الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

السودان و السودان الجنوبي ... حرب بأوراق نقدية!

ماهر أبو جوخ
‫ الخرطوم - ماهي تداعيات طرح العملتين الجديدتين في كل من السودان و السودان الجنوبي على الدولتين و اقتصادهما؟‬
20.07.2011
(من اليمين الى اليسار) العملة المشتركة، عملة الجنوب الجديدة، عملة الشمال الجديدة.
(من اليمين الى اليسار) العملة المشتركة، عملة الجنوب الجديدة، عملة الشمال الجديدة.

بدأ كل من السودان وجنوب السودان كل عبر بنكه المركزي رسمياً بطرح عملتهما الجديدة بعد إعلان جمهورية جنوب السودان استقلالها بعشرة أيام. هذه الخطوة وإن دلت على اكتمال الولادة إلَّا أنها تجر خلفها ذيولا اقتصادية قد تحمل تشوهات للدولة الوليدة وتتمثل بالكتلة النقدية من العملة السودانية السابقة.

التداعيات المرتبطة بتبديل العملة المشتركة رسمت مؤشرات واضحة تشير إلى أن الطرفين، ورغم العبارات المنمقة التي تبادلاها خلال الأيام الماضية، أكان في احتفال الانفصال بجوبا أو جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي اعتمدت عضوية جمهورية جنوب السودان في المنظمة الدولية، تناقض افعالهما أقوالهما بإنتهاجهما للأسلوب الأكثر نعومة والاكثر إيلاماً باستهدافهما، ومنذ البداية، لاقتصاد االطرف الثاني باعتبار أن المال هو عصب حياة الشطرين.

اعتماد خيار تبديل العملات لا يعتبر أمراً مفاجئاً، وإنما جاء ضمن حرب الاستنزاف الاقتصادية التي اندلعت بينهما خلف الكواليس طيلة الشهور الماضية.

اعتماد خيار تبديل العملات لا يعتبر أمراً مفاجئاً، وإنما جاء ضمن حرب الاستنزاف الاقتصادية التي اندلعت بينهما خلف الكواليس طيلة الشهور الماضية، وبدأت ملامحها تلوح في الافق بشكل واضح وجلي عقب جولة مفاوضات أديس أبابا الخاصة بمناقشة قضايا ما قبل الاستفتاء التي عقدها الشريكان حول ملف النفط.
 
المفاوضات بين التعاون واللا تعاون

 خلال تلك المفاوضات قدمت هيئة المفوضين العليا التابعة للاتحاد الإفريقي التي يترأسها الرئيس الجنوب إفريقي السابق ثابو امبيكي والخبير النرويجي مقترحاً للطرفين بالاتفاق على فترة مالية انتقالية يقدم خلالها الجنوب كميات متناقصة لبعض سنوات من البترول للسودان لمواجهة الفجوة التي ستحدث بتوقف كميات النفط المنتجة في الجنوب.

طبقاً لذلك فكلما انخفض نصيب الشمال من إيرادات بترول الجنوب سنوياً يزداد نصيبه من رسوم استخدام الجنوب للمنشآت النفطية، أما الجنوب فكلما زادت إيراداته النفطية فإن الكلفة التشغيلية نظير استخدامه المنشآت النفطية سترتفع.

عملة السودان قبل اتفاق السلام الشامل. © Mozgulek

 رحب الجانب السوداني المفاوض بأديس أبابا بمقترحات الورقة باعتبارها تقلل من الآثار الاقتصادية التي ستنجم عن فقدان الإيردات النفطية نتيجة للاستقلال الجنوب، إلا أن المقترح اصطدم برفض الطرف الثاني الذي طالب بتثبيت الحقوق الخاصة بكل طرف، حيث أقرت الخرطوم بحق الجنوب وملكيته للحقول النفطية الواقعة جنوب حدود الأول من يناير 1956.

 وأظهرت النقاشات التي دارت بين الطرفين لاحقاً، جانب من الاستراتيجية التفاوضية التي اتبعها الجنوب عندما حاول مفاوضيه اعتبار بنيات النفط الواقعة في الشمال ‪-‬ والتي تتضمن خطوط الانابيب والمصافي- جزءاً من الأصول الحكومية التي يفترض اقتسامها بين الشطرين، لكن الجانب السوداني قطع عليهم الطريق بإعتبار أنها ينطبق عليها ذات حكم الموجودة في الحدود الجغرافية لكل شطر تعتبر ضمن ملكيته‪،‬ وهو الأمر الذي بدأ منطقياً بالنسبة للوسطاء ومتسقاً مع منهج اللا تعاون.

