الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

مراكز القوة في السودان بعد التعديل الحكومي

ماهر أبو جوخ
الخرطوم - التعديلات التي أعلن عنها الرئيس السوداني داخل الحكومة السودانية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم لها عدة نتائج منها تعزيز نفوذ الرئيس، وربما تغيير وجه وسياسة السودان بصورة جذرية.
21.12.2013
الرئيس السوداني عمر البشير أعلن عن تغييرات في الحكومة والحزب وصفت بالأوسع منذ توليه للحكم.
الرئيس السوداني عمر البشير أعلن عن تغييرات في الحكومة والحزب وصفت بالأوسع منذ توليه للحكم.

أعلن الرئيس السوداني المشير عمر البشير في الأسبوع الأول من ديسمبر 2013 تغييرات داخل الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وتعد هي أوسع تعديلات ينفذها البشير في الطاقم الحاكم منذ وصوله للسلطة في يونيو 1989.

أفضى التعديل الوزاري لإبعاد عدد من الوجوه التي كان ينظر لها باعتبارها مراكز للقوة والنفوذ السياسي والاقتصادي والأمنيتختلف التعديلات الأخيرة عن التعديلات السابقة التي تم إجرائها طيلة سنوات حكم البشير لشمولها على موقعي نائبي الرئيس مقارنة بالتعديلات السابقة التي كانت تقتصر على الحقائب الوزارية للوزراء ووزراء الدولة.

وبموجب تلك التعديلات تم إعفاء علي عثمان محمد طه من موقعه كنائب أول للرئيس وعين بديلاً له وزير الرئاسة الفريق أول ركن بكري حسن صالح.

أما وزير الحكم الاتحادي السابق د. حسبو محمد عبد الرحمن فخلف نائب الرئيس السابق د. الحاج آدم يوسف في منصبه الدستوري بمؤسسة الرئاسة. بجانب ذلك تم تعين البروفسور إبراهيم غندور مساعداً للرئيس بديلاً لدكتور نافع علي نافع، وخلف الأول الثاني أيضاً في موقعه الحزبي نائباً لرئيس الحزب لشؤون الحزبية.
 
أفضى التعديل الوزاري لإبعاد عدد من الوجوه التي كان ينظر لها باعتبارها مراكز للقوة والنفوذ السياسي والاقتصادي والأمني منذ بداية القرن الحالي داخل الأجهزة الحكومية والحزبية أبرزهم وزير النفط د. عوض الجاز، المشرف على التنظيم العسكري الذي نفذ انقلاب البشير في يونيو 1989، والذي ظل يتقلد مواقع وزارية دون انقطاع منذ العام 1991 وحتى إعفائه.

تم كذلك إعفاء وزيري الري والسدود المهندس أسامة عبد الله والمعادن كمال عبد اللطيف وإبعاد رئيس البرلمان أحمد إبراهيم الطاهر الذي ظل يتقلد هذا الموقع منذ العام 2000 وتعين رئيس لجنة العمل د. الفاتح عز الدين بديلاً له.

فقد كل من طه ونافع موقعهما كنواب للبشير في الحزب الذي كان يتيح لهما الإمساك بكل الخيوطمن الملاحظات التي استوقفت المراقبين أن تلك التعديلات لم تكن مقتصرة على المستوي الحكومي ولكنها شملت القيادة العليا للحزب الحاكم.

فقد كل من طه ونافع موقعهما كنواب للبشير في الحزب الذي كان يتيح لهما الإمساك بكل الخيوط داخل الأجهزة الرسمية الاتحادية والولائية للحكومة والحزب وعلى رأسها تعين القيادات التنفيذية والتشريعية والحزبية على المستويين الاتحادي والولائي. 

كان هذا قد منح الرجلين مقدارا كبيرا من النفوذ والتأثير داخل الحكومة والحزب وجعلهما مؤثرين بشكل كبير في رسم السياسات العامة للبلاد واتخاذ القرارات فيها.    
 
أما الملاحظة الثانية المرتبطة بتلك التعديلات فهي فقدان جميع القيادات التي تم إبعادها من مواقعها الحكومية والحزبية لموقعها في القيادة العليا بتنظيم الحركة الإسلامية الذي يرأسه البشير – وهو تنظيم ينضوي داخله المنتمين للجبهة الإسلامية الموجودين داخل المؤتمر الوطني الذين خططوا لانقلاب البشير في يونيو 1989 – بشكل أوتوماتيكي.

