الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الشمال يقف أمام تحدي ايجاد بديل للنفط بعد انفصال الجنوب

ماهر أبو جوخ
اعتبر المحلل السياسي ابراهيم ميرغني أن الزراعة هي السند الرئيسي لاقتصاد الشمال حتي لو استخرج البترول، ونادي بانتهاج الدولة لفكر جديد يستوعب المتغيرات السياسية الحالية.
30.03.2011
الزراعة بالقرب من الفاشر، شمال دارفور
الزراعة بالقرب من الفاشر، شمال دارفور

يجد شمال السودان نفسه بعد اختيار مواطني جنوب السودان للاستقلال في استفتاء يناير 2011م نفسه في مجابهة العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالقدر ذاته فإن دولة الجنوب المستقلة نفسها ستجد نفسها أيضاً أمام العديد من التحديات لعل ابرزها الملف الاقتصادي بإيجاد بديل لحالة الاعتماد على النفط –تشير التقديرات بأنه يمثل أكثر من 90% من إجمالي إيرادات حكومة الجنوب- سيما مع تزايد الحاجة لتحريك اقتصاد الجنوب بشكل يتيح لقطاعات المجتمع الجنوبي في الدورة الاقتصادية وهو ما يستوجب الاعتماد على الشقين الزراعي والحيواني الذي يعمل فيه جل سكان جنوب السودان.

التحدي الاقتصادي

القطن الزراعة في حلفا الجديدة - صورة الأمم المتحدة /  ماتيولي

دولة الشمال ستجابه تحديا شبيها بالتحدي الذي يجابهه الجنوب نظراً لاعتماد الميزانية العامة للدولة على الإيرادات النفط بشكل كبير الذي يمثل بدوره العنصر الأساسي لتوفير احتياطات النقد الأجنبي لشمال السودان.صحيح أن الشمال الذي سيفقد جانب من إيرادات البترول لصالح الجنوب وهو ما يزيد الصعوبات التي سيواجهها مقارنة بالجنوب الذي سيحصل على كل عائدات النفط، إلا أن الشمال يمتاز بوجود بنية اقتصادية تعتبر افضل حالاً من نظيرتها بالجنوب الذي يفتقد البنية التحتية للاقتصاد، مما سيسهل عليه مهمة إيجاد بدائل اقتصادية للنفط، وتوظيف عوائده لمهام بناء الدولة الجديدة ومؤسستها.

ويتوقع البعض أن يتعاطى الشمال مع المعطيات الاقتصادية بعد الانفصال لتعويض فقدان الجزء الأكبر من عائدات البترول من خلال معالجات مرحلية وأخرى بعيدة المدى. أما المرحلية فهي العمل في مجال الاستكشافات النفطية بالشمال التي تشير التقديرات الرسمية بتوفره بكميات كبيرة، كما تم مؤخراً اللجوء للذهب كأحد مصادر الإيرادات الأساسية بالميزانية.

"السودان ظل يدير حياته بدون بترول"
المحلل السياسي ابراهيم ميرغني

القطاعان الزراعي والحيواني من أهم البدائل

ويوجد اتفاق عام على أن المخرج الاقتصادي الأساسي والرئيسي للشمال هو الاعتماد على الشقين الزراعي والحيواني لعدة اعتبارات اولها توفر كل المقومات التي تبشر بتحقيق إنتاجية كبيرة في المجالين الزراعي والحيواني أما ثانيهما فهو وجود نسبة كبيرة من السودانيين عاملين في هذين القطاعيين وينعكس انتعاشهما بشكل مباشر على الغالبية العظمى من الشعب السوداني.

ونجد أن الشمال دخل في صناعات مرتبطة بالزراعة من بنيها إنتاج الايثانول والذي يعتبر بمثابة وقود صديق للبيئة وتحبذ العديد من الدول المساندة لدعاوى ومطالب الحفاظ على البيئة اللجوء إليه كوقود بديل للنفط. وبالإضافة إلى الإيجابيات التي ذكرت أعلاه فإن العمل في الشقين الزراعي والصناعي يوفران مورد صديق للبيئة ولا تترتب عليه أضرار بيئية مقارنة بإنتاج البترول الذي يؤثر على بيئة المناطق التي يتم استخراجها منها.

"الزراعة هي السند الرئيسي للشمال"

صورة : يكيبيديا ، الموسوعة الحرة

من ناحيته وافق المحلل السياسي البرفسور ابراهيم ميرغني في تعليقه لصحيفة ـ(السوداني) على أهمية قطاع الزراعة، واعتبر أن السودان ظل يدير حياته بدون بترول وحينما تم استخراجه في عهد الإنقاذ تم إهمال المداخيل الأخرى وعلى رأسها الزراعة، بالإضافة لتواجده في مناطق متنازع عليها مستدلاً بمحاولات ضم بعض المناطق الواقعة بالجنوب للشمال خلال حكم الرئيس السابق جعفر نميري، وهو ما قاد لاندلاع الحرب مجدداً وإنهاء اتفاقية اديس ابابا، ومضي لأكثر من ذلك حينما اعتبره –اي البترول- هو السبب الأساسي والرئيسي الذي أغرى الحركة الشعبية لتبني خيار الانفصال باعتباره يمثل مصدرا دخل لدولتهم الوليدة ويمكنهم من تحقيق التنمية التي عجز الشمال عن تحقيقها.