توصل الخرطوم وجوبا لاستمرار استخدام العملة السودانية  بشكل مؤقت لحين إحلال عملة جديدة للدولة الوليدة لفترة انتقالية لا تقل عن ستة أشهر.إستمرار العملة

 يعرض تقرير قدمه وزير الدولة في رئاسة الجمهورية ادريس عبد القادر إلى البرلمان في مايو الماضي لسير مفاوضات الشريكين حول القضايا العالقة بأديس أبابا. ويشير إلى توصل الخرطوم وجوبا لاستمرار استخدام العملة السودانية  بشكل مؤقت لحين إحلال عملة جديدة للدولة الوليدة لفترة انتقالية لا تقل عن ستة أشهر.

لكن التقرير لفت إلى عدم اتفاقهما على الجزئية الخاصة بتعويضات قيمة العملة التي سيتم سحبها من الجنوب بعد انتهاء فترة تداولها، حيث ترى الحكومة السودانية أن قيمتها إسمية، بينما تطالب حكومة الجنوب باستبدال قيمتها بالعملة الحرة.
 
حرب الاستنزاف

النتيجة الأساسية التي خلص إليها الجانبان، عقب انتهاء جولتهما الخاصة بالنفط وبقية القضايا الاقتصادية بعد تحليل مواقف الطرف الثاني، أن المعطيات تشير لعدم إمكانية إقرار منهج قائم على أساس التعاون بينهما، لذلك فقد شرعا في انتهاج سياسات اقتصادية ضد الطرف الأخر.

استغل الجنوب ورقة النفط وخاطب السودان بعدم أحقيته في تسويق نفطه بعد التاسع من يوليو، وإمكانية مقاضاته دولياً وشروعه في تأسيس شركة لتسويق نفطه، كما  قام رئيسه سلفاكير ميارديت بزيارة لكينيا تمحورت مباحثاتها حول إنشاء ميناء لتصدير النفط.

الهدف الأساسي والعاجل لزيارة سالفا كير لكينيا كان كسر ما اعتبرته جوبا حرباً اقتصادية تشنها الخرطوم

الهدف الأساسي والعاجل لتلك الزيارة كان كسر ما اعتبرته جوبا حرباً اقتصادية تشنها الخرطوم تهدف لمنع دخول أي واردات من الشمال للجنوب ‪-‬ خاصة المواد الغذائية -  عبر النقل الجوي أو البري بهدف زيادة الضغوط الاقتصادية على الجنوب.

السودان نفسه استخدم ورقة النفط لكن من زاوية أخرى‪،‬ حينما أعلن رفضه السماح بتصدير نفط الجنوب عبر الشمال إلا بعد أخذ نصيبه وحقوقه من استخدام منشآته النفطية. لكن الموقف الأبرز ورد في خطاب لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير أمام حشد جماهيري بولاية البحر الأحمر حينما حدد ثلاث خيارات للجنوب لاستخدام منشآته النفطية فإما استمرار المناصفة في الإيرادات أو دفع قيمة الترحيل عن كل برميل أو إغلاق الخط نهائياً.

لكل عملة وجهان

 لا يمكن التحقق بشكل حاسم وعلى وجه الدقة أي الفريقين كان المبادر بترتيب تغيير العملة، سيما أن لكل منهما دوافعه الذاتية ‪-‬ في سياق حرب الاستنزاف الاقتصادية - التي تجعله يخطط لتنفيذ هذه الخطوة.

أبرز المبررات التي اوردها الجنوب لقراره بتغيير عملته هو حاجته لسد الفجوة المالية الناشئة عن عدم إيفاء الخرطوم بسداد مستحقاته المالية طيلة الشهرين الماضيين، وهو أمر يظهر أن المواجهة بين الشطرين كانت حامية وساخنة، لكن الأمر الثابت أن الترتيبات الخاصة بإصدار عملة الجنوب لم تكن مفاجئة وإنما هي خطوة معدة منذ فترة طويلة.

خطوة الاستقلال الاقتصادي تأتي معززة لعملية الاستقلال السياسي.

لذا تبدو جوبا هي الأكثر رغبة في تنفيذ خطوة تبديل العملة لسبب أساسي وهو أن تلك الخطوة تتيح لجنوب السودان الخروج من مدار الاقتصاد المشترك الذي تهمين عليه الخرطوم، مما يحرمها من انتهاج سياسات نقدية مرنة وهو ما يجعل استقلالها السياسي يفتقد شقا مهما، يتمثل في استمرار التبعية الاقتصادية، ولذلك فإن خطوة الاستقلال الاقتصادي تأتي معززة لعملية الاستقلال السياسي.

