الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

في حركة دائمة

آدم محمد أحمد
تشكل وتأثر السودان على حد سواء بالمواطنين الذين تركوه، واللاجئين والأجانب الذين عمروه.
17.12.2015  |  الخرطوم، السودان

كان السودان ملتقى المهاجرين عبر آلاف السنين، سواء من الشمال إلى الجنوب، أو من الغرب إلى الشرق. طرقات تلك الهجرة التاريخية تشمل خطوط تنقل الرعاة والخطوط التي تبعها السودانيون، إما بحثاً عن حياة أفضل أو هرباً من جحيم الحرب في مناطق السودان المختلفة. وبينما يشتهر السودان بصراعاته، كحرب دارفور مثلاً التي دفعت بالكثيرين إلى الفرار من منازلهم، إلا أن السودان كذلك استقبل في الماضي ومازال يستقبل حالياً أعداداً هائلة من اللاجئين من دول كثيرة كجنوب السودان، أثيوبيا أو إريتريا.

يحمل المجتمع السوداني المعاصر بصمات هذه الحركات التاريخية التي تميزت كذلك بحلول مهاجرين من مناطق بعيدة عن السودان. لقد كان التحرك من مختلف أنحاء إفريقيا إلى وعبر السودان محدداً لتطور الشعوب في عدد من مناطق البلاد، فقبيلة الفلاته التي تعود أصولها إلى شمال وغرب إفريقيا نجدها الآن في عدد من أنحاء السودان. العلاقة بين المغرب والسودان مثال كذلك على التحرك، إذ وصل عدد من الطرق الصوفية التي بدأت في مدن مغربية مثل فاس ومراكش، كالطريقة الشاذلية التي انتشرت تعاليمها في المغرب في القرن الخامس عشر الميلادي، أو الطريقة التيجانية التي بدأت في مدينة فاس واستقرت في السودان في منتصف القرن التاسع عشر ميلادي. أضف إلى ذلك كل المجتمعات التي استقرت في السودان عبر العصور من أقباط ويونانيين وسوريين وأرمن.

يعود تاريخ الهجرة إلى وعبر مناطق السودان إلى بداية البشرية. يعتبر العديد من علماء الأنثروبولوجيا منطقة بحيرة توركانا القريبة من السودان سرير البشرية، وقد ذكر عدد من المؤرخين أولى الحضارات، كتلك التي تنقلت من توركانا شمالاً إلى مصر، على طول نهر النيل. لقد كان الحراك بين مصر والسودان قائماً على مر العصور، بحيث هاجم حكام مصر السودان بحثاً عن العبيد، وحكم ملوك وملكات من السودان مصر في عصر الكوش.

شهد السودان الكثير من الهجرات، وتاريخياً كتب المؤرخون عن هجرات العرب إلى بلاد النوبة في عصور ما قبل الإسلام، مع اختلاف الأسباب التي دعت إلى ذلك. حتى القرن التاسع، هاجر العرب إلى بلاد السودان لعدة أسباب تجارية: منها تجارة الرقيق المربحة، وأنشطة التعدين في الصحراء الشرقية، والحج، بالإضافة إلى التجارة مع الهند التي أدت في النهاية إلى تطوير موانئ البحر الأحمر.

كما كانت لهجرة العرب للسودان أسباب أخرى، سياسية مثلاً، كسياسة التتريك في عصر المعتصم، ثامن الحكام العباسيين، التي أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من العرب إلى بلاد النوبة، أو النزاع على السلطة في مصر بين العرب والمماليك الذي أدى في نهاية المطاف إلى خروج العرب من مصر والاستقرار في السودان.

في العصور الحديثة شهد السودان هجرات داخلية وخارجية بنسب كبيرة، بدأت مع المستعمر المصري -التركي سنة 1821، الذي قام بعدد من الغارات على البلاد للحصول على العبيد وأقام في الخرطوم مركز قوة، وحدد ديناميات الهجرة الداخلية لقرون تلت.

عرفت المستوطنات الحضرية في السودان ازدهاراً من حيث الحجم والأهمية خلال فترة الاستعمار الإنجليزي المصري الذي حكم السودان من 1898 إلى 1955. فقد ركزت القوى المستعمرة على تنمية عدد قليل من المدن في الشمال ونظام الري على نطاق واسع في منطقة الجزيرة لإنتاج القطن. في عام 1923 جذب مخطط الجزيرة العديد من العمال من جميع أرجاء السودان. مدينة الحصاحيصا على سبيل المثال شملت 25 قرية كان كل سكانها من غرب السودان و 52 قرية كان مجمل سكانها من دول في إفريقية كالتشاد ونيجيريا.

