الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

ألمانيا: نافذة على عالم جميل

حسن بركية
الخرطوم ‪-‬ في هذا التعليق، يعطينا الصحفي حسن بركية انطباعاته حول ألمانيا، بعد زيارته الأولى لها، والتي قضى فيها مدة تطول عن شهر كامل.
6.11.2012
جداريات في برلين.
جداريات في برلين.

قبل أن تخطو أولى خطواتك داخل الأرض الألمانية، تقفز كل الخلفيات والمعلومات والانطباعات أمامك وتنتصب في مواجهتك العديد من الأسئلة المتعلقة بالصورة النمطية عن الألماني في ذهنية المجتمع العربي والإسلامي. وعندما تلامس الواقع المعاش تذهب بعض التصورات والانطباعات أدراج الرياح وتظل بعضها تلازمك في حلك وترحالك في مختلف المدن والولايات الألمانية.

إذا أسقطنا صورة ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية من الذاكرة تظل ألمانيا ما بعد الحرب: ألمانيا، القوة الاقتصادية محل جدل وحوار في العالم العربي والإسلامي. إضافة لكل ذلك التراكم بين ألمانيا والعالم العربي والإسلامي، يأتي السوداني إلي ألمانيا بخلفياته المتعددة والمتشعبة الخلفية الإفريقية، المسلمة والعربية.

السفارة: دموع الحسرة والأسف العميق

وعندما وصلت ألمانيا بكل تلك الخلفيات، أضافت حادثة حرق السفارة الألمانية بالخرطوم بعداً جديداً وزاوية أخرى للرؤية. في أعتقادي كانت المظاهرة التي توجهت إلى السفارة (حكومية – رسمية) تدبيراً وتخطيطاً وتنفيذاً وليست عفوية كما كان الإعلام الرسمي السوداني يردد.

أدخلت الحكومة السودانية نفسها في حرج بالغ بهذه الخطوة الغير محسوبة وإمتد الحرج لكل السودانيين في المانيا وكان السؤال بالنسبة لنا محرجاً: لماذا حدث ما حدث؟ وخاصة أن الصورة التي نقلتها قناة الجزيرة أكدت الموقف الرسمي للحكومة وكل العالم شاهد كيف تم حرق السفارة تحت سمع وبصر الجهات المكلفة بحماية السفارة وحتي قيادات بارزة في الحكومة عبرت عن سخطها مما حدث.

وحديث سفير السودان بألمانيا يصب في خانة ”الأسف العميق“ عندما قال في حوار صحفي‪:‬ ”ما حدث بالنسبة لي كانت مفاجأة وصدمة“‪.‬

الألماني بعيون سودانية

في العالم العربي والإسلامي دائماً هناك مقولة مفادها أن الألماني متعجرف ولا يرى إلا نفسه، ولكن الواقع يحمل في بين حناياه صورة مختلفة. الشعب الألماني من خلال المعايشة يبدو لطيفاً وبدا لي ذلك في كثير من المواقف في مختلف المدن الألمانية –برلين – ميونيخ – شتوتغارت.


كنيسة قديمة في برلين.
© النيلان | حسن بركية
العلاقات الألمانية العربية مثلاً قوية اقتصادياً وضعيفة سياسياً وتظل المانيا رغم ثقلها الاقتصادي بعيدة عن الأحداث في العالم العربي والإسلامي وإفريقيا. وألمانيا بحاجة لعمل سياسي وثقافي يتجاوز حدود الملف الاقتصادي لردم الفجوة بينها وبين العالم العربي والإسلامي.

من الملاحظات الأساسية الرؤية الضبابية لبعض الالمان للعرب والمسلمين حيث تظل الصورة النمطية ‪-‬ العرب يضطهدون المرأة ويجهلون كثير من القيم الإنسانية ‪-‬ مسيطرة على ذهنية بعض النخب والرموز الثقافية في المانيا.

بالطبع الجوانب المشرقة في ألمانيا كثيرة جدا منها الترتيب والنظام الدقيق لكل تفاصيل الحياة اليومية والدقة المتناهية في عمل المؤسسات والمرافق العامة مثل وسائل النقل خاصة القطارات.

وهناك ظاهرة أخرى لفتت نظري من أول يوم في ألمانيا تزايد أعداد العجزة والمسنين في الشارع الألماني وظللت أشاهد مايعزز هذه الملاحظة في كل المرافق والأماكن وهناك جدل حول هذا الأمر وهذه المساحة لا تسمح بتناول هذا الموضوع.

الأتراك، جدل لا ينتهي

تظل قضية التواجد الأجنبي حاضرة في المشهد الألماني بسطوع فاقع وخاصة الأتراك ومن خلال النقاشات والحوارات مع العديد من الألمان وجدت أن الكثير منهم لا يرحب بتواجد الأتراك بصورة أو بأخرى وهناك من له تحفظات حول إندماج الأتراك في المجتمع الألماني.
 
ومن المفارقات في موضوع الأتراك الكثير من الألمان معجبون بالدولة التركية وقال لي صحفي ألماني: ”في استانبول تشعر بأنك لم تغادر أوربا هي مدينة جميلة وعصرية والألمان يملكون أكثر من 39 ألف وحدة سكنية في تركيا بينما يملك السعوديون فقط 53  وحدة.“  

على أي حال تظل قضية التواجد التركي في ألمانيا قضية شائكة تفرز أسئلة أكثر تشابكاً لا تعرف النهايات وتظل معلقة.

ومن الملاحظات أن حدة الصراع بين الأتراك والأكراد تخف هناك حيث تجدهم معاً في كثير من الأنشطة. صحيح تظل بعض الخلافات والمرارات قائمة وباقية، ولكن العرب والأتراك والأكراد في كثير من المواقف يعتبرون أنفسهم ضحايا للتمييز والفرز.