كانت القيادات المبعدة الآن يتقلد مناصبها العليا في الجبهة الإسلامية بحكم مواقعهم الحكومية أو الحزبية.

يأتي هذا بالتزامن مع تمدد نفوذ النائب الأول صالح داخل الجبهة الإسلامية عقب انتخابه في موقع الرجل الثالث فيها نائباً لأمينها العام، بعد رئيسها عمر البشير وأمينها العام الزبير أحمد الحسن.
 
بشكل عملي فإن تلك القيادات التي تم إعفائها، والتي كان ينظر لها بوصفها مراكز قوة سياسية واقتصادية وأمنية تنامت واستحوذت على مقاليد الأمور في إعقاب إبعادها للأب الروحي للإسلاميين د.حسن الترابي في العام 2000، قد فقدت جزءا كبيرا من نفوذها عقب إبعادها عن دائرة التأثير على مستوى الأجهزة الرسمية أو الحزبية وسيترتب على ذلك تراجع أدوارهم في المسرح السياسي.
 
تعيين البشير لنائب أول له ينتمي للجيش سيترتب عليه تقوية دور المؤسسة العسكرية في تصريف وإدارة شؤون البلاد ويعيد هيمنتهم مجدداً على القيادة العليا بعد تراجعها بحل المجلس العسكري للضباط الذين شاركوا في إيصال البشير للسلطة في أكتوبر 1993.
 
من بين القضايا التي ستظهر نتائجها مستقبلاً ترتبط باستمرار نفوذ الإسلاميين داخل الحزب الحاكم الذين ظلوا مراكز القوة الرئيسي والمحوري داخل نسيج النظام الذي أسسه البشير طيلة سنوات حكمه استناداً لدورهم في تخطيط وتنفيذ الانقلاب العسكري الذي أوصله للسلطة في يونيو 1989، إذ ظلوا يهيمنون على تصريف الأمور داخل الدولة والحزب.

خلاصة التركيبة الجديدة لمؤسسات الحكم وحزب المؤتمر الوطني وتنظيم الحركة الإسلامية ستعزز نفوذ البشيرفالقاسم المشترك المجموعة التي تم إبعادها مؤخراً أنهم يمثلون الجناح الأقوى للإسلاميين في مؤسسات الحكومة والحزب الحاكم مع ضرورة عدم إغفال تزامن تلك التعديلات مع إبعاد مجموعة أخرى من الإسلاميين من الحزب الحاكم ممثلين في قيادات التيار الإصلاحي بقيادة د.غازي صلاح الدين وتشكيلهم لحركة جديدة باسم ’الإصلاح الآن‘ وهو ما سيجعل وضعية الإسلاميين ودورهم في تصريف شؤون البلاد مستقبلاً محاطا بمقدار كبير من الغموض.
 
خلاصة التركيبة الجديدة لمؤسسات الحكم وحزب المؤتمر الوطني وتنظيم الحركة الإسلامية ستعزز نفوذ البشير بجعل جميع الأجهزة الرسمية والحزبية خاضعة له بشكل مباشر، مما سيمكنه من تحقيق عدة أهداف.

من أبرز هذه الأهداف طرح نفسه كمرشح مجدداً في انتخابات الرئاسة القادمة أو اختيار بديل له، والذي يرجح أن يكون نائبه الأول الحالي. هذا السيناريو يبدو واضحا عقب إزاحة وإبعاد كل منافسه المحتملين.

الاحتمال الثاني هو أن تدفع هذه التغيرات إلى تسوية سياسية مع المعارضتين المدنية والمسلحة، وتشكيل حكومة قومية انتقالية برئاسة البشير أو صالح قبل الانتخابات، الشيء الذي كان من الصعب الوصول إليه مسبقا، لأن مراكز القوة السابقة داخل الحكومة والحزب كانت حريصة على تمسكها بمصالحها ونفوذها الذي اكتسبته منذ استحواذها وهيمنتها على الأوضاع في بداية القرن الحالي.