الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

آثار ’هبة سبتمبر‘ على السودان

ماهر أبو جوخ
الخرطوم - انقضى عام على اندلاع التظاهرات الشعبية في السودان الرافضة للقرارات الاقتصادية الحكومية والتي اشتهرت باسم ’هبة سبتمبر‘. فهل اندثرت آثار ’هبة سبتمبر‘ أم لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم؟
5.11.2014
باصات تعرضت للحرق أثناء مظاهرات سبتمبر، 25 سبتمبر، 2013.
باصات تعرضت للحرق أثناء مظاهرات سبتمبر، 25 سبتمبر، 2013.

قد يبدو للبعض أن تلك التظاهرات الشعبية، التي جرت فصولها في شهر سبتمبر 2013 قد غابت عن الذاكرة السودانية لأنها لم تفزر عن إطاحة النظام.

اعتُبرت مظاهرات سبتمبر 2013 أصعب التحديات التي جابهها الرئيس السوداني المشير عمر البشير منذ استيلائه على السلطة في أواخر يونيو 1989، حيث أنها اختلفت عن التظاهرات الأخرى خلال سنواته حكمه. كان مركز المظاهرات الأساسي هو الجامعات والكليات، دون أن تنتقل للمدن والأحياء كما حدث في التظاهرات الطلابية خلال شهر سبتمبر عامي 1995 و1996.

اختلفت مظاهرات سبتمبر 2013 في أن نقطة انطلاقها كان الشارع، وظلت الأحياء والمناطقة السكنية مركزها حتى النهاية.
 
لم يترتب عن تظاهرات سبتمبر 2013 إسقاط الحكومة أو إزاحة الرئيس عمر البشير عن الحكم، مثلما حدث في تجربتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، واللتان أنهيتا حكم الفريق إبراهيم عبود والمشير جعفر نميري على التوالي، أو أسوة بتجربتي الثورتين التونسية والمصرية قبل عدة أعوام واللتان أنهيتا حكم الرئيسيين التونسي زين العابدين بن علي والمصري محمد حسني مبارك. لكن هذا لا يعني أن آثار مظاهرات سبتمبر اندثرت.  

في ما يتصل بتأثيراتها على البنية الداخلية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، نجد ان تلك مظاهرات سبتمبر 2013 تسببت في إسراع تفاعلاته الداخلية بين أطرافه المتصارعة داخلياً، مثلا بين قيادة الحزب ومجموعة الإصلاحيين الذين يقودهم د. غازي صلاح الدين حينما أصدر الإصلاحيون مذكرة لقيادة الحزب اعترضوا فيها على السياسات الاقتصادية وطريقة تعاطي الحكومة وتعاملها العنيف مع التظاهرات السلمية. هذا أدى لتشكيل لجنة لمحاسبتهم وانتهى الامر بخروج تلك المجموعة عن الحزب وتكوينها لحزب جديد باسم ’الإصلاح الآن’.
 
على الصعيد الاجتماعي والسياسي فإن التعامل العنيف مع المتظاهرين الذي تسبب في سقوط أعداد من الضحايا بالعاصمة ومناطق وسط البلاد، وهي مناطق تعتبر مساندة للحكومة والحرب الحاكم نظراً لانحدارهم منها، أدى لإفراز مجموعات جديدة من السودانيين الغاضبين والحانقين على الحكومة، بسبب ما اعتبروه عنفا مفرطا في التعامل مع المتظاهرين وتحميلهم الحكومة مسؤولية مقتل أبنائهم.

لعل خطوة هذا التحول بالنسبة للحكومة والحزب الحاكم يتمحور في التصور السائد لقاطني تلك المناطق، بوصفهم المدافعين عنهم في مواجهة الحركات المسلحة المعارضة، التي ينحدر معظم منسوبيها من مجموعات غير عربية.
 