الجزئية الثانية المهمة للجنوب من استبداله للعملة المشتركة بعملة خاصة به، تتمثل في أن هذه الخطوة تمكنه من توفير احتياطات من العملة المحلية ‪-‬ دون الحاجة لجاره الشمالي - وتغطية إلتزاماته المحلية‪،‬ سيما في ما يتصل بتغطية مستحقات المرتبات ومشروعات التنمية ‪-‬ التي تحتاجها الدولة الوليدة- التي يتم تنفيذها من قبل الشركات الوطنية أو السودانية بالعملة المحلية.

عملة السودان قبل اتفاق السلام الشامل. © Mozgulek

العلى الضفة الأخرى السودان، ومن خلال سيناريو خوض الشطرين لحرب اقتصادية في ما بينهما، لديه هدف من عملية تحويل العملة باعتبار أن تلك الخطوة ستربك اقتصاد الجنوب، وستتيح له في حال استمرار العمل بالعملة المشتركة سحب وامتصاص كل الكتلة النقدية الموجودة في الجنوب، والتحكم فيها عند ضخها مجدداً وهو ما سيمكنه من خنق الجنوب اقتصادياً عبر ممارسة ضغط مؤلم وربما مميت رغم نعومة الأصابع.

مصير الكتلة النقدية

حسب تقديرات بنك السودان المركزي فإن الكتلة النقدية من العملة المشتركة المتداولة بالجنوب تتجاوز مبلغ ملياري جنيه سوداني، أي ما يعادل أكثر من 700 مليون دولار أمريكي- ولعل التساؤل الرئيسي بات محصوراً حول مستقبل تلك الكتلة النقدية.

يعتقد البعض أن قرار الخرطوم تغيير عملتها خلال فترة تتراوح ما بين الشهر والثلاثة أشهر يهدف في المقام الأول لزيادة خسائر الجنوب، باعتبار أن نظامها الاقتصادي يتحلى بالمرونة التي تمكنه من سحب وإحلال الكتلة النقدية القديمة المتداولة بشكل سلس خلال تلك الفترة، على عكس الجنوب الذي سيكون مجابه بتحدى إضافي خلاف إحلال عملته الجديدة بإمتصاص العملة القديمة ومن ثم التفاوض مع الخرطوم للاتفاق على كيفية تعويضها.

يبدو أن الجنوب سيواجه صعوبات كبيرة حيال أي محاولات لإدخال الكتلة النقدية من العملة المشتركة ضمن اقتصاد السودان على شكل سلع وبضائع.

 يبدو أن الجنوب سيواجه صعوبات كبيرة حيال أي محاولات لإدخال الكتلة النقدية من العملة المشتركة ضمن اقتصاد السودان على شكل سلع وبضائع وإدخالها للجنوب لاسترداد قيمتها يبدو غير وارد بسبب -ما تعتبره- الحصار الاقتصادي المفروض عليها من الخرطوم.

هذه المعطيات قد تدفع جوبا ‪-‬ في حال زهدها بالتفاوض مع الخرطوم حول مصير تلك الكتلة النقدية - إلى اللجوء لعدة سيناريوهات وبدائل ‪-‬ تحتوي على قدر عال من المجازفة - للإفلات من كمين تغيير العملة المشتركة.
النقطة المهمة تنحصر في أن نجاح تلك البدائل وجدواها تعتمد في مجملها‪-‬ بشكل أو بآخر - على نجاحها في إدخال كل أو جل تلك الكتلة النقدية من العملة المشتركة للسودان، ثم تليها الخطوة الثانية بتذويب تلك الكتلة النقدية داخل الاقتصاد السوداني من خلال شراء (عملات حرة، معادن نفيسة، عقارات) وفي حال شراء سلع فيتم تصديرها لمحطة أخرى غير الجنوب بقصد بيعها والحصول على قيمتها كعملات حرة.

اللجوء لتلك المحاولات قد تنطوي على درجة مخاطرة عالية، إذ يمكن للجهات الأمنية والاقتصادية السودانية اكتشافها أو وضع التدابير التي قد تمكنها من التعامل معها، وبالتالي إحباطها ومصادرة تلك الأموال، وهو ما قد يترتب عليه زيادة خسائر الجنوب، مما يجعل جوبا تفكر في وسائل أفضل وأقل خطورة تمكنها من الاستفادة من قيمة تلك الكتلة النقدية.

عملة السودان بعد اتفاق السلام الشامل (2006). ©  Mattnic

هل تصبح العملة بلا قيمة ؟

يشير أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم د.محمد الجاك "أن حكومة الجنوب من المفترض أن تسلم كل الكتلة النقدية من الموجودة بطرفها من عملة الدولة الموحدة لديها للسودان". واضاف في تعليقه لـ(السوداني) "ولعدم حدوث ذلك فإن السلطات النقدية في السودان قامت بتغيير العملة وبالتالي استبدال كل الكتلة النقدية الموجودة في الشمال والجنوب"، وأردف: "تبعاً لذلك تصبح الكتلة النقدية من تلك العملة الموجودة بالجنوب بلا قيمة".

