الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الدكتور حيدر إبراهيم: هربت لأن شر البلاد مكان لا صديق به

محمد هلالي
الخرطوم | القاهرة - في حوار مع الدكتور حيدر إبراهيم، يستطلع الصحفي محمد هلالي آراء المفكر حول عدد من القضايا التي تهم السودان داخليا وفي علاقته مع جنوب السودان.
17.07.2012
المظاهرات السلمية التي بدأت قبل أساببع في السودان تطالب بعدد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية، على رأسها إسقاط النظام.
المظاهرات السلمية التي بدأت قبل أساببع في السودان تطالب بعدد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية، على رأسها إسقاط النظام.

الدكتور حيدر إبراهيم علي، مفكر وكاتب سوداني معروف، ويعتبر من ضمن القلائل الذين تشهد لهم مشاركاتهم على المستويات السياسية والثقافية، بالإضافة إلى العلوم الإجتماعية، بدور بارز لا يمكن نكرانه إلا من مكابر.

وحيدر هو مدير مركز الدراسات السودانية، وهو مركز معروف بإسهاماته على المستويين النظري والعملي، من خلال عدد كبير من المطبوعات والإصدارات، إلى جانب مجموع مقدر من الورش التدريبية والسمنارات.

المفكر المستقر حالياً بالعاصمة المصرية القاهرة، لم يبخل علينا بالرد على عدد من التساؤلات في محاور مختلفة، وكان الحوار التالي:


محمد هلالي: كيف يرى د. حيدر إبراهيم الإحتجاجات الشعبية التي إنتظمت أرجاء البلاد، بصورة عامة ومفصلة، دوافع تفجرها، ومدى تأثرها بالأحداث الإقليمية، وما هي أسباب عدم تمكنها من الوصول لذات الدرجة التي وصلتها في الدول المجاورة، وأعني هنا سقوط الأنظمة؟

حيدر إبراهيم: أرى الإحتجاجات الشعبية التي انتظمت أرجاء البلاد، تجسيداً واقعياً لما يسمى السودان الجديد، أو القوى الحديثة، أو مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

يمكن أن نري بوضوح غروب شمس القوى التقليدية والذي صنعته بنفسها، فقد تهيأت لها كل ظروف إسقاط نظام بهذا القدر من الفساد، والانحلال الأخلاقي والسياسي، والوهن الروحي؛ ولكنها عجزت عن مقاومته وهزيمته، فإستمر 23 عاماً.

وقد ساهمت القوى التقليدية في إنجاح عملية التسريح السياسي التي إختطها النظام وقصد بها إبعاد الجماهير في الداخل عن النشاط السياسي.

فقد توقفت هذه القوى عن تحريك الجماهير والعمل وسطها. ولم تقف عند هذا الفشل، فقد كانت تمني الشعب بوصول جيوشها من الخارج لتخليصهم من الطاغوت.

وبعد الأغاني الوطنية: سلم مفاتيح البلد! جاءوا الى السودان في صفقة تعيسة ودخل 12 من التجمع الوطني (عدا حزب الأمة) البرلمان وأعتبرهم النظام شركاء في تمرير قوانين سيئة الذكر ومن بينها قانون الانتخابات.

”ووقع العبء الأكبر على الطلاب الذين نزلوا مبكرا للشارع، واصروا على عدم التوقف مهما كانت الاعداد“وعجزت القوى السياسية التقليدية عن تحريك مظاهرة واحدة من ميدان ابو جنزير* طوال هذه السنين، لذلك أرى في هذا الحراك تدشيناً لقيادة القوى الحديثة لمرحلة الإنتفاضة الشعبية الراهنة.

فقد جاءت المبادرة لهذه الانتفاضة من قبل ائتلافات الشباب المستقلين وشباب الأحزاب المختلفة دون الرجوع للقيادات.

ووقع العبء الأكبر على الطلاب الذين نزلوا مبكرا للشارع، واصروا على عدم التوقف مهما كانت الاعداد.

واستفاد الشباب من تطور وسائل التواصل والاتصال. وأخيرا، لحقت القوى التقليدية بالثورة مما يعطيها زخماً أضافياً للاسراع في اسقاط النظام، ولكنها لن تستطيع هذه المرة خطف الثورة.

م.ه: القوى السياسية المعارضة وأشكال تحالفاتها وقوالبها التنسيقية ، هل ستكون فاعلة وحاضرة من أجل إحداث تغيير حقيقي في السودان، وذلك باستصحاب المصالح المتقاطعة داخل أغلب تيارات هذه القوى مع النظام الحاكم حالياً؟

”أتمنى ألا يتخذ الشباب من الأسلاف مُثلاً أعلى، وألا ينخدعوا بأحاديثهم عن زمن جميل، إذ يستحيل أن يوجد زمن جميل لا يترك أي أثر على الحاضر ترتكز عليه الأجيال الجديدة“ح.إ: يعيش السودان إرهاصات زمن جديد للمعارضة والقوى السياسية، ورغم أن هذه القوى تخشى النقد والنقد الذاتي، ولكن نرى واقعاً جديداً يفرض بلا كثير تنظير.

