الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

بعيداً عن موطني

حامد إبراهيم
340 كيلومتراً | قبل أربعين عاما، كان صالح محمود شابا في مقتبل العمر يعيش في ضواحي مدينة حقات، حياة سهلة قوامها تربية الأبقار والزراعة. انضمامه إلى الجيش الشعبي الإريتري غير حياته، حيت بدأ مسيرة كان آخر مطافها السودان.
12.02.2016  |  كسلا، السودان
صالح محمود في كسلا، السودان.  (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)
صالح محمود في كسلا، السودان. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)

> نقطة المغادرة: حقات، إرتيريا
> نقطة الوصول: كسلا، السودان
> المسافة: 340 كيلومتراً


كانت تتنامى إلى مسامعي أخبار متفرقة عن معارك وحروب تدور بين الجيش الشعبي الإريتري وقوات الإمبراطورية الأثيوبية. حقيقة لم أخفِ أبداً تعاطفي مع الجيش الإريتري. في ليلة من الليالي، قررت الالتحاق بجيش الثورة الإريترية، شأني في ذلك شأن أقراني من الشباب الإريتري. كنا نتوق إلى الانعتاق من الاستعمار الإثيوبي.

وما هي إلا أيام معدودات حتى أصبحت مناضلاً في صفوف الثورة الإريترية بعد أن أمضيت فترة تدريبية قصيرة. خضت الكثير من المعارك، حققنا خلالها الكثير من الانتصارات وتجرعنا فيها أيضاً الكثير من الهزائم والانكسارات.

وبعد مسيرة حافلة في جيش التحرير الإريتري امتدت لأكثر من عقدين، وجدت نفسي على الجانب الآخر من الحدود، وجدت نفسي في السودان. ما دفعني إلى الرحيل هو الانشقاق عن صفوف الثوار، حيث طلب منا إراقة الدم الإريتري، لمن وصفوا آنذاك بالأعداء. رفضت أنا وبعض الرفاق، لأن ذلك مثلّ بالنسبة لنا انحرافاً عن الأهداف التي ناضلنا من أجل تحقيقها، في أن يكون جميع الإريتريين أحراراً وكرامتهم مصانة.

ما أن وطأت أقدامنا الأراضي السودانية حتى تم وضعنا في البدء في معسكر تشرف عليه القوات المسلحة السودانية، مخصص لاستقبال اللاجئين الإريتريين العسكريين في منطقة قرقر السودانية. هناك سلمنا أسلحتنا، وبعد قضاء فترة قصيرة تم تحويلنا إلى معسكر استقبال اللاجئين الإريتريين المدنيين في منطقة ود شريفي، على بعد عشرين كلم جنوب شرقي مدينة كسلا. هناك قضيت حوالي عام حصلت خلاله على صفة اللاجئ ومنحت بطاقة تخول لي بعض الحقوق. ولكن الحق الذي كنت أتوق إليه، حق التنقل إلى مكان آخر غير المعسكر، لم يتح لي.

ورغم أن قانون اللجوء في السودان يعطي اللاجئ الكثير من الميزات، إلا أنه لا يسمح للاجئ بحرية الحركة إلا بتصريح من السلطات، وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً وواسطات. ولذلك اخترت طريق التسلل من المعسكر بالرغم من علمي بالمخاطر، على رأسها عدم تمتعي بحقوق اللاجئ في السودان إذا تم القبض علي. هكذا وتحديداً في عام 1986 تسللت إلى مدينة كسلا المجاورة.

بما أنني لا أملك مهارات أو شهادات مدرسية لم يتسنَ لي سوى العمل في حراسة المنشآت وبأجر مادي زهيد. وواجهتني مشكلة التأقلم مع المجتمع والواقع الجديدين. بما أنني قادم من خلفية ثقافية ترفض التحقير بأي شكل كان، وأيضاً نتيجة لخبراتي العسكرية التي كانت مثار اعتزاز بالنسبة لي، كنت أرفض أن يعاملني المجتمع بدونية أو أن يقلل أحد من قدري.

كنت أرفض وصفي بكلمة ’اللاجئ’، وأدخلني هذا الوضع في مشاكل ومنازعات كثيرة، منها معركة بالأسلحة البيضاء مع أفراد ينتمون إلى الشرطة السودانية قاموا باستفزازي ومناداتي باللاجئ، مما جعلني أنفعل وأخوض معهم معركة دامية كانت نتيجتها أن أصبت بعضهم بأذى وأدت لمكوثي بالسجن حوالي شهرين كاملين. بسبب ذلك فقدت وظيفتي لأن رب عملي اعتبرني مثيراً للمشاكل وقال لي إنه لا يريد هذا النوع من الخفراء.

همت على وجهي فترة من الزمن ثم وجدت مهنة أخرى كعامل في مطعم، أمضيت فيها عدداً من السنوات ثم انتقلت إلى مهنة عامل في مقهى لبيع الشاي والقهوة، ثم عدت مرة أخرى إلى حراسة البنايات. وأخيراً ومنذ عشرة أعوام، أعمل بائعاً متجولاً للمنتجات البلاستيكية وخاصة الأباريق.

هذه المهنة رغم أنها متعبة ومجهدة، لأنها تتطلب حمل البضاعة على ظهري والتجول بها في الأماكن والطرقات التي بها كثافة، ولكنها في ذات الوقت توفر لي دخلاً لا بأس به يكفي لشراء احتياجاتي الشخصية.

طيلة وجودي في السودان كلاجئ ـ حوالي ثلاثة عقود ـ لم أفكر يوماً في الزواج، وذلك لأنني لا أريد أن أخلف أبناء لا حقوق لهم. كما إنني لم أشعر منذ أن وطأت قدماي الأراضي السودانية أنه بإمكاني إعالة أسرة وتوفير مأكل وملبس وتعليم. توفير كل هذا ليس بالأمر السهل، خاصة على شخص مثلي لم ينل حظاً من التعليم ولا يمتلك مهارة أو حرفة سوى تربية المواشي والأعمال المنزلية الأخرى.

معظم الأشخاص الذين لجؤوا معي إلى السودان بما فيهم بعض أقاربي، أوضاعهم أحسن من وضعي بكثير، فمنهم من هاجر إلى الدول الأوروبية وكندا وأستراليا، ومنهم من وفق أوضاعه هنا في السودان واستخرج الجنسية السودانية وأصبح يتمتع بحقوق المواطنة. معظمهم كونوا أسراً وعلموا أبناءهم وبناتهم.

أنا لم يتسنَ لي الخيار الأول ورفضت الخيار الثاني بالرغم من أنني أنتمي إلى قبيلة مشتركة بين السودان إريتريا، وهي قبيلة البني عامر، ولي أقارب سودانيون، ولكني رفضت. استخراج الجنسية السودانية يتطلب مني الإدلاء ببيانات كاذبة، علي أن قول إنني ولدت في السودان. هذا أمر أرفضه بشدة، فأنا إريتري وسأبقى إريترياً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

أملي الوحيد الذي أعيش عليه وأستمد منه القدرة على مواصلة مشوار الحياة، بما فيه من صعوبات ومرارات، هو العودة يوماً ما إلى قريتي، وأتمنى من كل قلبي أن أعود يوماً ما وأدفن في أرضي إلى جانب آبائي وأجدادي.



هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.