الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

دارفور ‪-‬ سنوات من التفاوض ومازال المصير مجهولاً

آدم أبكر علي
الخرطوم - عوامل شد وجذب ما زالت تدور بين الحكومة السودانية و إحدى حركات دارفور، حركة التحرير و العدالة، التي تتفاوض من أجل الوصول إلى حلول جذرية تنهي أزمة دارفور وتفتح طريقاً جديداً أمام الجميع لدخول  العملية…
6.12.2012
سوق في دارفور، 24 أكتوبر 2010. سكان دارفور هم من يعاني من الازمة من عنف وقلة للموارد وضعف للبنايات التحتية.
سوق في دارفور، 24 أكتوبر 2010. سكان دارفور هم من يعاني من الازمة من عنف وقلة للموارد وضعف للبنايات التحتية.

لإنهاء أزمة دارفور، وقعت العديد من الاتفاقيات بين الحكومة السودانية والحركات الدارفورية، ولكن في نهاية الأمر دون تحقيق الغرض المنشود.

البداية كانت بالاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه في العاصمة القطرية، الدوحة، في فبراير 2010 ، بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، لكنه لم يجد القبول، بدلالة رفض الحركات الدارفورية الاعتراف بما تم توقيعه بين الحكومة وحركة العدل والمساواة.

يذكر أن حركة العدل والمساواة قد قدمت شرطاً يقضي بتأجيل الانتخابات في دارفور وبعدها تنازلت عن هذا الشرط، لأن الحكومة السودانية أبدت اعتراضاً عليه. وكان هذا الشرط أولى نقاط الخلاف بين الحكومة وحركة العدل والمساواة بعد توقيعهم للاتفاق الإطاري.

والنقطة الثانية للخلاف ما بين الطرفين الموقعين هو رفض حركة العدل والمساواة أن تتفاوض الحكومة السودانية مع بقية الحركات الدارفورية التي توحدت في حركة التحرير والعدالة في فبرابر 2010 ، وهو نفس الشهر الذي وقعت فيه الحكومة السودانية الاتفاق الاطاري مع حركة العدل والمساواة.

ووقعت الحكومة اتفاقاً إطارياً جديداً مع التحرير والعدالة لإلحاقهم بالعملية السلمية في دارفور.

وفي شهر مارس 2010، بدأت المفاوضات بين التحرير والعدالة والحكومة السودانية، وحينها قال رئيس الحركة، الدكتور التجاني السيسي أن حركته لن تتفاوض على المناصب بل من أجل معالجة جذور أزمة دارفور ووصف السيسي موقف حركة العدل والمساواة بالإقصائي وأنها تحاول إلغاء نضالات الآخرين.  

وقال رئيس حركة العدل والمساواة الذي لقي حتفه في ديسمبر 2011، خليل إبراهيم، في وقت سابق وعقب توقيع الحكومة للاتفاق الإطاري معهم: ”إذا أرادت الحكومة أن تفقدنا إلى الأبد فلتمضي في عقد اتفاق آخر مع الحركات الدارفورية.“

ووصفهم وقتها بالتلاليس والتلبس هو العريان الخالي من أي لباس، أي أنه شبه بقية الحركات بالعراة الذين لا يملكون أي شيء، مقللاً من شأنهم وقدراتهم على فعل أي شيء في الصراع الدارفوري.

وهذا التقليل هو ما جعل الحركات الدارفورية الأخرى تتمسك بمواقفها المناهضة للاتفاق الإطاري.

وكان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: في ظل مثل هذه التجاذبات، هل يتوقع المرء انفراجا في جدار الأزمة الدارفورية؟ أم تسير الأوضاع من جديد باتجاه الأزمة الشاملة؟

كانت حركة العدل والمساواة تريد أن تفرض نفسها في دارفور مستندة في ذلك على وجودها العسكري والذي برز خلال محاولتها الدخول إلى العاصمة القومية، الخرطوم، في مايو 2008 وأصبحت أول حركة مسلحة تتمكن من الوصل الى ولاية الخرطوم بعد عهود من التمرد على الحكومة المركزية في السودان من قبل حركات متمردة في مختلف ربوع السودان.

والمعركة التي دارت بين العدل  المساواة والجيش والشرطة واشتهرت ب’معركة امدرمان‘، وهي أكبر مدينة في ولاية الخرطوم، استمرت ثلاثة ايام وراح ضحيتها أكثر من 200 شخص.

وتلك المحاولة جعلت الحركة اكثر قوة وجعلتها لا تنظر إلى الحركات الدارفورية المسلحة الأخرى.

ومن جانب آخر، انعدمت لغة التفاهم بين حركات دارفور وحركة العدل والمساواة. وبالتالي، تشعبت طرق الوصول إلى توافق بينهما باتجاه الحل الشامل الذي يرجوه المجتمع الدارفوري بأكمله.

المراقب للخطاب السياسي لدى كل الحركات الدارفورية يجد أن هدفهم هو تحقيق الأمن والاستقرار وإحداث التنمية في ربوع دارفور. والحكومة أيضاً تقول أنها تريد فرض الأمن والاستقرار وخلق بيئة صالحة من أجل التنمية في دارفور.

