الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الجنوبيون في السودان - المعاناة ما زالت مستمرة

آدم أبكر علي
الخرطوم - في انتظار أن يتم ترحيلهم لجنوب السودان، يعيش عدد كبير من الجنوبين في معسكرات في الخرطوم، تفتقد لأبسط المرافق، في معاناة اقتصادية واجتماعية تؤثر على الكبير والصغير على حد سواء.
25.05.2012

المكان: معسكر مربع أربعة، حي كرتون كسلا، الخرطوم.

محدثي ديفيد جادا مواطن من جنوب السودان، مضى على وجوده في هذا المعسكر قرابة السنة، حسبما ذكر لي بينما يستظل بظل شجرة وضع سريره تحتها ليتقي حرارة الشمس، وبالقرب منه كل متاعه وكوخه المصنوع من الجوالات الذي تجلس والدته داخله.

بدأ محدثي ديفيد الحديث معي وهو يقول: ”نحن نعاني كثيراً لايسمح لنا بالعمل ونفذت كل نقودنا“.  

حكومة السودان تقول أنه بعد أقل من شهر، لا يريدون أن يروا ”قطاً أسود بالسودان“، في إشارة منهم الى أنهم لايريدون أن يروا جنوبياً أسوداً بالسودان. 

”ما يزيد من قلقنا هو أن أننا بدأنا نيأس من كل فرصة للرجوع“
ديفيد جادا

”ما يزيد من قلقنا هو أن أننا بدأنا نيأس من كل فرصة للرجوع... قبل بضعة أيام أتي الينا ممثل من الأمم المتحدة ونظر الينا ولم يقل شيئاً. وعندما سألناه، قال لنا بأنه جاء ل’يطمئن على أحوال المواطنيين الجنوبيين’“. 

لم يتوقف ديفيد عن شرح معاناته وقال: ”أنا كنت جندياً في قوات الشعب المسلحة (الجيش السوداني) ولدي معاش أصرفه من بنك إيفوري، فإذا ما ذهبت الى الجنوب كيف أصرف معاشي هذا، وإذا وجدت الفرصة للعودة الى السودان كيف أسكن وأين؟“

ويقول جيمس، جنوبي أخر، الذي كان جالسا بالقرب من ديفيد: ”... الجنوبيون الذين يتواجدون الآن في الساحات أصبحوا يبيعون أمتعهم ليأكلوا لايوجد من يقدم العونا لهم، أنا أعتقد أننا أصبحنا وسيلة يسترزق من خلالنا الآخرون. المسؤولة عن هذا المعسكر لم تأتي الينا مطلقاً، بل نسمع عن إسمها فقط.“ 

”أنت ترى ليست لدينا خيام والخريف على الأبواب وحرارة الشمس لافحة، أكواخ الجوالات لا تمنح الهواء والأمطار ،كيف لنا أن نبقى! وإذا بقينا ماذا نأكل في ظل إنعدام فرص العمل! حتى السوق إذا ذهبنا لشراء أي سلعة نجد أن السعر مرتفع جداً ، الحقيقة نحن لا نعلم كم يطول بقائنا هنا في هذا المكان لأن الى الآن لم يأتي الينا أحد ليسجل أسماءنا.”

بينما نحن نتحدث خرجت من داخل كوخها والدة محدثي الأول ديفيد وعندما نظرت الي وأنا أكتب ما يقوله إبنها ثارت غضبا وقالت لإبنها: ”لماذا تتحدث؟ من الذي يساعدك؟“حاول إبنها أن يهدئ من روعها لكنها غضبت كثيراً وأصبحت تلوح بأصبعها وتحذره من الحديث الي .

فتاة أخرى حاولت الحديث اليها لكنها صدتني وقالت: ”ما الذي تريد أن تعرف؟ ألا ترى أننا في العراء؟ ألا يكفيك هذا كله؟“

تحولت الى مجموعة أخرى حاولت أن أقف على حجم معاناتهم قالوا لي: ”نحن في حالة يأس ولا نريد الحديث في هذا الموضوع لأن الحديث معك لن يجدي“. 

”هناك أكثر من عشرين معسكراً في هذه المنطقة وجميعنا نعاني نفس المعاناة قلت لهم انني أبحث عن الحقيقة وسوف أنشرها كما هي ليعلم المسؤولون عن معاناتهم، فقال أحدهم:”هناك أكثر من عشرين معسكراً في هذه المنطقة وجميعنا نعاني نفس المعاناة... لم يأتي الينا أحد“. قاطعته مستفسرا: ”وماذا عن الجسر الجوي؟“ فرد قائلا: ”هذا الجسر للجنوبيين العالقين في مدينة كوستي وليس لنا نحن.” 

وإستدرت الى شاب في مقتبل عمره لا تبدو عليه علامات الإنزعاج فسألته: ”كيفك يا شاب؟ ألا تشارك هولاء رأيهم؟“ فأجاب: ”أنا سافرت كل أسرتي وبقيت أنا بمفردي لأعمل“، وعندما أشرت إلى بيان وزارة الداخلية الذي يمنع تشغيل الجنوبيين في السودان، قال: ”أنا صنايعي وأستطيع أن أعمل ولا يهمني شيء.“ 

وفي معسكر آخر بالحاج يوسف، التقيت وول يانج، كان يعمل بالشرطة الشعبية وقال: ”لدي أكثر من عشرة شهور لم أتقاضي راتبي ولدي أطفال... من أين أطعمهم؟ نحن نعيش على هذه الحالة قرابة السنة، في هذا المعسكر. قبل شهرين جلبوا تريلاتين لنقل الناس ومنذ ذلك لم يأتي الينا أي مسؤول، وحتى الناس الذين يشرفون على برنامج العودة لا يعلمون شيئاً ونحن أصبحنا نوكل أمرنا الى الله، وليس لدينا ما نقوله“. 

ومن خلال جولتي وجدت أن الناس الذين يتواجدون في هذا المعسكر أحسن حالاً من غيرهم في بقية المعسكرات، لأن اليونسيف جاءت وأنشأت لهم مرافق صحية من جولات البلاستيك، وأوصلت لهم المياه للشرب والإستحمام.  

حاولت جاهداً أن أتصل بمفوضية الهجرة دون جدوى، وحتى مقر عملهم كان خاليا من الموظفين المسؤولين عن ترحيل جنوبيي المعسكرات. 

معاناة الجنوبيين لن تنهي إلا بذهابهم الى الجنوب، الأمر الذي أصبح حلماً يراودهم جميعاً في ظل غياب ما يفتح نافذة أمل أمامهم. فهل تستجيب حكومتي السودان وجنوب السودان  والمنظمات الدولية لنداءهم، أم أنهم سيظلون على هذه الحالة التي يندي لها جبين الإنسانية خجلا؟