الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

هروب عبر التاريخ

تشارلتون دوكي
بسبب موجات العنف الأخيرة، أصبح واحد من كل عشرة أشخاص نازحا في جنوب السودان. بالنسبة للعددين منهم، ليست هذه المرة الأولى التي يضطرون فيها للنزوح.
21.12.2015  |  جوبا، جنوب السودان

عندما تفشى القتال عبر بعض ولايات جنوب السودان في أواخر عام 2013 إثر صراع سياسي في جوبا، هرب الناس خوفاً على حياتهم مذكرين الكثيرين منا بالواقع المرير الذي عانى منه جنوب السودان خلال عقود الحرب الأهلية التي سبقت الاستقلال.

بسبب الاشتباكات الأخيرة، ارتفع عدد الأشخاص الفارين إلى ما يقارب 1,5 مليون نسمة، أي بنسبة عشر السكان، وبهذا وبعد مضي عام على الصراع، تلاشى التفاؤل الذي عقب استقلال جنوب السودان.
لقد كشف الصراع على السلطة، والذي بدأ باشتباكات بين أفراد الحرس الرئاسي، حقيقة ثقافة السياسة العسكرية ووفرة السلاح في البلاد. وأدت اشتباكات لاحقة إلى مقتل ما لا يقل عن 10 آلاف شخص.

وتظهر تقارير من شهر ديسمبر/كانون أول 2014 إلى أن أكثر من 480 ألف شخص قد فروا من البلاد، في حين نزح ما يقارب المليون داخلياً في محاولة للعثور على أماكن أكثر أماناً في جنوب السودان.

يعكس المقاتلون ”تجاهلاً تاماً لحقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني“ حسب ما جاء في رسالة من طرف 14 جماعة معنية بحقوق الإنسان في جنوب السودان، إضافة إلى هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، وجلوبال ويتنس، وهيومانتي يونايتد، إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما لحثه على فرض حظر على الأسلحة في جنوب السودان.

ويستمر الصراع بين المتمردين والقوات الحكومية بشكل متقطع، مع اندلاعه مؤخراً في بانتيو وناصر ومابان، حيث يُقدر عدد القتلى بعشرات الآلاف، وهذا يعني أن عدد الفارين داخل هذا البلد اليافع مازال في تصاعد.

غالباً ما يهرب السكان في جنوب السودان إلى الأدغال بدون أمتعة ويلجأون إلى مخيمات ضخمة، مثل كاكوما في كينيا وبوغنيدو في أثيوبيا وأدجوماني في أوغندا. تكونت هذه المخيمات خلال سنوات الحرب الأهلية بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والحكومة السودانية في أطول حرب شهدتها إفريقيا، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.

هذه المستوطنات، بخدماتها الصحية البدائية وأكواخها المؤقتة، هي تحت إدارة منظمات دولية مثل منظمة إنقاذ الطفولة وأطباء بلا حدود واللجنة الأمريكية للاجئين، ويعد أكبرها مخيم بوغنيدو الواقع في منطقة غامبيلا في أثيوبيا والذي يأوي نحو 257 ألف و877 ألف شخص. أصبح عدد من هذه المخيمات الآن مستوطنات شبه دائمة، حيث يعود تاريخها إلى الحرب الأهلية.

وأصبحت كل من أثيوبيا، وخاصة منطقة غامبيلا، أوغندا، كينيا والسودان موطناً لأكثر من 600 ألف لاجئ، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة. يقيم معظم هؤلاء في مخيمات بالقرب من الحدود وغالباً ما يعانون من نقص في الغذاء والتعليم والرعاية الصحية. تستضيف أثيوبيا أكبر عدد من اللاجئين جنوب السودانيين، بينما غدت الخرطوم، التي كانت مركز عداء جنوب السودانيين خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، الملاذ الأخير للكثير من جنوب السودانيين الذين يقصودنها بفضل صلاتهم العائلية فيها.

الوضع الحالي بمثابة تذكير للعديدين بالقتال بين شمال وجنوب السودان، والذي دفع بمئات الآلاف من اللاجئين إلى الفرار إلى أوغندا وكينيا وإثيوبيا والسودان. عاد العديد من الجنوبيين إما للتصويت على الاستقلال أو للإقامة في الدولة الجديدة، إلا أنهم سرعان ما كان عليهم الفرار من جديد مع تصاعد العنف بعد عامين فقط من استقلال بلادهم.

