الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تذكرة إلى اللامكان

هادية إلياس
5978 كيلومتراً | ربطت السكك الحديدية السودانية، التي تكاد تكون الأطول في إفريقيا، مختلف أرجاء السودان، وأدخلت البلاد في العصر الحديث. من ينظر إلى معظم خطوطها الآن لا يرى سوى مُجرد خُردة على قارعة الطريق.
7.03.2016  |  الخرطوم، السودان
         تدهورت السكك الحديدية السودانية إلى وضع بائس بعد أن كانت حلقة وصل حيوية بين أرجاء السودان.  (الصورة: النيلان | محمد هلالي)
تدهورت السكك الحديدية السودانية إلى وضع بائس بعد أن كانت حلقة وصل حيوية بين أرجاء السودان. (الصورة: النيلان | محمد هلالي)

> نقطة المغادرة: -
> نقطة الوصول: -
> المسافة: 5978 كيلومتراً


وصل طول السكك الحديدية السودانية في أوجها حوالي 4588 كيلومتراً وزعت على أربعة خطوط ربطت مختلف جهات البلاد ببعضها البعض، إلا أن هيئة سكك حديد السودان واجهت عدداً من الأزمات بدأت في تسعينيات القرن الماضي وما زلت متواصلة حتى الآن.

اليوم، الخط الشمالي لعطبرة هو الخط الوحيد الذي ينقل الركاب، بينما تعاني الخطوط المتبقية الأخرى من الهجر، في العديد من الأحيان لا يجد المهتم سوى خُردة على قارعة الطريق في المناطق القريبة من المدن التي مثلت محطات وورشاً رئيسية لهيئة سكك حديد السودان في أيام مجدها. 

بدأ العمل في وضع أول خط لسكة حديد في السودان مع مقدم جيش الحملة البريطانية للبلاد، وذلك سنة 1896. كان تمويله من الأموال المخصصة لهذه الحملة، والتي بلغت حوالي نصف مليون جنيه استرليني، وذلك حسب الكاتب الإنجليزي مارك استراج في كتابه ’من الكيب للقاهرة’. يقول استراج أن اللورد كتشنر، قائد الحملة، هو الذي أمر ببناء الخط لغرض رئيسي هو ”نقل المؤن والطعام للجيش أثناء عبوره لأرض السودان“. 

تم بناء الخط من طرف رهط من الفلاحين المصريين، إضافة إلى من تيسر القبض عليهم من سودانيين، وجزء من جنود الحملة، علاوة على 200 سجين أطلق سراحهم لهذا الغرض. كل هؤلاء مثلوا العمالة التي قام هذا الخط على أكتافها. 

اعتمد كتشنر على مهندس كندي الجنسية يُدعى بيرسي جيروارد تخرج من كلية كنجستون في أنتاريو، وعمل في مشروع إنشاء خط سكة حديد كندا الباسيفيكية قبل أن يلتحق بخدمة الجيش البريطاني كملازم في سلاح المهندسين“. تم الافتتاح الرسمي للخط الرابط بين حلفا في أقصى شمال السودان والخرطوم بحري في اليوم الأخير من القرن التاسع عشر، حيث بلغ طوله آنذاك 1068 كيلومتراً وكان مخصصاً للأعمال الحربية.

كما مُد خط السكة لشرق البلاد في عام 1905، ورُبِط بميناء بورتسودان على البحر الأحمر. شهد عام 1909 وصول الخط إلى الجزيرة، حيث كانت التحضيرات تمضي لإقامة المشروع الزراعي الأكبر في البلاد. وأعقب ذلك في عام 1912 مد تلك الخطوط إلى الأبيض في غرب السودان، بغرض تقريب ذلك الإقليم من الإدارة المركزية.

عندما بدأ السودان يحكم ذاته في 1954، كان مجموع طول خطوط السكة فيه يبلغ نحو 3104 كيلومتراً، كما أورد الدكتور مصطفى محمد خوجلي في مقال باللغة الإنجليزية نُشر على صفحات العدد (42) من مجلة ’دراسات السودان’ التي تصدر ببريطانيا، وذلك في يوليو/تموز 2010. الحكومة الوطنية، بعد استقلال السودان في 1956، شرعت في زيادة هذه الخطوط ”بدوافع تقوية لحمة الوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية“. هكذا قامت بتشييد ثلاثة خطوط: خط قصير من سنار للروصيرص والدمازين بغرض بناء خزان الدمازين، وخطين آخرين أكثر طولاً من عرديبة، في شمال كردفان إلى نيالا في دارفور، وآخر من بابنوسة، جنوب كردفان إلى واو في بحر الغزال، وبذلك زاد الطول الكلي للخطوط إلى 4588 كيلومتراً. 

وأشاد الصحفي قرشي عوض، في حديثه لـ ’النيلان’، بالسكة لكونها قربّت المسافات و”ربطت جميع أرجاء السودان“، معتبراً أنها ذات أثر كبير في الحياة العامة ”ارتقت بالحياة وطوّرت الريف، حيث قامت بتأسيس الأندية الثقافية والجمعيات التعاونية والمدارس”. 