كان من واجب المعارضة السودانية أن تبدأ بعقد مؤتمر شامل يجيب على سؤال: لماذا فشلت تجارب التحالفات والعمل الجبهوي السابقة؟ ولكن بسبب النرجسية وتضخيم الذات بالإضافة لـ(الفهلوة) في وسائل السياسة، هي تتهرب من مواجهة الذات وتكرر الأخطاء إلى ما لا نهائية.

أتمنى ألا يتخذ الشباب من الأسلاف مُثلاً أعلى، وألا ينخدعوا بأحاديثهم عن زمن جميل، إذ يستحيل أن يوجد زمن جميل لا يترك أي أثر على الحاضر ترتكز عليه الأجيال الجديدة. شرط التغيير يتطلب النقد، القطيعة والبديل المغاير للماضي.

م.ه: في توصيفك للنظام الحاكم في السودان، إعتبرت أنه بعيد تماماً عن الصبغة الدينية التي يتصف بها، وتحدثت في ذات المقام عن إسلام العدالة والكرامة والحرية الذي عجز الإسلاميون السودانيون عن تقديمه. هل تجد الحركات والتشكيلات الإسلامية الأخرى بالسودان، والتي تعتبر خارج النظام، أنها ترتكز على تقديم هذا النموذج الخيِّر للإسلام الذي ذكرته، وما هي حدود إتساع الفجوة بينها والنظام من منظورك؟

ح.إ: ليس من أغراضي وعظ نظام وجماعات تقوم أصلاً على الوعظ. ولست مؤهلاً ولا مطالباً بأن أحدد لهم صحيح الدين. إنني ضد الدولة الدينية مهما كانت الأقنعة التي ترتديها.

النظام القائم (استنساخات للجبهة الإسلامية) وكذلك السلفيون والوسطيون وغيرهم، ليس لديهم نموذجاً مثالياً للدولة. وتوقفوا في نموذج \"مجتمع المدينة\"، أو الدعوة للنظام الإسلامي.

وفكرة الدولة أو الخلافة الإسلامية لدي كل التيارات الإسلامية - بلا استثناء - هي مجرد يوتوبيا، أي توجد في اللامكان. إن أقصى ما يطمع إليه الاسلامي الجيد هو خلقنة الدولة أي أن تكون ذات أخلاق وتخشى الله!

م.ه: تتسع الشقة بشكل ملحوظ بين السودان وجنوب السودان بشأن القضايا العالقة، ما هي تقديراتك لمجمل هذه الموضوعات الحساسة، وما تعليقك على سير التفاوض بين حكومتي البلدين؟

ح.إ: نحن أمام دولتين فاشلتين بسبب غياب الديمقراطية وغلبة الفساد في البلدين. ولو فكرنا منطقياً، لماذا توجد أصلاً قضايا عالقة؟ نتحدث عن إتفاقية السلام الشامل، ويفترض في الشامل ألا يكون قد فرط في الكتاب من شيء. ولكن إتفاقية نيفاشا رحلت أهم القضايا إلى بروتوكولات، ومفاوضات قادمة. وقبِل الشريكان المفاوضان بهذا النقص بسبب قوة الضغوط.

م.ه: كيف تنظر لمنبر الدوحة التفاوضي بخصوص دارفور، وإلى أي مدى تجد أنه يقدم إيجابياً للقضية الدارفورية بصورة خاصة، وإلى الأزمة السودانية بشكل عام؟


ح.إ: تهتم الدوحة بدور قطر أكثر من إهتمامها بحل مشكلة دارفور. ويستحيل الحل بلا مشاركة المجموعات المسلحة ذات الوجود في الميدان. وكان يمكن لهذه المحاولة أن تنجح شكلياً، ولكن المآلات السياسية وقفت في منتصف الطريق ووقفت معها المبادرة.

م.ه: أنت متابع للحراك الفكري داخل الحزب الشيوعي السوداني، ماذا تتوقع فيما يتعلق بمستقبل هذا الحزب السياسي؟


ح.إ: هل تقصد الحراك التنظيمي للحزب الشيوعي؟.. هل يمكن أن تدلني على هذا الحراك في شكل أدبيات وكتابات ومناقشات جديدة؟ غير الأعضاء في الحزب يتوقعون الوصول إلى رصد هذا الحراك في شكل كتب ودراسات، أو في مجلة مثل ’الطريق‘ اللبنانية، متوفرة في المكتبات.

