الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

كيف السبيل إلى تغيير النظام السياسي في السودان بعد إنفصال الجنوب؟

آدم أبكر علي
من الضروري أن يحدث التغيير في النظام السياسي بعدما تهيأت كل الفرص أمام التغيير. فهل يقبل الإنقاذ بالتغيير سلمياً ؟ أم المحافظة على السلطة ومغرياتها تجعلهم يعودون إلى الوراء وتنفيذ مقولتهم :أتينا للسلطة بالبندقية…
25.07.2011
انفصال السودان الجنوبي و استقالاله الرسمي يحتم على السودان احداث تغيير سياسي جذري.
انفصال السودان الجنوبي و استقالاله الرسمي يحتم على السودان احداث تغيير سياسي جذري.

قد يتساءل المرء هل هناك ثمة ضرورة لتغيير النظام السياسي في البلاد بعد إنفصال الجنوب عن السودان؟ وكيف يتم هذا التغيير؟ هل يتم ذلك بواسطة القوة العسكرية والاستيلاء على السلطة أم بواسطة التداول السلمي للسلطة؟ وهل الهدف من هذا التغييرهو إحداث تغيير في الوجوه والأشخاص والأحزاب السياسية ؟

تردي الأوضاع المعيشية في البلاد إضافة الى الغلاء والندرة، جميعها،  كانت من أقوى مبررات الانقاذ من أجل تصويغ الإستيلاء على السلطة فى الثلاثين من يونيو 1989.

للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من الرجوع إلى الدوافع التي تجعل من المطالبة بالتغيير أمراً  ضرورياً لاخلاف حوله، فبالرجوع إلى الشعارات الأولى التى رفعها \'الإنقاذ\' عندما وصل إلى السلطة، عبر إنقلاب عسكري و من أهم  الأسباب التى برر بها مشروعية هذا الانقلاب هو تردي الأوضاع المعيشية في البلاد إضافة الى الغلاء والندرة، جميعها،  كانت من أقوى مبررات الانقاذ من أجل تصويغ الإستيلاء على السلطة فى الثلاثين من يونيو 1989.

و بالمقابل كانت أولى الشعارات للإنقاذ هي \'نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع\' إلى جانب بعض الشعارات المرتبطة بالجانب الروحي مثل \'هى لله هى لله\'... فطيلة هذه المدة التي جاوزت العشرون سنة لم يتحسن الوضع المعيشي للشعب السوداني ولم يتحقق الشعار \'نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع\' إلا في حدود شملت فئات بعينها من أفراد المجتمع السوداني وهم من الذين لهم علاقة وطيدة بالإنقاذ، وأصبح غالبية أبناء الشعب السوداني يعانون من الفقر والفاقة والجوع والمرض إلى جانب الضرائب التى تزيد من معاناتهم .

وبالرغم من هذا ما زال \'الإنقاذ\' يصر على أنه نقل البلاد إلى مصاف الدول المتطورة، وبعد عشرين عاماً من الانقلاب، الرئيس عمر البشير فى حديث  نشر في صحيفة الحرة في العدد 29 \\ 2 يونيو 2009 قال ان \"الإنقاذ منعت سقوط السودان كله بيد التمرد، الإنقاذ وضعت السودان على منصة الإنطلاق ووفرت مقومات الدولة العظيمة، وأرست قاعدة الحكم الراشد، والتبادل السلمي للسلطة\".

وزاد: \"في عقدين من الزمن ووسط مقاطعة وحصار وحروب واستهداف إستطعنا أن نعبر ببلادنا من الدائرة المفرغة، ونضع سوداننا على منصة الإنطلاق للآفاق الأرحب، فكل مقومات الدولة العظيمة قد توافرت أركانها ... ثورة التعليم العالي... ثورة الإتصالات... شبكات الطرق والجسور واستخراج البترول وبناء السدود وتوفير الطاقة الكهربائية وتحقيق السلام وإرساء قاعدة الحكم الراشد والتبادل السلمي للسلطة والصناعات الثقيلة والتصنيع الحربي وبناء جيش وشرطة وأمن قادر على حماية البلاد والعباد\".

من الناحية الفعلية لم يحدث تغييراً في حياة المواطن نحو الأفضل، بل  جاءت النتائج عكسية، فالمشهد الذي يتراءى للجميع هوأن الذين استفادوا من هذه الإنجازات هم شريحة محددة

هذا تكلم الرئيس،  لكن من الناحية الفعلية لم يحدث تغييراً في حياة المواطن نحو الأفضل، بل  جاءت النتائج عكسية، فالمشهد الذي يتراءى للجميع هوأن الذين استفادوا من هذه الإنجازات هم شريحة محددة من الذين تطاولوا فى البنيان، واقتنوا السيارات الفارهة.

ويقول عبد الحليم عبد الرزاق موظف بالتعليم: \"التعليم اليوم أصبح الحصول عليه، بدفع دم القلب، والعلاج كذلك وحتى لقمة العيش أصبحت بعد خراج الروح\". ويضيف \"اما في مجال البحث عن العمل في دواوين الدولة فالوضع أصبح مقروناً بالتزكية معياراً للقبول في وظيفة من الوظائف، وقد خرجت معايير الكفاءة من الحسابات المعمول بها في كل دول العالم\".