وحالياً، لا يتخيل العديد من اللاجئين أو النازحين داخلياً العودة إلى ديارهم قريباً. محادثات السلام الموسعة في أديس أبابا بين ممثلي رئيس جنوب السودان سلفاكير من جهة وزعيم المتمردين ونائب الرئيس السابق ريك مشار من جهة أخرى فشلت في وقف العنف: تم خرق سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار خلال أيام عبر موجات جديدة من القتال.

بعد فترة وجيزة من اندلاع الاشتباكات في ديسمبر/كانون أول 2013، اتهم كير منافسه مشار بتهمة التخطيط لانقلاب على الرغم من غياب الأدلة. وتمرد قادة الجيش في ثلاث ولايات وطال العنف في العام اللاحق عدداً من الولايات الأخرى بما في ذلك هجمات على أسس عرقية بين النوير والدينكا. وانخفض إنتاج النفط الخام، الذي يمثل أكثر من 90 في المئة من إيرادات حكومة جنوب السودان، بنسبة الثلث على الأقل خلال الصراع، حيث اشتبك الجيش مع المتمردين في منطقتين رئيسيتين لإنتاج النفط.

تقول الأمم المتحدة إنه من المرجح أن يلجأ الآلاف من جنوب السودانيين عبر الحدود مع السودان، ويحتمل أن يتضاعف عدد اللاجئين هناك.

وعلى الرغم من الصراع الدائر، استقبل جنوب السودان العديد من اللاجئين من البلدان المجاورة، ففي العام الماضي، استضاف جنوب السودان ما يفوق 245 ألف لاجئ مسجل معظمهم من السودان، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. وهذا جزء من تاريخ طويل يبين أن دولة جنوب السودان كانت منذ زمن مصدّراً ومستقبلاً للاجئين على حد سواء.

شهد جنوب السودان التدفق الأكبر للاجئين عقب الإطاحة بالزعيم الأوغندي السابق عيدي أمين دادا عام 1979، حيث لجأ إليه الأوغنديون هرباً من الموت. وبحلول عام 1982، تضخم عدد اللاجئين الأوغنديين إلى حوالي ربع مليون شخص بسبب حرب العصابات التي شنها أنصار أمين في الجزء الشمالي الغربي من البلاد رداً على الانتهاكات التي ارتكبها جيش التحرير الوطني الأوغندي.

وبين عامي 1984 – 1985، ساعدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بعض اللاجئين الأوغنديين في العودة إلى ديارهم. وفي هذا الوقت، كان جنوب السودان آمناً نسبياً فاستقر فيه اللاجئون الأوغنديون. واختار أكثر من 200 ألف لاجئ أوغندي البقاء على الضفة الشرقية لنهر النيل. ”أسس معظم الأوغنديين سبلاً جيدة نسبياً للعيش في السودان (جنوب السودان) ولم يعودوا راغبين في العودة إلى أوغندا بالرغم من الأوضاع السياسية غير المستقرة“، حسب تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين المعد من قبل جوزيف ميركس.

وبقي الكثيرون في جنوب السودان حتى استلام المتمردين بقيادة يوري موسيفيني السلطة في كمبالا في يناير/كانون الثاني 1986، الأمر الذي أدى إلى تحسن الوضع الأمني في أوغندا. وتزامن ذلك مع اشتداد القتال في جنوب السودان في 1988- 1989 مما دفع بالعديد من اللاجئين الأوغنديين إلى العودة إلى أرض الوطن مع الآلاف من الجنوب سودانيين.

تعود العلاقات بين السكان في أوغندا وجنوب السودان إلى أجيال سابقة وخاصة أجيال عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وذلك بسبب غياب الرقابة على الحدود بين السودان وأوغندا. في أربعينيات القرن العشرين مثلاً، هاجر الآلاف من جنوب السودان إلى أوغندا للعمل في صناعات القطن والسكر مع نمو الاقتصاد الأوغندي. وساعدت حركة هؤلاء المهاجرين في توطيد العلاقات بين القبائل على جانبي الحدود بما في ذلك قبيلتي المادي والكاكوا.

”إن العلاقات التي تأسست خلال هذه الهجرة مكنت في وقت لاحق جنوب السودانيين من الاستقرار في شمال أوغندا“، تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في تقريرها تحت عنوان ’هويات اللاجئين والإغاثة على الحدود الإفريقية: دراسة لشمال أوغندا وجنوب السودان‘. ويضيف التقرير أنهم وصلوا ”بين أقاربهم عندما اضطروا إلى الفرار من الحرب الأهلية في جنوب السودان“. وتستمر هذه الاضطرابات الاجتماعية إلى يومنا هذا، ويحذر المراقبون من استمرارها في المستقبل المنظور.

 

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.