لكن المتتبع للشأن الدارفوري يقرأ من وراء هذه الخطب السياسية أشياء وأشياء، منها ما يرتبط ارتباطاً مباشراً بشهوة الوصول إلى كراسي السلطة لغير الجالسين عليها، ومن أجل الحفاظ على هذه الكراسي للجالسين عليها.

والسؤال الملح هنا هو: لماذا لا تتوحد حركات دارفور في حركة واحدة طالما هدفهم الأساسي هو إنسان دارفور كما يزعمون، أليس في تشرذمهم ضعفاً للقضية الدارفورية؟

الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هو أن حركات دارفور بتشرذمها أضرت بقضية دارفور ضرراً بليغاً حيث صعبت من فرص الوصول إلى حل ناجح يخفف من معاناة مواطني دارفور.

وبالرجوع إلى اتفاق أبوجا الذي وقع في مايو 2006 بين مني مناوي، قائد حركة/جيش تحرير السودان والحكومة السودانية كمثال للاتفاقات التي تمت ما بين الحكومة وحركات دارفور، نجد أنها لم تقدم للقضية الدارفورية مثقال ذرة من الحل وطواه النسيان تماماً. 

في البدء كان موقعو أبوجا يأملون بأن يكون اتفاقهم أساساً لأي اتفاق لاحق. وأتى الاتفاق الإطاري الذي دفن اتفاق أبوجا وشيعه إلى مثواه الأخير.

ولم يمض كثير من الوقت حتى لحق الاتفاق الإطاري باتفاق أبوجا.

الحكومة جاءت إليها الفرصة في طبق من ذهب بعد أن نجح الوسطاء في إقناع حركة التحرير والعدالة لكي توقع مع الحكومة اتفاقات إطارية وفعلاً دخلت معها في مفاوضات. واستفادت الحكومة كذلك من الضغط على دولة تشاد من قبل الدول العظمى لإعادة علاقاتها مع السودان.

هذه الفرصة جلبت للحكومة السودانية عدة فوائد، أولها تزيين صورة الحكومة وتحسين موقف الرئيس في القضايا التي شكلت أزمة دائمة، إضافة إلى المنفعة الدعائية من الاتفاقات التي تمت.

يذكر أن حركة العدل والمساواة كانت قد دخلت في هذه الاتفاقات وفي رأسها العديد من المشكلات، منها أسرى قيادات الحركة النافذين ومن المقربين لرئيس الحركة د. خليل إبراهيم والذين يقبعون في السجون الحكومية.

وفوق هذا وذاك فقدت الأراضي التي توفر لها دعماً لوجستياً بعد توصل الحكومة السودانية والتشادية لاتفاق جديد بينهما.

لكن استبعاد الحركات الدارفورية مثل حركة/جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد نور من المشاركة في المفاوضات يترك المجال مفتوحاً لتوتر الأوضاع هناك.

وخير دليل هو ما حدث في الفترات السابقة حين وقعت الحكومة مع طرف من أطراف الأزمة الدارفورية وأغفلت تأثير الحركات التي لم توقع على الأوضاع في دارفور.

فالأزمة تواصلت ووصلت تأثيراتها إلى مشارف العاصمة، في الوقت الذي كان يظن فيه البعض أن اتفاق أبوجا قد حل مشكلة دارفور وأن الحرب هناك قد انتهت تماماً، وتناسوا أن السلاح المرفوع في دارفور من الحركات التي لم توقع سوف تشكل أزمة جديدة.

نفس الخطأ الذي وقع فيه الموقعون على الاتفاقات الإطارية ربما يعيد تكرار نفسه إن هم تمادوا في إقصاء الآخرين مهما صغرت مكانتهم، فهم قد يشكلون مناخاً مزعجاً وملتهباً.

والعقلانية تفرض الاستماع لمطالبهم لأن النار قد تأتي من مستصغر الشرر.

وحركة العدل والمساواة وحركة التحرير والعدالة تكمن قوتهما في حركات دارفور مجتمعة وليست في حركات صغيرة متشرذمة، وبقية الحركات التي لم تتوحد تريد اتفاقاً يلبي الطموح لا اتفاقاً يجعل من قضية دارفور سلعة للمتاجرة السياسية.

وتظهر حركات دارفور بمظهر حركات تفتقر لبرنامج الحد الأدنى، فظاهريا كل الحركات هدفها الواضح للعيان هو تحسين الوضع في دارفور وفعلياً تتعدد صور الخلاف فيما بينها. فعلى أي شيء يختلفون طالما أن القضية واحدة والهدف واحد حسب زعمهم؟ وفي ظل هذه الخلافات، يبقى الخاسر الأكبر هو إنسان دارفور الذي اكتوى بنار الحرب الدائرة هناك والتي عطلت من عجلة التنمية والاستقرار وأرجعت دارفور سنوات إلى الوراء.

ألم يتعظ موقعو الإطارية من اتفاقية أبوجا التي هرول لها مني أركو مناوي وحيداً؟

المصلحة تقتضي على الحركات الدارفورية ترك خلافاتها جانباً والدخول في مفاوضات جادة وبقلب رجل واحد إن هم أرادوا مصلحة أهل دارفور.

وإن هم أرادوا تحقيق مصالح ذاتية، فليظلوا في خلافاتهم إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولا. والتاريخ لن ينسى الذين تاجروا بقضية دارفور وأهلها من أجل تحقيق بعض المصالح الضيقة. وتجري المفاوضات ويبقي المصير مجهولا.