الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

سودانيون في مصر - أحلام الوصول وصدمات الواقع

ماهر أبو جوخ
يتوجه آلاف السودانيين لمصر كلاجئين. فما سبب اختيارهم لهذه الوجهة بالضبط؟ وما هي الصعوبات التي يواجهونها؟
18.06.2014  |  الخرطوم، السودان | القاهرة، مصر
 رجلان سودانيان في القاهرة، مصر، 4 نوفمبر، 2010.
رجلان سودانيان في القاهرة، مصر، 4 نوفمبر، 2010. (الصورة: © لوراس آي)

سعيد، سوداني وصل إلى مصر في أواخر سنة 2012. جاء إلى مصر بعد أن اتصل أحد أقاربه الموجودين في مصر به وعرض عليه العمل معه. الآن يعمل سعيد في مجال الأعمال الحرة في القاهرة. سعيد واحد من آلاف السودانيين الذين سافروا إلى مصر في سبيل البحث عن عيش أفضل.

أظهر تقرير صادر عن مكتب مفوضية اللاجئين في مصر في يونيو 2014 أن عدد اللاجئين السودانيين 26 ألف و400 لاجئ، من جملة أكثر من 183 ألف لاجئ مسجلين لدى المكتب. واحتل اللاجنون السودانيون بذلك المرتبة الثانية بين مجمل اللاجئين من الدول المختلفة، بعد نظرائهم السوريين الذين بلغ عددهم حوالي 132 ألف لاجئ.

من بين هؤلاء اللاجئين السودانيين، 12900 قبل طلبهم باللجوء، أما البقية فما زالوا في انتظار التقرير بشأن طلبهم. النساء والأطفال دون سن 18 يمثلون النسبة الأعلى من مجموع اللاجئين السودانيين، حيث تظهر نفس الدراسة التي أشير لها أعلاه أن من بين 12900 الذين تم قبول طلبهم، تمثل النساء 43 في المئة، فيما بلغت نسبة الأطفال39 في المئة.

توجد بعض العنصرية تجاه السودانيين التي تظهر نوعاً ما في الشارع المصري.“
سعيد

لا يغطي ذلك التقرير العدد الكلي السودانيين الموجودين بمصر لاقتصاره فقط على مقدمي طلبات اللجوء السياسي وعدم اشتماله لعينات أخرى مستقرة فيها إما لدوافع اقتصادية كالبحث عن فرص عمل أو اجتماعية بسبب المصاهرة أو لديهم أصول مشتركة بين البلدين أو شريحة ثالثة ذات وجود مؤقت، كالطلاب الذين يدرسون في الجامعات والكليات المصرية أو المرضى القادمين للعلاج.
يشير سعيد لسهولة تعايش السودانيين في المجتمع المصري لعوامل عديدة مشتركة بين الشعبين. لكنه يقول في نفس الوقت أن هنالك صعوبات أخرى تتمثل في ”وجود بعض العنصرية تجاه السودانيين التي تظهر نوعاً ما في الشارع المصري“.

لا أنصح أي شخص بتكرر تجربتي.“
داوود

سبب اختيار السودانيين لمصر كمحطة أولى في طلبهم للجوء، يعود بدرجة أولى لقرب السودان من مصر، وسهولة الوصول إليها والإقامة فيها مقارنة بغيرها من الأماكن الأخرى. هكذا بدأ سوداني آخر، داوود، حديثه حول اختياره لمصر. ولكن داوود استدرك نفسه وقال: ”للأسف لاحقاً بالتجربة اكتشفت أن الموضوع ليس سهلاً على الإطلاق ولذلك لا أنصح أي شخص بتكرار تجربتي.“ 

ورغم إشارته لوجود لاجئين سودانيين بالقاهرة تم توطينهم في الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وكندا وعدد من الدول الأوربية، إلا أن بعض السودانيين لا زالوا ولأكثر من 10 أعوام موجودين في القاهرة وعدد من المدن المصرية، في انتظار إكمال إجراءات التوطين الخاصة بهم.

السبب الآخر التي يحفز السودانيين على اختيار مصر كمقر للجوئهم بخلاف دول أخرى هو فهم ومعرفة وإلمام مجموعات كبيرة من السودانيين باللغة المصرية بخلاف الدول الأخرى التي تعتبر اللغة الانجليزية هي اللغة السائدة فيها.

ولكن رغم ما يقال عن الارتباط التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بين السودان ومصر بوصفهما شعبي وادي النيل وحكما لفترات تاريخية طويلة تحت التاج المصري، إلا أن داوود لاحظ خلال السنوات الثلاثة التي أمضاها في القاهرة أن الشارع المصري العام غير ملم بشكل كامل عن السودانيين وبلادهم، واقتصر تلك المعرفة على النخب.