 ونوه الجاك إلى "أن قيام السلطات النقدية في الجنوب بعدم تسليم تلك العملة ‪-‬ في حال إستمرار العمل بها دون تغيير -  كان سيترتب عليه العديد من التداعيات الإقتصادية على السودان، لعل أبرزها زيادة الأسعار وارتفاع معدلات كل من التضخم والفائدة بجانب التأثير على الاستثمارات في الشمال". واردف: "لذلك كان لابد للسلطات النقدية في الشمال من طباعة عملة جديدة تختلف عن المواصفات، وشمل ذلك حتى الاستغناء عن فئة الجنيه الواحد الورقية واستبدالها بعملة معدنية".

 وقال الجاك "أن مطالبة الجنوب باستبدال الكتلة النقدية الموجودة بطرفه بعملة حرة يهدف في المقام الأول لدعم احتياطاته من النقد الأجنبي الذي يبدأ من الصفر، باعتباره دولة مستقلة حديثاً" واضاف:"بالمنطق العادي لا يمكن للشمال أن يستبدل لهم كتلتهم النقدية تلك بعملة حرة لكون ذلك يعني منح الجنوب جزءاً من احتياطاته من النقد الأجنبي، وبالنسبة للجنوب فإن الجنوب قادر على توفير احتياطات من النقد الأجنبي سواء كان ذلك من موارده الخاصة عبر عائدات النفط أو من خلال ما يتم تقديمه له من الجهات الخارجية سواء كانت في شكل قروض او منح سيما أن العديد من الدول لديها رغبة في مساعدته".

"مطلب الجنوب تعجيزي أكثر من كونه مطلب سليم".
د.محمد الجاك

وأعرب عن اعتقاده "أن مطلب الجنوب تعجيزي أكثر من كونه مطلب سليم، ويمكن أن يقبلوا قيمتها بالعملة المحلية طالما أنه لا يوجد تغيير في قيمة الجنية السوداني في الشمال والجنوب".

 

عملة السودان الجنوبي الجديدة. صورالأمم المتحدة \\ اسحاق بيلي

من جهة ثانية أوضح الجاك أن القانون الدولي والتبادلات الاقتصادية الدولية تجعل موقف الجنوب في ما يتصل بمطالبته بتعويضه عن كتلته النقدية من العملة السابقة بعملة حرة يبدو "ضعيفاً" وعزا هذا الأمر لأن احتياطات العملات الحرة في الوضع الراهن تعد ملكاً لدولة السودان وليست لدولة الجنوب المستقلة عنه وأضاف:"ولذلك طالما أن السلطات النقدية في السودان قد طبعت عملة معادلة لسابقتها فإن جنوب السودان ليس بمقدروه فعل شيء، ومن الناحية القانونية لا يوجد ما يستوجب تدخل المؤسسات النقدية العالمية".

طالب الجاك الجنوب عند إعادة تلك الكتلة النقدية للسودان بانتهاج خيار "التوافق" بالبحث عن مقترحات بديلة، كما لم يستبعد في ذات الوقت إمكانية قبول الشمال منحهم جانب من تلك الكتلة النقدية المحلية بالعملة الحرة كـ(مديونية) سيما أن جنوب السودان سيكون لديه العديد من الخيارات لتكوين احتياطي من النقد الاجنبي لعل أبرزها الإيرادات البترولية... وعليهم البحث على التوافق والوصول لحلول مقبولة للطرفين".

بالضغط أم بالتوافق؟

 سيبقي السؤال المطروح والذي سيحتاج للإجابة عليه هو مدى قدرة الشطرين في التعامل مع هذه الأزمة. صحيح أن البعض يراهن على أن المصالح والمال يساعدان على تجنب المشكلات ولكنهم ربما ينسون في أحيان عديدة أن ذات المصالح والأموال فتحت الباب امام الحروب والصراعات فمثلما يقول المثل: وراء كل عظيم إمرأة، سنجد أن وراء كل حرب أو صراع أموال ومصالح.

فكيف سيكون حل أزمة العملة القديمة وسبل استبدالها؟

لكل عملة وجهان، ولكل دواء فوائد ومضاعفات جانبية. قرار استخدام عملات جديدة اعتبره البعض دواءً ولكن مضاعفاته الجانبية تنذر بمرض أو معضلة جديدة، الاستئصال يعني الخسارة والعلاج يتطلب مقاربة مختلفة.

عملتان جديدتان للسودان بدولتيه ولكن للعملتين وجه واحد على ما يبدو وهو وجه متأزم.