م.ه: حسناً، في الفترة قبل وبعد انتخاب السكرتير السياسي الجديد، كانت الأحاديث تدور في الصحف ما بين مقالات وتحقيقات، عن صراع بين تيارين متصارعين أحدهما يدعو إلى الخروج من عباءة الماركسية ومرتكزاتها الفكرية، والآخر يرفض ذلك.. ماذا تتوقع بشأن هذا الحراك؟

”الشيوعي يمكن أن يغادر الحزب، ولكن الحزب لا يغادره، لذلك يفضل نفسياً وإجتماعياً البقاء حتى لو إبتعد سياسياً وفكرياً“ح.إ: هذا الصراع قديم وقبل معركة انتخاب السكرتير السياسي الجديد، وقد يكون منذ ستينيات القرن الماضي، حتى أن هنالك نقاش قديم كذلك حول إسم الحزب نفسه، وكان هنالك الموقف من انقلاب مايو 1969، والذي أدى لانقسام 1970. وأختلف الشيوعيين مرة أخرى شأن  سقوط المعسكر الإشتراكي 1990. وانا لا اتوقع جديداً، فالحزب الشيوعي يبقى مؤسسياً والانشقاقات ممكنة ولكنها صعبة.

الشيوعي يمكن أن يغادر الحزب، ولكن الحزب لا يغادره، لذلك يفضل نفسياً وإجتماعياً البقاء حتى لو إبتعد سياسياً وفكرياً.

م.ه: وعلى ذات النسق، ما هو تقييمك لعمل التنظيمات والتكوينات التقدمية في السودان، وتأثيرها في الحراك السياسي اليومي؟

ح.إ: لولا مساهمات محمد علي جادين ومحمد بشير أحمد (الصاوي)، لغدت ساحة الفكر التقدمي مجرد صحراء كبرى أو ربعاً خالياً.

م.ه: ولكن هنالك حركات قامت وتعمل حالياً، لها دور وعضوية ملتزمة وكذا، وهي متبنية هذه الأفكار وترتكز عليها، أعني مثلاً حركة القوى الديمقراطية الجديدة، وحزب المؤتمر السوداني، فهي قوى تقدمية بإعتبارها؟

ح.إ: أتحدث عن تطوير هذه الأفكار نظرياً وتجذيرها، لا أتحدث عن برامج سياسية ولكن عن التنظير والمساهمة الفكرية. انا مشغول بالفكري والنظري وليس بالسياسوي والتنظيمي لذلك يبدو ردي ناقصاً، فهذه التنظيمات لم تكتب نفسها.

م.ه: والحركات المسلحة في الهامش، ما هي ملاحظاتك عليها؟

ح.إ: الحركات المسلحة مطالبة أكثر بتأكيد قومية خطابها وأنها سودانية. وأن تسحب من النظام سلاح وصفها بالعنصرية وتهديد الهوية العربية/الإسلامية. وهذا يتطلب تمتين التنسيق والتحالف مع القوى والشخصيات الشمالية.

م. ه: حيدر إبراهيم، مفكر ويعتبر من أبرز الأسماء عند الحديث عن النخبة السودانية ودورها فيما يحدث الآن، كيف تفسر خروجك من البلاد في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها؟

ح.إ: أولا ليس للجغرافيا أي أثر في تحديد فعالية دور النخبة أو النخباوي، والاحتكاك الجماهيري ليس بالضرورة أن تدافر في ميدان جاكسون من أجل مقعد أو أن تفطر الساعة الواحدة بـ (بوش).

رغم حبي لمحمود درويش ولكنني لا اقول مثله: وطني ليس حقيبة وانا لست مسافر! أدرك دوافعه ودواخله وأقدرها، فهو يريد الأرض أولاً بينما نحن تحولت أرضنا إلى مجرد تراب ضاعت في باطنه قيم الانتماء والمشاركة ’وليت انّا بقدر الحب نقتسم‘.

منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي رضيت بأن يكون وطني حقيبة ترقد بعناية فائقة في ركن منيع من فؤادي.

منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي رضيت بأن يكون وطني حقيبة ترقد بعناية فائقة في ركن منيع من فؤادي.ولم يغير ذلك الحنو تحولات المكان، سيان صقيع المانيا أو رمل الخليج العربي أو صخور المغرب أو ضجيج القاهرة. أما سؤالك عن هذا الخروج وهو للاسف الخروج الأخير فله طعم المأساة. أولاً: غادرت قبل الاستفتاء بأيام مقسماً ألا أعيش في وطن ناقص.

انتحر الصحفي علي الشيخ البشير** يوم الاستقلال الثاني لانه لم يكن يتصور سودانا منفصلاً عن مصر.

ليست لديّ شجاعته‪،‬ فسافرت. ثانياً، الهجرة كان سببها خسة نظام الانقاذ ولكن هذه المرة السبب لؤم وخبث النيران الصديقة. هربت لأن شر البلاد مكان لا صديق به.

----

(*) أبو جنزير: ميدان يعتبر من أقدم التجمعات في الخرطوم وعلى مسافة قريبة جدا من القصر الجمهوري وشهد خلال تاريخ طويل عدد كبير من الإحتجاجات الشعبية.

(**) علي الشيخ البشير (1928-1956): قطب حركة الأشقاء والحزب الوطني الإتحادي والصحفي بجريدة العلم، لسان حال الحزب، انتحر غرقاً في النيل الأزرق صبيحة اليوم التالي لاستقلال البلاد.