الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

العودة الطوعية إلى دارفور: طريق تحفه المخاطر

رشان أوشي
نازحو دارفور وجدوا أنفسهم بين فكي الأزمات، خاصة وأن هنالك معضلات قاسية تعترض طريق تحقيق الحلم التاريخي.
26.10.2011
 250 ألف نازح  يواجهون صعوبات عديدة و هم يحاولون العودة الى اراضيهم في دارفور، بعد حرب مريرة.
250 ألف نازح يواجهون صعوبات عديدة و هم يحاولون العودة الى اراضيهم في دارفور، بعد حرب مريرة.

\"باعوضة\".. إسم يطلق على فتاة صغيرة تبلغ من العمر إثنتا عشر عاما، تعيش في عراء مدينة نيالا، تفترش الأرض وتلتحف السماء، هكذا تمر عليها كل فصول السنة، أنجبت باعوضة صغيرة أخرى، لتصبح رصيدا دسما لمأساتها التي بدأت مع إندلاع أول معركة في دارفور بين الحركات المسلحة والجيش الحكومي، فاضطرت للنزوح من منطقتها الأصلية إلى شوارع عاصمة جنوب دارفور نيالا.

باعوضة نموذج عن نحو 250 ألف نازح في نيالا يشكلون ما يعرف بمعسكر كلمة للنازحين. يتشاركون غذاء لا يسد الرمق  يوفره برنامج الغذاء العالمي (WFP) التابع للامم المتحدة، والجدير بالذكر أن كمية الغذاء الذي توفره المنظمة الدولية يكفي لحوالي 95 ألف شخص فقط.

هكذا هو حال الملايين من أبناء الإقليم، يتأرجحون بين النزوح واللجوء وسعير الحرب، وتوق العودة إلى قراهم ومناطقهم الاصلية، حيث الزراعة والبساتين والحياة البسيطة الرخوة.

العودة الى الجذور:

حلم العودة إلى الجذور يراود كل من يضع جسده على فراشه ليل نهار في معسكرات النازحين في كل مناحي إقليم دارفور. الحال في تلك \"المستنقعات\" الغير صالحة أبدا للحياة الانسانية يغني عن السؤال. أسرة كاملة تتكون من 13 فردا يقطنون في غرفة بمساحة 6 أمتار، دورة المياه تبعد عنها مسافة مترين. هي حياة تشبه إلى حد ما الجحيم.

كل هؤلاء يطمحون بلا شك للعودة إلى قراهم ومناطقهم الأصلية، التي هجروها بسبب جحيم الحرب التي قضت على الأخضر واليابس، وشردت وقتلت الالاف من البشر، إضافة إلى فقدان عدد لا يقدر من الثروة الحيوانية التي تميز بها إقليم دارفور. 

تناثرت بشرى العودة إلى الموطن الأصلي هذه الايام، خاصة بعد توقيع وثيقة الدوحة التي تحدثت بشكل واضح عن مسألة العودة الطوعية إلى القرى، بل وخصصت لها ميزانية مالية.

يقدم لكل عائد مبلغ وقدره 250 دولار، يطلق عليها (زاد الطريق) لكل من رغب في العودة بنفسه أو برفقة أسرته، كأول سابقة في تاريخ الاتفاقيات والمواثيق في العالم، وكونت لها لجنة خاصة تسهر على تنفيذها تحت إشراف مفوضية العودة الطوعية وإعادة التوطين، وخصصت لها اجراءات منها إجراء مسوح إحصائية للنازحين واللاجئين، وإجراء تقييم شامل بالاحتياجات التي تتعلق بالأمن الغذائي، والأضرار التي لحقت بالديار والأراضي ومياه الشرب والصرف الصحي والتعليم، والحصول على الخدمات الصحية والبنى التحتية.

النازحون وجدوا أنفسهم بين فكي الأزمات، خاصة وأن هنالك معضلات قاسية تعترض طريق تحقيق الحلم التاريخي.

مستوطنون جدد:

أكثر ما يهدد حلم نازحي دارفور هو وجود ظاهرة قد تذهب بما تبقى من النسيج الاجتماعي في المنطقة، إنها استيطان آخرين لمناطق وقرى هؤلاء النازحين، وهي الظاهرة التي وصفتها بعثة الاتحاد الأفريقي في تصريحات سابقة بـ\"الخطيرة\".

هؤلاء المستوطنون الجدد معظمهم وفدوا من دول الجوار، من نيجيريا وأفريقيا الوسطى وتشاد، أغلبهم جاؤوا كرعاة وسكنوا تلك المناطق التي نزح منها أهلها إبان المعارك الضارية واستولوا على أراضيهم. يقول عمدة مشايخ معسكرات النازحين بولاية جنوب دارفور العمدة صلاح أن \"ما يعسر عودة هؤلاء النازحين إلى قراهم ومناطقهم، إضافة إلى المهددات الأمنية هو إستيطان أجانب في أراضينا، وهو أمر يهدد بنشوب صراع جديد مع تلك المجموعات، ما يهدد هدوء وإستقرار الاقليم، ومبدأ العودة الطوعية الذي أقرته الاتفاقية، وفتح له أهل المعسكرات صدورهم. حاولت حركة التحرير والعدالة تلافي هذه القصة عبر الاتفاقية فقد قال كبير مفاوضيها تاج الدين نيام أن الحركة طلبت من الحكومة تسجيل اراضي الاقليم لتفادي نشوب أي صراعات تتعلق بعودة النازحين\".