واستدل هنا بعدم تفريقهم بين الشماليين أو الجنوبيين حتى بعد استقلال جنوب السودان في العام 2011، حيث باتوا يسألون أي شخص يقدم نفسه كسوداني عن انتمائه للسودان الشمالي أم الجنوبي.

”جزء كبير منهم يقبل بأي عمل يعرض عليهم، سواء كان حارس استقبال أو عمالة، ولا يهتم بحجم عائده أو مقدار تعبه أو حتى بعد مكان عمله.“

داوود
يتطرق داوود لمعطى آخز حفز السودانيين للتوجه لمصر يتمثل في انخفاض قيمة الحياة والمعيشة فيها مقارنة بالسودان بناء على فرق العملة. ولكنه استدرك قائلاً: ”من المؤكد أن هذا المعطي الاقتصادي ما عاد يصلح حالياً كمعيار بسبب انخفاض وتدهور قيمة الجنيه السوداني وتراجعه الكبير أمام العملات الأجنبية نتيجة لحالة الترنح التي يعيشها الاقتصاد السوداني.“ ولكن حتى مع تغير الواقع الاقتصادي، يقول داوود أنه بإمكان السودانيين أن يعيشوا في مصر في حدود 100 دولار أمريكي شهرياً.

وتسود نظرة إيجابية حول السودانيين في مصر، حيث يعتبر أصحاب العمل المصريين السودانيين أمنين، لا يخونون ولا يكذبون. ولكنهم في ذات الوقت لا يقبلون برئاسة السودانيين لهم في العمل. هذا يدفع بمعظم السودانيين للعمل في مجالات ذات عائد بسيط. ”جزء كبير منهم يقبل بأي عمل يعرض عليهم، سواء كان حارس استقبال أو عمالة، ولا يهتم بحجم عائده أو مقدار تعبه أو حتى بعد مكان عمله“، يقول داوود.

مع هذه الصعوبات التي يواجهها كل من سعيد وداوود، اتفقا على عدم رغبتهما في البقاء بمصر إذا أتيحت فرصة الاستقرار في دولة أخرى، لكنهما اختلفا حول إمكانية عودتهما للسودان مجدداً.

من المؤكد إذا أتيحت لي فرصة الخروج من مصر صوب أي بلد آخر فلن أتردد.“
سعيد

”من المؤكد إذا أتيحت لي فرصة الخروج من مصر صوب أي بلد آخر فلن أتردد. لكن الأمر المؤكد أن خيار العودة للسودان في ظل الظروف الراهنة غير وارد، لصعوبة الحياة وارتفاع الأسعار فيه بشكل لا يطاق. حتى فرص العمل فإنها معدومة تماماً ولن أستطيع الحصول على فرصة عمل بشهادتي الجامعية أو ممارسة أي نشاط تجاري“ يقول سعيد.

ورغم السنوات التي أمضاها في مصر، دون أي إشارة لإمكانية الهجرة لبلد ثالث، فهو غير نادم، حيث يرى أن ”تحديد مقدار النجاح أو الفشل خارج السودان بلا معنى أو جدوى نسبة لعدم توفر فرص عمل لنا داخله“.

”إذا فقدت الأمل نهائياً في تحقيق حلم الهجرة فإنني أفضل العودة للسودان مجدداً والعيش في مجتمعي الذي تسوده أخلاق ومثل تعبر عني ولا أحس فيه بالاضطهاد.“

داوود
أما داوود، فيفضل العودة إلى السودان على البقاء في مصر: ”من المؤكد إذا فقدت الأمل نهائياً في تحقيق حلم الهجرة فإنني أفضل العودة للسودان مجدداً والعيش في مجتمعي الذي تسوده أخلاق ومثل تعبر عني ولا أحس فيه بالاضطهاد.“

ولكن هذا القرار يتسم بالندم في حالة داوود، الندم لعدم تحقيق هدفه الأساسي الذي دفعه للرحيل من بلده، وهو الهجرة لبلد ثالث.

”ما يزيد تمسكي بتحقيق هذا الهدف هو أوضاع المهاجرين السابقين للدول الأجنبية الذين يحضرون للقاهرة لقضاء العطلة فيها. الميزات تفضيلية في تلك الدول الأجنبية في نظام الصحة والتعليم والعمل المجزي بالساعات مع إمكانية التمتع بجنسية الدولة الأجنبية نفسها أنت وأبنائك بعد قضائكم لعدة سنوات فيها، كل هذا يجعلك مواطناً لديك ذات الحقوق والواجبات دون تمييز أو استثناء. لهذا ما زلت متشبثا بحلمي،“ يقول داوود.



* سعيد وداوود اسمان مستعاران. رفض كل المتحدثين الادلاء بأسمائهم وأي إشارات تدل عليهم نظرا لحساسية وضعهم وإقامتهم بشكل مؤقت في مصر.