الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

السودان: انفصال الجنوب يضع الشمال بمواجهة الشريعة الإسلامية!

شادية سيد أحمد
\'الضرورات تبيح المحظورات\' شعار يرفعه وزير المالية السوداني أمام البرلمان لتبرير مبدأ القروض الربوية، رغم مخالفتها للشريعة الإسلامية، على أنها السبيل الوحيد المتاح للتنمية بعد إعلان استقلال دولة الجنوب.
4.06.2011
صراف آلي في شارع البلدية، الخرطوم.
صراف آلي في شارع البلدية، الخرطوم.

على غير العادة‪،‬ خرج وزير المالية في الحكومة السودانية علي محمود على البرلمان هذه المرة مؤيدا سياسة القروض. في ما يبدو انه الاثر الاقتصادي لانفصال الجنوب الذي دفع الشمال إلى الاعتراف بحقيقة الوضع القادم ومحاولة رسم خارطة طريق جديدة تساعد على عبور نفق الإنهيار أو 'الصدمة' كما أسماها محافظ البنك المركزي السابق دكتور صابر محمد الحسن. وبحسب وزير المالية فإن الاقتصاد السوداني "سيعاني من فجوة عقب التاسع من يوليو". في إشارة إلى تهديد حكومة الجنوب لوزارة المالية بعدم التصرف ببرميل واحد من النفط عقب التاسع من يوليو، مهددة باللجوء إلى المحاكم في حال حدوث ذلك. فكان لا مفر لحكومة  الخرطوم بحسب محمود من اللجوء الى سياسة القروض الربوية المخالفة للنهج الاسلامي الذي تبنته الدولة في التعامل المصرفي.


علي محمود، وزير المالية في الحكومة السودانية.

واندلع سجال داخل البرلمان بسبب ثلاثة قروض ربوية مقدمة من لجنة الشؤون المالية والاقتصادية، تتصل باتفاقيات قروض تمويلية لمشروع مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت بين السودان والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية‪.‬ الاتفاقية الثانية لنفس المشروع كانت مع الصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والاجتماعي الذي سيمنح الحكومة السودانية أيضا  قرضا للمساهمة في تمويل مشروع مطار الخرطوم الجديد. وانقسم نواب البرلمان بين مؤيد ومعارض لهذه الاتفاقيات.

وقال رئيس المجلس الوطني مولانا أحمد إبراهيم الطاهر "نقر بحرمة الربا وأن العلماء يرون أن قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' طبقت من قبل لرفع الضرر، وأصبحت الضرورة التي تعارف عليها العلماء هي ضرورة حفظ النفس من الهلاك، وقياساً على ذلك ضرورة حفظ الدولة من الهلاك في أن تتعامل مع الربا إن لم تجد غيره، خاصة المجالات التي ليست في قدرة الدولة.."

وأضاف "إذا رأت وزارة المالية ضرورة ذلك لتقوية بنية الدولة تكون مباحة، ومن هذا المدخل كان سد مروي وغيره، ويجب أن يتأكد المجلس الوطني من ذلك قبل أن يعمل على إجازتها"، معتبراً أن ذلك "ليس من باب استباحة الربا، ولكن من باب قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات'".


أحمد ابراهيم الطاهر، رئيس المجلس الوطني السوداني.

وقال الطاهر "نحن مسؤولون أمام الله والشعب في دولة تقوم على الكتاب والسنة، والآن نحن أمام اختبار بين أن نعمل رأينا في الضرورة لهذه القروض أو أن نعيد النظر فيها مرة أخرى". وأضاف "حتى يطمئن المجلس، نوجه اللجنة المختصة بإقامة جلسة سماع تضم أعضاء البرلمان والعلماء وأهل الشأن، والتعرف على كيفية التعامل مع الربا، وأن يسأل النواب أنفسهم إذا أغلقنا هذا الباب ما هي النتائج وتكون هناك موازنة بين هذا وذاك".

ورد النائب دفع الله حسب الرسول بالقول "لا توجد جريمة أعلن الله ورسوله عليها الحرب إلا الربا، وتفويض وزارة المالية لتحديد الضرورة جانبه الصواب، وأن وزير المالية يضع في ذهنه الشريعة الإسلامية، فماذا لو جاءنا وزير للمالية غير مسلم". وأضاف "لدينا مجمع فقه إسلامي يجب أن يحدد ذلك" ودعا البرلمان لعدم الوقوف مع هذه القروض، وزاد "إذا أجازه البرلمان بالإجماع أو حتى الثلث فهذا عيب عليه".