وشدد على أن الزراعة هي السند الرئيسي للشمال حتي لو استخرج البترول مبيناً أنه يضم اكبر مشروع في العالم في وقت يشهد العالم فيه ندرة في الغذاء وأزمات حتي أن الجميع من غير السودانيين يستغربون عن كيفية الحديث عن أزمة غذائية في العالم أو بالسودان الذي يمتلك هذا المشرع. ورغماً عن ترحيبه بإنشاء سدود وخزانات إضافية كسد مروي وغيرها ولكن أشار لأهمية إيلاء الاهتمام والأولوية لتطوير الخزانات الموجودة وأضاف:"لو أن الحكومة دعمت المشاريع الزراعية في الجزيرة والقضارف والرهد وجبال النوبة وغيرها واهتمت بالثروة الحيوانية لأمكنها تحقيق أحلام وتطلعات السودانيين". وأبدى تخوفه من أن يؤدي تدنى مستوي المعيشة والأوضاع الاقتصادية لانهيار السلطة المركزية إذا دخل السودانيين بالشمال في حالة اقتتال جراء الغذاء مما سيخلق فوضي واضطرابات.

ضرورة تحريك القطاع الصناعي

لمزيد من المعلومات إقرأ : "كساوي: إذا ذهب بترول الجنوب فهناك بدائل حاضـــــرة"

من بين البدائل المتوقعة الأخرى على المستوى الاقتصادي للشمال هو تحريك قطاع الصناعة التي ستستفيد بشكل أساسي من أي توجهات تعيد الزراعة والإنتاج الحيواني للصدارة مجدداً. إذ يوفر هذين القطاعين المواد الخام للقطاع الصناعي مع وجود خيار الولوج لمجال الصناعات الثقيلة في مجالات صناعات الطائرات والسيارات والآليات للاستخدام المحلى وتصديرها، هذا بالطبع يستوجب أهمية إصلاح ظروف عمل الصناعة المحلية ومساعدتها من قبل الحكومة بتقليل تكلفاتها عبر خفض الرسوم والضرائب.

"على حاجة الشمال لنظام سياسي يعترف بالتعددية ويستوعب كل القوى السياسية"
المحلل السياسي ابراهيم ميرغني

فكر جديد

غير أن المحلل السياسي البرفسور ابراهيم ميرغني لفت الانتباه إلى تحديات سياسية  أمام شمال السودان بعد الانفصال وتنعكس على الملف الاقتصادي، ونوه لارتباط الخيار الاقتصادي بالتوجه السياسي باعتبار أن الأول تابع للثاني، مشدداً على حاجة الشمال لنظام سياسي يعترف بالتعددية ويستوعب كل القوى السياسية بالتوافق على حد أدنى هي خطوط حمراء، ويتيح لها التنافس الحر الشريف في ما بينها داخله وطرحها لبرامجها سواء كانت إسلامية أو إشتراكية أو غيرها وترك الحكم والاختيار للشعب، موضحاً أن قيمة النظام السياسي هو الاستجابة لتطلعات الشعب مشيراً إلي أن عدم استجابة النظام السياسي لتلك التطلعات ولجوئه لأدوات القمع ستفشل على المدى المتوسط.

واعتبر المحلل السياسي أن آبرز التحديات التي تواجه شمال السودان بعد الانفصال يتتمثل في تعليق القضايا العالقة مع الجنوب (كأبيي، الديون، البترول ...الخ) وترحيلها لما بعد الاستفتاء باعتبارها ستقود الشمال لكارثة، أما التحدي الثاني فهو "تقديم الدولة الناشئة بالجنوب لمساعدات للمعارضة بدارفور أو تغذية حالة التململ بجنوب كردفان والنيل الازرق"، بالإضافة إلى ما أسماه "تطابق توجهات ومشاريع بالداخل مع أخرى قادمة من الخارج تسعى لتفتيت وتفكيك خارطة السودان حيث يمكن أن تختلف تلك التوجهات في تفاصيلها ولكنها تتفق في جوهرها والمتمثل في إعادة تشكيل خارطة السودان ورسمها”.

كما واعتبر ميرغني أن الحاجة الملحة الآن هو انتهاج الدولة لتفكير وأطروحات جديدة تستوعب تلك المتغيرات وأهمية تطوير النظام السياسي وليس عودته للمربعات القديمة باعتبار أن تلك الخطوة تعكس حالة تراجع وسير نحو الموت باعتبار أن النظام السياسي يطور نفسه من خلال مقدرته على التعبير عن المواطنين وتطلعاتهم.

إذاً فدولة الشمال ستكون في حال انفصال الجنوب المرجح حدوثه دولة جديدة في مواجهة تحديات راهنة ولن يكون امامها سوى خيار واحد للبقاء والاستمرار وهو عبور تلك التحديات صوب الضفة الثانية وصناعة مستقبلها.