الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

محمّد ماسح الأحذية - حياة تنهض من أنقاض الحرب

عبد الرحمن إبراهيم
تعجُّ شوارع الأسواق بمدن دارفور بأطفال صغار السن يعملون كملمعي الأحذية، المهنة المعروفة على نطاق واسع في السودان بـ ’الورنيش‘.  
28.10.2015  |  نيالا، السودان
أطفال يعملون في مسح الأحذية‫، أغسطس 2015. (الصورة: النيلان | عبد الرحمن إبراهيم)
أطفال يعملون في مسح الأحذية‫، أغسطس 2015. (الصورة: النيلان | عبد الرحمن إبراهيم)

نزحتْ أسرة الطفل محمد عبد الله، الذي يبلغ من العمر 15 سنة، من منطقة ياسين بولاية شرق دارفور سنة 2004، بعد أنْ تعرضت المنطقة لهجوم مسلح توفي على إثره والده. ويحكي محمد قصة الهروب التي دبرتها والدتهم إلى مخيم ’كلمة‘ للنازحين الواقع شرقي نيالا، وهو أكبر المخيمات للنازحين في دارفور. 

فقدان والدي كان له أكبر الأثر في أن أتولى مسئولية نفسي وأسرتي. 
محمد عبد الله 

اللافت أنَّ أسرة محمد المكوّنة من الأم وستة من الأشقاء اضطرت للنزوح مرة من داخل معسكر ’كلمة‘الذي يبعد من نيالا 15 كلم شرقا إلى داخل المدينة إبّان الأحداث التي شهدها المعسكر بين المكونات القبلية داخله سنة 2008، مما دفع بالحكومة إلى تخطيط مخطط سكني كامل للفارين من الصراع الذي راح ضحيته وقتها أكثر من 40 شخص. استقر المقام بمن فر في مخطط أطلق عليه مخطط ’الوالي‘ جنوب نيالا. 

استقرار أفراد أسرة محمد في مخطط الوالي آنذاك كان معناه أنهم أصبحوا مواطنين يحسبون على سكان مدينة نيالا، فخرجوا بذلك من دائرة المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات كخدمات الإيواء أو الكساء أو الغذاء. هكذا اختلت الحياة من جديد وأصبحوا غير قادرين على توفير مستلزماتهم اليومية.

كانت الأم تعمل في منازل نيالا، وتعود في المساء حاملة نقوداً بسيطة لا تكفيها لشراء الأغراض والمستلزمات البيتية أو حتى توفير وجبتين لأبنائها فضلاً عن إدخالهم المدارس. 

يقول محمد أنَّ شقيقه الأكبر سافر إلى ليبيا وله شقيق آخر في الخرطوم .محمد وباقية أشقائه ظلوا مع والدتهم يصارعون في كسب لقمة عيشهم من عرق جبينهم. ”فقدان والدي كان له أكبر الأثر في أن أتولى مسئولية نفسي وأسرتي“ يقول محمد.  

من هنا بدأت قصته مع مهنة مسح الأحذية حيث كان محمد يدرس بالفترة الصباحية بالمدرسة ويذهب في نهاية اليوم لمزاولة مهنته في مسح وتلميع الأحذية.

أنت مفتكرني ’شماشي‘ (متشرد) دون أي مسؤلية. 
محمد عبد الله 

يجلس محمد مع مجموعة من الأطفال في سوق نيالا. استمعت بعناية لقصة كل واحد منهم بعد أنْ استأذنوا مني الذهاب معهم لأداء فريضة الصلاة ودعوني لاحتساء كوب من الشاي. حدثوني عن ظروفهم الصعبة ، والتي رغمها يريد محمد مواصلة دارسته حتى يصبح مهندسا. 

سألت محمد وأنا أشير إلى النقود التي جمعها: ”يا ترى اين تذهب هذه؟“ رد: ”أنت مفتكرني ’شماشي‘ (متشرد) دون أي مسؤلية“.

بعد عودته من المدرسة، يحمل محمد صندوق أدوات العمل متجهاً نحو السوق برفقة عدد من الأطفال يقطنون معه في ذات المخطط. ”أقوم بمسح الحذاء مقابل 2 جنيه سوداني (ما يعادل أقلَّ من سنت دولار أمريكي واحد)، وأتحصل في نهاية اليوم مبلغ قدره 30 جنيه (مايعادل 2.7 دولار أمريكي).“ ومن هذه الحصيلة يعطي منها 75 في المئة لوالدته حتى تتكفل بمصروفات المنزل. 

جمعت محمد علاقة حميمة مع بعض زملائه في المهنة من أبناء النازحين الذين يبحثون عن لقمة عيشهم بعرق جبينهم ويضيف انهم يلتقون يومياً في مواقف المواصلات لتبادل التحايا وتفقد أحوال بعضهم البعض، ومن ثم ينطلقون للعمل داخل السوق فى شكل مجموعات. 

لكثير من هؤلاء الأطفال قصص مختلفة ومتباينة مع ظروف الحياة التي دفعت بهم للعمل بهذه المهنة وهم في سن أحوج ما يكونون فيها لتلقي العلم بالمدارس. معادلة صعبة جداً جعلتهم يمتهنون الورنيش للحصول على لقمة العيش.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.