ولكن العضو علي أبرسي قال "إن البنوك الإسلامية في السودان تتقاضى فوائد ربحية ما بين 10-12% على القروض، وهذه القروض فوائدها لا تتعدى الـ(2%)، وإذا تحدثنا بهذه اللغة سوف نعمل على تعطيل التنمية خاصة وأن السودان محاصر وليس أمامه سوى هذه الصناديق. نحن ضد الربا، ولكن لإقامة مشروعات تنموية ليس لنا سبيل سوى التعامل مع هذه المؤسسات التي تتعامل بطرق غير إسلامية، ونقف مع إجازة هذه القروض". وأيده في ذلك العضو يوسف موسى مؤكداً حاجة السودان لهذه القروض، وقال "لا يستقيم الوضع دون هذه القروض التي لا تستقر الموازنة دونها، وندعو لمزيد من القروض".

"إن التعامل وفق قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' وإجازة هذه المشروعات لا تحلل الربا".
الزبير أحمد الحسن

ومن جانبه قال الزبير أحمد الحسن "إن التعامل وفق قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' وإجازة هذه المشروعات لا تحلل الربا"، مشيراً الى "أن الربا حرام والمرابحة حلال".

وشدد الزبير على "ضرورة مراجعة أحكام الضرورة في الدولة من وقت لآخر". وقال "يجب علينا أن نقلل القروض قدر المستطاع وإلا يستدين السودان أكثر من قدراته".

"وأبرئ ذمتي أمام الله وأقول إن هناك ضرورة لهذه القروض".
علي محمود

من جهته أكد وزير المالية علي محمود حرمة الربا، معتبراً "أن الأزمة المالية العالمية نتاج التعاملات الربوية"، وقال "نحن محكومون بالتعامل الخارجي، أن سد مروي ممول بذات الصيغ الربوية".

كما أضاف الوزير: "إن كهربة المشاريع الزراعية والتوسع في الزراعة يحتاج لإقامة هذه السدود، وهي ضرورة، لجأنا لهذا النوع من القروض للضرورة، وإيقاف مثل هذه القروض يترتب عليه الكثير ما قد يصل الى حد إيقاف الحياة، الزراعة، الصناعة، الكهرباء، المستشفيات وإنارة المساجد وغير ذلك".

و قد أعلن علي محمود عن استعداده لعرض الآثار المترتبة على إيقاف مثل هذا النوع من القروض لأعضاء البرلمان، خاصة وأن السودان سواجه بعد 9/7 فجوات كبيرة في الاقتصاد، وأضاف "وأبرئ ذمتي أمام الله وأقول إن هناك ضرورة لهذه القروض".وإذ لفت إلى الجهود المبذولة للحصول على قروض تمويلية بالصيغ الإسلامية، قال "أن الخيارات محدودة وهي البنك الإسلامي جدة".

إلى ذلك أكد البروفيسور إبراهيم أحمد عمر، مستشار الرئيس السوداني و رئيس قطاع الفكر والثقافة في حزب المؤتمر الوطني، أنه "لا يوجد شك في أن الجميع متفقون على حرمة الربا". وقال "إن تقدير الضرورة مهم ويجب ألا يكون لدى وزير المالية ولا حتى مجلس الوزراء، والقضية أكبر من ذلك أين دور العلماء، وأن تكون هناك رقابة شرعية على وزارة المالية، وأن يكون هناك مجال لقول العلماء في هذه القضية".وحول قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' استنكر الاعتماد على فتوى سابقة. وقال "إن ذلك لن يفيد، ويجب أن تكون هناك فتوى جديدة".

يجب "إنشاء رقابة شرعية على وزارة المالية وإعادة النظر بما يجري في البنوك".
إبراهيم أحمد عمر

وأوضح أن كل المبررات التي صيغت غير مقنعة، خاصة التعميم الذي ذكره وزير المالية حول أثر إيقاف هذه القروض. وطالب البرلمان بـ"دعوة الحكومة لإنشاء رقابة شرعية على وزارة المالية وإعادة النظر بما يجري في البنوك"، واصفاً المقارنة التي تمت بين فوائد البنوك الإسلامية في السودان وفوائد هذه القروض بغير الصحيحة.

مع بداية مرحلة دولة الجنوب، يبدو السودان عند مفترق طرق خطير، ولاسيما اقتصادياً، مع انحسار الموارد وتزايد الحاجة الملحة لمشاريع تنموية وإعمارية. فهل تفتح الحكومة باباً جديداً على المجهول باعتماد فتوى 'الضرورات تبيح المحظورات' في مجتمع إسلامي محافظ؟ أم ينجح المعارضون لهذا التوجه ليبقى السودان بلا تنمية أو مشاريع؟ سؤال يبقى برسم القادم من الأيام...