ويوافق أحد المواطنين ويدعى عبد النبي خليل ما جاء على لسان عبد الرزاق قائلاً: \"صورة الواقع المعيشي في السودان قبل إنقلاب 30 يونيو 1989، لم تكن مرضية لكنها لا تعطي الحق بالإنقلاب على نظام إختاره الشعب السوداني، إضافة إلى أن تردي الوضع المعيشي قد ساهمت فيه عوامل عديدة منها التركة الثقيلة التي خلَّفها نظام مايو، إلى جانب محدودية الموارد.\"

وتابع خليل حديثه قائلا: \"بعد إستخراج النفط استبشر الناس كثيراً، وظنوا أن بلادهم  أصبحت من الدول البترولية، التى يحس فيها المواطن بالرفاهية ورغد العيش، لكن الوضع لدينا أصبح مقلوباً رأساً على عقب، وبدلاً من توظيف أموال البترول في الزراعة وظفت في مشاريع أخرى، لا تخدم المواطن في شيْ.

وحتى مشروع الجزيرة الذي كان له الفضل في تعليم كل أبناء السودان الذين تتراوح أعمارهم من 30 سنة حتى المئة سنة، عبثت به الأقدار فى ظل ثورة الإنقاذ وأصبح يواجه ما يواجهه المواطن السوداني من فقر وإفقار، وهنا تحطم الجزء الأول من شعار الإنقاذ، وبموت مشروع الجزيرة مات شعار \'نأكل مما نزرع\'\".

وأضاف خليل: \"قبل مجيء الإنقاذ كانت الصناعات النسيجية في السودان متطورة وكان مصنع النسيج السوداني وحده يشغل أكثر من 25 ألف عامل، إلى جانب مصنع الخرطوم للغزل والنسيج - النسيج الياباني - ومصنع الصداقة بالحصاحيصا، جميع هذه المصانع أصبحت الآن فى خبر كان وهنا تحطم الجزء الآخر من شعار الانقاذ الأول \'نلبس مما نصنع\'\".

هل يقبل الإنقاذ بالتغييرسلمياً؟ ام المحافظة على السلطة ومغرياتها تجعلهم يعودون الى الوراء وتنفيذ مقولتهم: أتينا للسلطة بالبندقية ومن يريد أن يأخذها فبالبندقية؟

فإذا كانت الشعارات هى وسيلة الإنقاذ من أجل الإستيلاء على السلطة، فها هي الآن قد تحطمت على أرض الواقع. ومن الضروري أن يحدث التغيير فى النظام السياسي بعدما تهيأت كل الفرص أمام التغيير. فهل يقبل الإنقاذ بالتغييرسلمياً؟ ام المحافظة على السلطة ومغرياتها تجعلهم يعودون الى الوراء وتنفيذ مقولتهم: أتينا للسلطة بالبندقية ومن يريد أن يأخذها فبالبندقية؟

تغيرت الأوضاع في أفريقيا والعديد من دول العالم وأصبح من الصعب جداً الإعتراف بأي نظام يأتي عبر الإنقلاب، وازدادت نزعة الدول الى التغيير الديمقراطي الذي يأتي عبر صناديق الإقتراع، لتنهي سيطرة الحزب الواحد الذي يصور نفسه الصادق الأمين والقوي والمخلص أكثر من الآخرين.

تغيير النظام السياسي سلمياً أصبح ضرورة من الضرورات بعد عجز النظام عن تنفيذ شعاراته التى جاء بها وبعد أن وصل التردي المعيشي إلى كل بيت في السودان وأرهقت النفقات الزائدة كاهل كل مواطن سوداني.

التغيير السلمي للسلطة ميزة تمتاز بها الشعوب المتحضرة والقيادات الواعية التي تفضل مصالح الدولة العليا على مصالحها الشخصية الضيقة، وفي هذا قال أحد الذين كان لهم شرف مشاهدة التغيير السلمي للسلطة في السودان فى عهود الديمقراطية المجيدة... \"كنا صغاراً نركض خلف العربات التي تقوم بعمليات الدعاية الانتخابية للمرشحين من كل الأحزاب السودانية، ولم نشعر وقتها بالتهديدات مثل التي بدأت تظهر الآن حتى من قبل بدء العملية الإنتخابية\".

تلك هي الميزة التي ميزت القوى السياسية فى السودان . فهل تظل هذه الميزة كما كانت أم أننا موعودون بممارسات جديدة لم تكن معروفة لدى الكثيرين؟

موجبات التغيير السلمي للنظام السياسي أصبحت متوفرة الآن أكثر من أي وقت مضى، والمصلحة الوطنية تقتضي العمل الجاد من أجل إحداث هذا التغيير. ولأن تحسن الأوضاع المعيشية مرهون بإعادة الحقوق إلى أصحابها من الذين جربوا حظهم خلال العشرين سنة الماضية، وما زالت الأزمات تتوالى داخلياً وخارجياً في مشهد قد يقود إلى إنفراط عقد الدولة السودانية، نتيجة تغليب الرأي الواحد في مجال السياسة، والتهميش في مجال التنمية والعمران، والمحسوبية والاعتبارات الأخرى فى مجالات التوظيف والعمل، والتمييز والإستعلاء في الشارع العام...

آن الآوان للعمل من أجل تغيير النظام السياسي، بكل مفاهيمه وهياكله بنظام سياسي آخر لا يميز ولا يفرق ولا يضطهد ولا ينظر للآخر نظرة إستعلائية.