، وصارت هي وبحر الغزال مديريتان في دولة واحدة، إتضح أن عملية الرعي الموسمية تحتاج لمزيد من التنظيم فقامت الإدارة بتعديل الحدود وإرجاعها 14 ميل إلى العمق الجنوبي وظلت كما هي حتى عام 1956، وهو ما تستند عليه حكومة السودان (حدود 56)، بينما تستند حكومة الجنوب على اتفاقية 1912.

هذه القضايا الخلافية على المناطق الحدودية تمس مصالح قبائل كبيرة ولها ثقل ووزن في الجانبين مثل قبيلتي دينكا ملوال ودينكا نقوك في الجنوب، وقبيلتي الرزيقات والمسيرية في الشمال، وهي قضايا معاش وسبل حياة في الأساس، ولا يوجد حل لها سوى التراضي.

إذا إنطلقت من نقطة أن واحد يمكنه أن يأخذها تكون قد خلقت مشكلة أكبر من الحالية، وأنا أفتكر أنه في ظروف التوتر دائماً يصعب التفكير بشكل بناء، وفي ذات الوقت فإني أجد الحل النهائي لهذه الإشكالات في الجولة القادمة شبه مستحيل.

س: وتبقى إشكالية قطاع الشمال تمثل أزمة حقيقية تُعرقل إحداث التقدُم على الدوام في ملفات عديدة، ما هي أبرز سمات الحل لهذه المعضلة في رأيك؟

ج: إن أفضل ما قام به الطرفان في هذا الجانب هو إتفاق نافع – عقار، وفي ذات الإطار فإن أكثر القرارات خللاً وخطئاً كان التراجع عنه لأنه لا بديل لهذا الاتفاق، والدليل أننا عدنا له بموجب القرار 2046.

هذه الاتفاقية كانت من صنع الطرفين ولم يفرضها أحد عليهما فمن الأفضل العودة لها والتفاوض بجدية بشأن إيجاد خارطة طريق لإنزالها على أرض الواقع، ولا سبيل غير ذلك أمامنا.

الولايتان لديهما وضع متميز وتم التأكيد على ذلك في الإتفاق الذي نتحدث عنه، والحركة الشعبية لها وجود في تلك المناطق وذلك بإقرار الحكومة ذاتها، وفي أحسن الفروض فإن المجتمع منقسم النصف بين الجانبين. إن المطالب قديمة ومعترف بها، والاتفاقيات التي وقعت من قبل أعطتهم وضعية خاصة، والمعارضة السياسية تدعم الحل السلمي للقضية، وهي في النهاية قضية وحدة وطنية ولن يحلها السلاح أبداً.