بعد الاستقلال، في عام 1956، ظلت التنمية مركزة على المناطق الحضرية إلى حد كبير، مما دفع قدماً بالهجرة من الأرياف إلى المدن، وبالخصوص إلى العاصمة الخرطوم. الأرقام تحكي قصة أكبر: تضاعف عدد سكان العاصمة عشرين ضعفاً، من ربع مليون نسمة سنة 1956 إلى خمسة ملايين سنة 2008.

ولكن ديناميات هذه الحركة سجلت اختلافاً ملحوظاً بعد استقلال جنوب السودان في عام 2011، بخاصة في ظل فقدان السودان لنسبة كبيرة من عائدات النفط. هذا الواقع الجديد دفع العديدين إلى البحث عن فرص حياة أفضل في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أستراليا أو الشرق الأوسط.

بلغ عدد السودانيين الذين غادروا إلى دول المهجر بهدف الاستقرار 67 ألف مهاجر في سنة 2014، وفقاً للأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج حاج ماجد سوار. البعض من هؤلاء المهاجرين وصلوا مرحلة اليأس: حسب الأرقام الرسمية السودانية، غرق أكثر من مائة مهاجر سري سوداني العام الماضي في البحر المتوسط في محاولتهم الوصول إلى أوروبا.

تقول ابتسام ساتي، نائبة عميد كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، إن معدلات الهجرة في تزايد وإن ”أسواق العمل السعودية هي أكبر مستقبل للعمالة السودانية بنسبة 91 في المائة من مجمل المغادرين خلال السنوات الخمس الماضية“. التحويلات التي يرسلها السودانيون المقيمون في دول المهجر هي بند رئيسي للاقتصاد السوداني: أظهرت بيانات البنك الدولي، في ’كتاب حقائق عن الهجرة والتحويلات 2011‘ أن تلك المبالغ بلغت ذروتها سنة 2008 مع أكثر من 3 مليار دولار أمريكي.

الهجرة إلى الخارج سببها المباشر هو الوضع الاقتصادي في السودان، كما تفسر الباحثة الاجتماعية هند يحيى لـ ’النيلان’. ”الهجرة أصبحت للصفوة في كل الوظائف من الأطباء والمدرسين والمهندسين. هؤلاء لم يذهبوا لأنهم لا يحبون السودان، ولكن فقط لأنهم لم يستطيعوا توفير متطلبات الحياة هنا“.

ويعتبر قطاع الأساتذة الجامعيين من أهم القطاعات تأثراً بهجرة الأدمغة من السودان. بدأت هجرة هذا القطاع في سبعينيات القرن الماضي و”بلغ عدد المهاجرين من الأساتذة الجامعين 1000 أستاذ سنة 2013، مقارنة بـ 21 أستاذاً سنة 2008“، حسب قول ساتي.

وبينما يهاجر العديد من السودانيين إلى الخارج، ينتقل سكان الريف إلى المناطق الحضرية التي تقدم خدمات أفضل وفرصا أكبر. ذكر أعضاء المجلس في حديث نقلته معظم الصحف السودانية أن ”سكان الخرطوم يمثلون اليوم، ما نسبته 35 في المائة من سكان القطر“. وقال أعضاء المجلس أن هذه النسبة مرشحة للارتفاع، لتصل إلى 50 في المائة، أي أن الخرطوم ستستقبل نصف سكان السودان.

تبدو هذه الأرقام مرتفعة جداً، خصوصاً إذا ما قورنت مع معطيات ولاية الخرطوم المنشورة على موقع المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي للولاية في تقريره السنوي لعام 2013. تشير معطيات هذا التقرير الذي نُشر في سبتمبر/أيلول 2014 إلى أن مجموع سكان الولاية قد بلغ قرابة 6,5 مليون نسمة في عام 2013؛ أي أن ولاية الخرطوم لا تستقبل أكثر من 18 في المائة من مجموع سكان القطر.

ورغم أن هذه النسبة أقل بكثير من النسبة التي دل عليها أعضاء المجلس، إلا أنها تبقى مرتفعة بالمقارنة مع دول أخرى، بحيث لا تستقبل كمبالا عاصمة أوغندا أكثر من 3,6 في المائة من مجموع سكان البلاد، ولا تتعدى هذه النسبة الـ 7 في المائة في نيروبي، عاصمة كينيا.

تقول هند يحيى لـ ’النيلان’: ”إن الهجرة والتنقل من الريف إلى العاصمة الخرطوم أو المدن الكبيرة لديها أسباب، من بينها افتقار الريف للتنمية وأن الشباب لا يستطيعون أن يحققوا طموحاتهم في القرية أو المنطقة التي يقطنون فيها، ويعتقدون أنهم سيحققون أحلامهم في الخرطوم، وبالتالي ينتقلون إلى العاصمة ويعملون في أعمال هامشية. الأمر الذي سبب ضغطاً على الخدمات في الخرطوم، من حيث التعليم والصحة والأمن“.