وشدد العمدة صلاح على ضرورة الإسراع بإخراج النازحين من تلك المعسكرات، قائلا:\" نرغب في العودة بسرعة إلى مناطقنا الأصلية، حتى أننا نريد أن نستلم حقوقنا وتعويضاتنا في بيوتنا بين زرعنا وضرعنا\". وأضاف \"سئمنا المعسكرات وننادي بقية الفصائل المسلحة للانضمام للسلام حتى نتخلص من هذا الكابوس\".

بالرغم من أن وثيقة الدوحة أعطت النازحين حق استرداد الأرض والمسكن والممتلكات التي انتزعت منهم بشكل غير شرعي، إلا أن ذلك لم يكن ضمانا كافيا للنازحين الذين شارفوا على فقدان الأمل. فقد نصت الاتفاقية على أن يسري هذا الحق على النازحين واللاجئين سواء اختاروا العودة إلى ديارهم الأصلية أو الاستقرار في مكان آخر، وكونت لجان لتلقي الطلبات الخاصة برد الممتلكات من النازحين واللاجئين، وتحديد المالك الشرعي للملكية المقدم الطلب بشأنها، وتكون الحكومة مسؤولة عن إخلاء الأشخاص الذين استوطنوا في أراضي النازحين واللاجئين بصورة غير شرعية.

مهددات:

\"حاول الكثيرون العودة إلى قراهم تلقائيا بعد أن هدأت الاوضاع قليلا، ولكنهم عادوا فورا بسبب ما تعرضوا له\" هكذا قالت السيدة فاطمة إحدى نازحات معسكرات المنطقة الجنوبية بولاية جنوب دارفور. وأكدت أن هناك بعض النازحين في منطقة قريضة حاولوا العودة إلى  مناطقهم بعد أن يئسوا من حياة المعسكرات، ولكن نسبة لانعدام الأمن وانتشار السلاح وكثرة المليشيات المسلحة، تعرضوا لاعتداءات ما أجبرهم  على العودة مرة أخرى بصورة أسوأ\".

وتقول ممثلة المرأة النازحة عواطف عبدالرحمن\" نرغب بالعودة إلى قرانا حتى لا تضيع منا هويتنا وأصولنا التي جئنا منها، لأن هنالك أطفال جئنا بهم من منازلنا كانوا في الخامسة وهم الآن في حوالي الخامسة عشر، أي أنهم أصبحوا شباب وبالتالي لا يذكرون شيئا عن مناطقهم الاصلية\". وتضيف \"لن نتمكن من الاستقرار والعودة إلا إذا تم حسم التفلتات الأمنية بشكل نهائي\".

تفرض وثيقة الدوحة على الحكومة توفير دعائم الأمن، وتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل السبل التي تمكن النازحين واللاجئين من ممارسة حقهم في العودة الطوعية، كما أن الطرفين إتفقا على أن الضروريات هي أمن النازحين واللاجئين وسلامتهم دون تعرضهم لخطر التحرش أو الترويع أو الاضطهاد أو التمييز أثناء وبعد عودتهم الطوعية وإعادة توطينهم، وحق حريتهم في التحرك واختيار محل الاقامة.

المتحدث باسم معسكر سكلي سعيد عثمان قال: \" نحلم بالذهاب بأقدامنا من نيالا إلى الجنينة دون أن تعترضنا قشة، لذلك نطالب الحكومة والحركات بالجلوس إلى طاولات التفاوض، لكي ننهي هذه القصة بسرعة\". وأضاف \"لا نرغب في أن يتم إستخدمنا كأدوات لتنفيذ أجندة أي جهة من الجهات حتى لا ندخل في مربع الفشل مرة أخرى\".

شيخ المعسكرات الشرقية بالولاية  نجيب البشرى جاء حديثه مختلفا، قائلا:\" 70% من سكان معسكرات محلية بليل عادوا طواعية إلى قراهم ومناطقهم الاصلية، وهم الآن بحاجة إلى خدمات أساسية وبنى تحتية\". وطالب البشرى \"وفد مقدمة حركة التحرير والعدالة بتوفير مكتب لإدارة شؤون النازحين حتى تكتمل إجراءات عودتهم\".

بارقة أمل:

أكد نائب رئيس الحركة أحمد عبدالشافع \"أن إتفاقية الدوحة تعد بارقة أمل في طريق عودة النازحين إلى قراهم أي انها الاتفاقية الوحيدة التي جلبت ضمانات وآليات تساهم في العودة\". و أشار إلى \"أن اتفاقية أبوجا لم تأت بحلول لقضايا النازحين واللاجئين، ولا تحدثت عن الوضع الأمني بدليل أن صاحبها مني أركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان رفض تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وتمرد مرة أخرى\".

وأكد \"أن قيادة الحركة استلمت مقترحات وملاحظات ممثلي النازحين، وستضمنها في المسح العام المقرر قبل تأسيس السلطة الإقليمية الإنتقالية\".

ولفت عبدالشافع إلى \"أن الحركة لم توقع الاتفاق لتكون شريكة المؤتمر الوطني في السلطة إنما لمعالجة مثل هذه  القضايا\".

بارقة أمل إذا تلوح في الأفق، صحيح أنها تحتاج للدعم والرعاية، وصحيح أنها تواجه تحديات ليس أقلها التمويل ولا المستوطنين الجدد، ولكنها بارقة أمل لونت سماء مخيمات النازحين على وعد بربيع قادم في أرض الأجداد.