الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

افتقدت أمي وخبزها

زينب محمد صالح
5095 كيلومتراً | بعد سنوات أمضتها مراسلة النيلان زينب محمد صالح في تعلم الإنجليزية، حصلت على منحة دراسية في جامعة كارديف، ولكنها مرت بفترة صعبة بعد وصولها إلى المملكة المتحدة.
4.03.2016  |  كارديف، ويلز، المملكة المتحدة
زينب محمد صالح في كارديف، المملكة المتحدة.  (الصورة: النيلان | زينب محمد صالح)
زينب محمد صالح في كارديف، المملكة المتحدة. (الصورة: النيلان | زينب محمد صالح)

نسيت ضحكتي في شهري الأول في بريطانيا. لم يصادفني أحد يضحك كي أضحك معه، لا في الشارع ولا في الجامعة ولا في سكني. كلهم يبتسمون ابتسامات صفراء حينما ينظرون إليك. عندما تسألهم عن شيء يردون عليك باقتضاب وتهذيب شديدين. شعرت أنهم مزيفون كأنما يقلدون الأفلام الأمريكية في مشيهم السريع، لبسهم وسلوكهم.

هذا بالإضافة إلى الطقس البارد والممطر جداً، والطعام الذي لا مذاق له. ووجدت أن كل شيء رطب ما عدا ألسنتهم. افتقدت حر السودان وجفافه، وأمي وخبزها.

رددت بيني وبين نفسي: ”هل هذه هي بريطانيا التي أنفقت من أجلها أكثر من عامين من عمري لتعلم لغتها لأنني من طبقة اجتماعية في السودان تلقى أردأ تعليم، ووقفت عن عملي الصحفي المباشر لعامين بسببها، وسهرت الليالي كي أجتاز أسخف امتحان مر علي في حياتي وهو الإيلتس؟“

العودة إلى مقاعد الدراسة بعد سبعة أعوام ونيف أمر جلل لو تدرون، خاصة مع زملاء دراسة يصغرونك بأعوام وأتوا من بيئات مختلفة جداً عنك.

معظمهم لم يواجه ما واجهته من صعوبات في الحياة، كامرأة آتية من بلد بها حروب أهلية على جبهاتها المختلفة. هذا بالإضافة لمعاناتي كشخص من طبقة كادحة وانتمائي لأقلية إثنية في السودان. أضف معاناتي كصحفية، حيث تم إغلاق صحيفتي من قبل الحكومة عشية استقلال الجنوب، وطردي من أكثر من مؤسسة صحفية عملت بها، وعدم السماح لي بالعمل في الصحف الأخرى.

كل هذا لأسباب سياسية عنصرية، ولأن الإعلام في السودان مسيطر عليه كلياً من طرف الحكومة والمجموعات المتحالفة معها. كل هذا مفهوم في إطار كوني غير مناصرة لهذه الحكومة بالإضافة لكوني امرأة، ومن هامش جغرافي في السودان. ما يعني أن كل الأشياء ضدي.

زملائي هنا لا يتخيلون فظاعة ما يحدث للناس في بلدي، نساء يتم اغتصابهن بشكل شبه يومي وطالبات يتم اعتقالهن وتعذيبهن لأنهن طالبن بحقهن في التعليم والسكن الجامعي. هم لا يتخيلون أن يتم اعتقال امرأة لأنها لا تضع غطاءً على رأسها.

صادفت من قال لي إنه لم يسمع بدارفور ولا بجبال النوبة أو النيل الأزرق حيث يتم القصف وتتم إبادة جماعية. ولكن لما الاستغراب إذا كان هناك سودانيون داخل السودان لا يشعرون بمعاناة الآخر السوداني؟

الكثير من زملائي لا يعرف أين يقع السودان، في غرب إفريقيا أم شرقها. هم يتحدثون عن هاري بوتر وعن مشاهير لم أسمع بهم من قبل. عندما أقول لهم إنني لم أشاهد هاري بوتر في حياتي ولم أسمع بذاك الفنان ولم أحتفل بعيد ميلادي مطلقاً، ولم أشاهد التلفاز في طفولتي لأنني ولدت ونشأت في أطراف الخرطوم حيث لا كهرباء ولا مياه ولا خدمات أساسية. أسالهم: ”هل فاتني أي شيء؟“ - يصدمون ويوسعون مقلتيهم وينظرون إلي مرتين قبل أن يقولوا: ”آه نعم، أنت من ثقافة مختلفة جداً.“

وليس ذلك فحسب، حتى أثناء المحاضرات لا أحد يتذكر السودان بكلمة، رغم أن الكورس اسمه الصحافة الدولية، ولكن عملياً المقصود بالدولية هنا أمريكا وبريطانيا والصين.

ومع ذلك، الجامعة هي المكان الدافئ الوحيد في كارديف، حيث الأساتذة صحفيون يقدمون عصارة خبراتهم وتجاربهم من خلال العمل مع بيوت صحافة عالمية كالبي بي سي ورويترز. منهم من غطى الحرب في العراق وأفغانستان وسوريا.

في البداية شعرت بأن المحاضرات غارقة في العمومية وليس بها أي عمق، ولم أشعر أنني أستفيد منها شيئاً يذكر. ولكن، علي أن أقول الآن إنني استعجلت في الحكم.

وجدت نفسي مع الوقت أتلقى معلومات جديدة ومنهج تحليل مختلفاً عما يجري من حولنا في العالم، بالإضافة إلى الإلهام الشديد الذي يجعلك لا تريد إكمال الكورس وتود أن تكون في بلدك لتنقل للعالم القصص من هناك، وذلك من خلال الورش والمحاضرات المصاحبة للكورس الأساسي والتي يلقيها صحافيون أفذاذ.

عدم التفاهم الذي ساد بيني وما من حولي بدأ يتبدد عندما ذهب قسمنا في رحلة علمية إلى الريف الويلزي، مكان يدعى قريقونغ، وهو في غاية الجمال والهدوء والسلام. قضينا ثلاثة أيام معاً، قدمنا فيها مقترحات لبحوثنا وبدأنا نتعرف على بعضنا البعض وقضينا وقتاً ممتعاً، وساد جو إيجابي بيننا.

بدأت أشعر بالانسجام مع الذين أقيم معهم. هم من اليابان، كوريا الجنوبية، إيطاليا، وبريطانيا نفسها. تجربة للتعرف على ثقافات شعوب من مختلف أنحاء العالم، احترامهم الشديد للوقت وتهذيبهم العالي وهدوؤهم. أحياناً أجد صعوبة بالغة في مجاراتهم، أنا الآتية من بلد يحتفون فيه الناس بالتمهل. على غرار سمحة المهلة، إعلان إحدى شركات الاتصالات في السودان، لتشجيع المشتركين للتحدث كيفما يشاؤون على الهاتف. هذا الإعلان يفضح الآن لي إحساسنا الضعيف بالوقت.

حينما كنت في السودان حلمت بهذه الفرصة، الدراسة في بريطانيا والتعرف على ثقافة مختلفة وإجادة اللغة الإنجليزية، والأهم الإقامة لوحدي والاعتماد على ذاتي. التمكن من قراءة الكتب التي لم أجد الفرصة لقراءتها مع زحمة الصحافة وزيارة المتاحف والمسارح والسينما، كلها كانت أحلاماً. وأخيراً فزت بمنحة التشفينغ من الحكومة البريطانية بعد محاولتين فاشلتين. وجدت هنا طريقة تفكير مختلفة، وما زال أمامي الكثير، الكثير من الاكتشافات، التجارب، الكثير من هذه الحياة المختلفة.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.