من جهة المتظاهرين، معظمهم كانوا تلاميذ في المستوى الثانوي أو خريجين لم يجدوا فرصاً للعمل. تولى هذا الجيل الجديد تنظيم وقيادة تلك التظاهرات الشعبية.

ورغم أن السمة الغالبة لتلك المجموعات الشبابية الجديدة هي بعدهم عن الانتماء للأحزاب السياسية الموجودة حالياً، ولكنهم في ذات الوقت باتوا يمثلون رصيداً إضافياً كمعارضين للحكومة، وهذا يمثل في حد ذاته مهددا أمنيا إضافيا.
 
تبقي أبرز الآثار المترتبة على تظاهرات سبتمبر الماضية هي المتصلة بإرجاء الحكومة تطبيق الحزمة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تسبب بداية تنفيذه في تفجر تلك الاحتجاجات وتوصُل الحكومة لقناعة بضرورة إكمال عملية الإصلاح الاقتصادي بتحقيق إجماع سياسي.

لا يمكن للاقتصاد ان يتعافى في ظل استمرار الحروب والنزاعات المسلحة وحالة الاحتقان السياسي. في ذات الوقت، لا يمكن فرض إجراءات اقتصادية بشكل قسري وإجباري دون تفهم المجتمع لدوافعها والقناعة بقدرة نتائجها على تحقيق وضع أفضل.
 
رغم تعثر عملية الحوار السياسي التي أعلن عنها البشير بداية العام الحالي بسبب الشكوك وعدم ثقة المعارضة بالحكومة، تبقى النقطة الأهم التي أفرزتها تظاهرات سبتمبر هي تأكيدها على ضرورة استصحاب النخب السياسية الحاكمة والمعارضة معا في أي تسوية قادمة.

ظل ديدن التسويات السياسية السابقة في البلاد مقتصراً بشكل أساسي على المحصصات بين الأطراف المتصارعة مع ضعف التركيز في تلك الاتفاقيات على الجوانب المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الخدمات.

بالتالي فإن مقدرة منهج التسويات الفوقي السابق، بين الأطراف الحاكمة والمعارضة بشقيها المدني والمسلح، غير كافية، حيث يلزم استصحاب هذا المنهج بتحسين حياة المواطنين، لأن الشعب سيعبر عن احتجاجه وإحباطه في المرات القادمة في الشوارع.
 
لم تقتصر آثار تظاهرات سبتمبر داخلياً فقط ولكن أثرت على صورة الحكومة في الخارج خاصة في مجال حقوق الإنسان سيما التعامل العنيف للغاية ضد المتظاهرين.

صحيح ان السودان احبط خلال اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر الماضي مساعي نقل حالته من البند العاشر الخاص ’بالمساعدات الفنية والتقنية‘ إلى البند الرابع الخاص بـ ’الدول أكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان‘، إلا أن صيغة بيان الاجتماع حول أوضاع حقوق الإنسان الصادرة عن الاجتماع حملت مضامين البند الرابع ووجه انتقادات عنيفة للحكومة مع وجود تركيز على العنف الذي تعرض له المتظاهرون ومطالبته بالإسراع في إعلان نتائج لجنة التحقيق الحكومية حول العنف ضد المتظاهرين.
   
تحفل التجربة السياسية السودانية بعدد من النماذج التي فشلت في تحقيق هدفها النهائي ولكنها تركت آثار ترتبت عليها تحولات سياسية كبيرة، كغزو المعارضة لعاصمة البلاد والهجوم المسلح عليها بغرض إسقاط الحكومة في عامي 1976 و2008.

فبعد 1976 اقتنع نميري بضرورة الحوار والمصالحة مع المعارضة والتي عرفت باسم المصالحة الوطنية. وبعد 2008 بدأت مفاوضات مباشرة بين الحكومة وحركة العدل والمساواة في العاصمة القطرية الدوحة بعدما كانت الحكومة رافضة لأي تفاوض مع الحركات المعارضة.