افتقار الريف للتنمية هو أحد أسباب الهجرة الداخلية، إضافة إلى الحروب والنزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. فبعد أكثر من 12 سنة من العنف في دارفور، أصبح اليوم 370 ألفاً من سكان دارفور لاجئين في مخيمات في شرقي تشاد. ومع استقلال جنوب السودان، أصبح الكثير من السودانيين الذين فروا إلى المنطقة الجنوبية السابقة لاجئين. وتتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد هذه المجموعة إلى 245 ألف و500 في عام 2015. هذا ويفر الناس كذلك من جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث حمل الجيش الشعبي السلاح ضد الحكومة السودانية سنة 2011.

سالفا جيما ألكاري واحدة من أولئك الذين تمكنوا من الفرار. مشت ألكاري لأكثر من أسبوع من قريتها إلى الحدود مع جنوب السودان بحثاً عن الأمان. ”جئنا من منطقة تسمى ورني، فررنا بسبب الحرب المستمرة والاعتقالات والجوع الذي يواجهه الناس“.

واضطر العديد من السودانيين إلى ترك منازلهم، ولكنهم لم يكونوا راغبين أو قادرين على عبور حدود دولية. ويقدر أن 3،1 مليون شخص هم نازحون داخلياً في السودان، من مجموع السكان البالغ عددهم 37 مليوناً. في عام 2011، كان السودان ثاني بلد من حيث عدد السكان النازحين داخلياً في العالم بعد كولومبيا.

وفي نفس الوقت، ينتهي كثير من سكان دارفور الذين فروا من الصراع في مخيمات متناثرة في أنحاء دارفور، خصوصاً عاصمة جنوب دارفور نيالا، التي ارتفع عدد سكانها لتصبح ثاني أكبر مدينة سودانية، بعد العاصمة المثلثة التي تحتل المرتبة الأولى. عمر صالح مواطن سوداني ينحدر من غرب البلاد هاجر موطنه الأصلي في إحدى قرى دارفور، وجاء مع أبنائه إلى الخرطوم في عام 2005. يقول عمر إن ”الحرب أثرت على مستوى الخدمة في المنطقة، وبالتالي كان لزاماً علينا أن نبحث عن الخدمات سواء تعليمية أو صحية، لذلك تركنا مناطقنا واستقرينا في العاصمة”.

السودان قبلة لكثيرين من بلدان مجاورة مثل أثيوبيا وإريتريا ومصر. ويبلغ عدد الأجانب في البلاد أربعة ملايين شخص، وفقاً لورقة علمية أعدها خليل عبد الله أستاذ بجامعة النيلين في 18 مارس/آذار 2014. وحسب نفس الورقة، فإن ”40 في المائة من سكان ولاية الخرطوم أجانب، بينهم 60 ألفاً مقيمون بطريقة غير شرعية“. بعض هؤلاء فروا من العنف، بما في ذلك أكثر من 150 ألف جنوب سوداني فروا بعد اندلاع القتال في ديسمبر/كانون أول 2013. آخرون جاؤوا إلى السودان بحثاً عن حياة أفضل مثل توفيق منير، أثيوبي يعمل مراسلاً في إحدى المؤسسات في السودان. يقول منير إن قدومه كان بهدف البحث عن فرص عمل أفضل لأن بلاده ”لا توفر له وظيفة يستطيع أن يجني منها دخلاً يوفر له عيشاً كريماً“.

ولدى السودان مجموعة ثالثة مهمة في حركة دائمة. هؤلاء هم الرعاة الذين يتنقلون من مكان إلى آخر وفقاً لتغيرات فصول السنة وبحثاً عن الماء والكلأ لماشيتهم.

أظهرت دراسة من سنة 2012 قام بها عدد من الباحثين في جامعة توفت في بوسطن دور الرعي في الاقتصاد السوداني: ”الثروة الحيوانية من حيث القيمة أكبر قطاعات اقتصاد السودان المحلي، أكبر حتى من النفط.“

ولكن هذه الجماعات الرعوية تضررت بشدة من التحديات الاجتماعية والبيئية الحديثة، مثل الحصول على المياه والمراعي أو التشريعات بشأن ملكية الأرض. وقد أدى ذلك إلى صراعات كثيرة بينهم وبين الفلاحين وأصحاب الأراضي. وما هذا إلا مثال واحد على مشاكل القرن الواحد والعشرين التي يواجهها مهاجرو السودان التقليديون.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.