يبين صلاح الخليفة، أحد العاملين بسكة الحديد لأكثر من عشرين عاماً متواصلة، الآثار الاجتماعية لسكة الحديد من حيث ”توحيد السودان والربط بين جميع قبائل السودان بثقافاتهم“، مبيناً أنه قضى معظم حياته في سكة الحديد التي ربطته بشخصيات من بابنوسة والشرق والوسط. ”لولا سكة الحديد لما تعرفت على هذه الثقافات لأنني ابن الشمال“ يقول الخليفة. 

لقد استفاد المواطن من كل ما كانت السكة توفره. تقول المواطنة زهراء أحمد لـ ’النيلان’ إن السكة ”كانت وسيلة رخيصة ومضمونة“، مبينة أن ”السفر قبلها كان أشبه بالمستحيل عبر اللواري وفي شوارع غير مسفلتة“. 

لكن أحمد ترى أن مشكلة الزمن ظلت تلازم سكة الحديد، موضحة أن ”تعبيد الطرق وظهور الباصات السفرية أدى لعدم الاعتماد عليها، بسبب السرعة واختصار الوقت، على الرغم من كثرة الحوادث وعدم سهولة نقل المتاع والبضائع”. 

شهدت فترة نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بداية تدهور السكك الحديدية في السودان. الإهمال وسوء الإدارة والحسابات السياسية كلها أدت إلى تدهور السكة حتى سقوطها في آخر المطاف.

يعتبر صلاح الخليفة أن حكومة جعفر نميري (1969 – 1985) قامت بدق أول مسمار في نعش سكة الحديد، مشيراً إلى أن ”الإضرابات العمالية كانت تؤرق الحكومة“ وكان لابد من القضاء على الجسم الذي ينتمون له.

الحكومات المتعاقبة، يقول الخليفة، سارت على ذات النهج وتطورت الصراعات بينها وبين النقابات العمالية بسكة الحديد لأسباب سياسية. أدى هذا الصراع لفصل الآلاف من العمال المهرة وذوي الخبرات الطويلة والمهندسين المتميزين.

المقاطعة الاقتصادية أدت من جهة أخرى إلى عدم توفر قطع الغيار. عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية المقاطعة الاقتصادية للسودان تأثرت سكة الحديد كأشد ما يكون التأثير، حيث كان نحو 80 في المئة من الآلات التي تستخدمها سكة الحديد منتجة في الولايات المتحدة الأمريكية.

يتم تداول موضوع تأهيل سكة الحديد باستمرار في أضابير أجهزة الحكومة والمؤسسة المتأثرة، وهذا الحديث – غير المدعوم بأية أعمال من شأنها أن تعيد هذه المصلحة لسيرتها الأولى – لا يخرج عن كونه محاولات للإنعاش.

كان أبرز هذه المحاولات هو ”مشروع القطار المحلي وسير العمل في تأهيل خطوط سكة الحديد الرابطة بين ولاية الخرطوم والولايات المجاورة“، الذي أعلن عنه والي ولاية الخرطوم عبد الرحمن الخضر في أكتوبر/تشرين أول 2014. هذا المقتبس الذي نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا) خلا من أية تفاصيل لهذا المشروع الطموح، الذي لا يبدو أنه وجد طريقه للتطبيق على أرض الواقع. كما أوضح عبد الله علي مسار، رئيس لجنة النقل والمواصلات بالمجلس الوطني، أن المشروعات الهادفة للارتقاء بقطاع النقل ستمتد في مقبل الأيام لتشمل دول الجوار، مشيراً إلى وجود ترتيبات لـ ”إنشاء خطين لربط السودان بكل من أثيوبيا وتشاد“.

بالنسبة للعديدين، هناك حاجة ملحة لتطوير سكك السودان الحديدية وتأهليها لعهدها السابق. يعتبر قرشي عوض أن ”إعادة بناء سكة الحديد مرتبطة بإعادة بناء السودان بشكل عام“ معتبراً أنه لابد من توفر إرادة سياسية حقيقية لهذا الغرض من قبل الحكومة أو المؤسسات ذات الصلة.

وبين عوض أن إحياء هذه المصلحة مرتبط بـ "إحياء التعليم الفني وتطويره، وإعداد الكوادر وتشغيلهم في مدارس خاصة، وقبل كل هذا، تغيير سياسة الدولة الخارجية للتعاون مع دول مفيدة في إطار تطوير السكك الحديدية حيث يمكن استيراد قطع للغيار لإحداث الصيانة المطلوبة للخطوط“. 

يتفق صلاح الخليفة مع وجهة النظر هذه، إذ يجد أن ”التدريب يعتبر عموداً فقرياً… إلى جانب الصيانة الكاملة للقطارات والقضبان المهملة حالياً، كما يجب استجلاب خبراء ومهندسين وقطارات سريعة من دول تمتلك هذه الإمكانيات”.

ولكن مع الضيق الاقتصادي الذي يعيشه السودان بالإضافة إلى انعدام الإرادة السياسية، يبدو أن قطارات السودان ستظل متوقفة إلى أجل غير مسمى.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.