ومن المعالم البارزة في برلين منزل التركي المتقاعد عثمان كالين حيث قام ببناء منزلاً صغيراً ملوناً في منطقة ”اللا أحد“ وعلى الرغم من أن حديقة النباتات الخاصة بمنزله كانت تقع في برلين الغربية إلا أنها كانت إدارياً لألمانيا الشرقية لأن الجدار لم يتم إنشاؤه على الحدود بالضبط.

الثقافة، تمويل خرافي

على المستوي الثقافي والفني توجد في ألمانيا أنشطة كثيرة جداً وحراك ثقافي في مختلف ضروب الثقافة. والفنون لحياة الثقافية في ألمانيا ذات وجوه عديدة بها حوالي 400 مسرح، 140 فرقة أوركسترا محترفة، 600 متحف فني تضم مقتنياتها مجموعات متنوعة ومتميزة على الصعيد العالمي.


برج التلفزيون، أحد معالم مدينة برلين.
© النيلان | حسن بركية
ولكن كل هذا الحراك والتمويل الضخم للأنشطة الثقافية والفنية لا تجد حظها من النشر والوصول إلى القطاعات الفنية والثقافية في العالم العربي في حين تظل دول أوربية أخري أقل نشاطاً ودون ألمانيا في الإمكانات المادية والقدرات البشرية تسجل حضوراً أكبر في العالم العربي والإسلامي وإفريقيا.

في حديث مع الزملاء في القسم العربي في الدوتشفيليه عرفت منهم أن القسم العربي يواجه نقصاً في التمويل ولايوجد قرار سياسي من الدولة لمنافسة القنوات المماثلة الأخري كسي إن إن، البي بي سي، وفرانس ‪.‬24

وتصرف الحكومة الألمانية أموال ضخمة جدا على الأنشطة الثقافية‪.‬ في العام قبل الماضي أنفقت على الأنشطة الثقافية ما يزيد عن ال9 مليار يورو.

يدور الحديث والجدل في أوساط المهتمين بالثقافة حول قلة الدعم الحكومي المقدم للأنشطة الثقافية في ألمانيا. بما أن المال متوفر، فإن الجدل يدور حول أوجه الصرف في الأنشطة الثقافية. ويقول الصحفي الألماني توباياس راب المهتم بالشأن الثقافي أن هناك أموال ضخمة جدا تصرف على الفرق الموسيقية وكان يمكن توظيفها بشكل أفضل ويضيف: ”أعتقد أن 40% من جملة الصرف على الموسيقى في العالم تصرف على الموسيقي في ألمانيا“‪.‬

مدينة الهجرة، ’فقيرة لكن مثيرة‘

تحتفل برلين هذا العام بعيد ميلادها رقم 775 رغم أنها لا تملك شهادة ميلاد خاصة بها إلا أنه ثبت أن المدينة تم ذكرها لأول مرة في مخطوطة تحمل سبعة أختام بتاريخ ‪.‬1237

وقد شهدت برلين بالفعل الاحتفال بعيدها السنوي رقم 700 عام 1937 ولم يختلف تاريخ الاحتفال في شرق برلين عن غربها غربها في ذلك الوقت بل تزامنت الاحتفالات رغم انطلاقها بشكل منفصل. ما بين عامي 1949 و1989، غادر ثلاثة ملايين شخص ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، وفي الوقت الذي اتخذ نحو نصف مليون شخص الاتجاه المعاكس قادمين من ألمانيا الغربية إلى الشرقية، العديد منهم كانوا من المهاجرين العائدين.  

 وتختلف ألمانيا عن كثير من الدول بأن العاصمة هي من أفقر المدن، فبرلين فقيرة مقارنة بميونيخ أو شتوتغارت أو فرانكفورت. عمدة برلين  أطلق مقولة ’برلين فقيرة ولكنها مثيرة‘،  وبرلين حالياً هي عاصمة الفن وأصبحت قبلة لكل الفنانين تتفوق على نيويورك وباريس ولندن ويعيش فيها أكثر 170 ألف فنان في مختلف المجال الإبداعي.

وسائل الإعلام الألمانية، توثيق الأخبار ودعم التغيير


القسم العربي في الدوتشفيليه كان مدخلنا للتعرف على وسائل الإعلام الألمانية - القوانين والنظم واللوائح.

يعمل القسم العربي 10 ساعات في اليوم ويقول مصطفى عيسى رئيس القسم العربي (فلسطيني الأصل) المهمة الأساسية للقسم العربي هو توثيق الصلات بين ألمانيا بعيداً عن الأسلوب الدعائي ونعمل على تصحيح المعلومات الخاطئة وننقل الصورة من العالم العربي ونطرح الجدل كما هو في الواقع.

ويضيف مصطفي عيسى: ”نعمل على تلبية رغبات المشاهد العربي مع الحفاظ على التوازن في الطرح وذلك وفق الموجهات العامة للسياسة الخارجية الألمانية“‪.‬

وتأتى موازنة الدوتشفيليه من البرلمان وهي بذلك قناة مستقلة ولا تتبع للحكومة. وأثناء اللقاء مع مصطفي عيسى رئيس القسم العربي في الدوتشفيليه دار حوار طويل حول القسم العربي والخط التحريري والبرنامجي وكان رأي ولا زال أن التغطية الخاصة بالعالم العربي غير متوازنة وتستحوذ دول بعينها على المساحات المتاحة ويأتي السودان بكل زخمه وإرثه وموقعه والمعطيات الكثيرة الموجودة في مساحة هامشية جداً‪.‬  جاء الرد من إدارة القسم العربي دبلوماسيا: ”نحن نعمل بتوازن ولا نتحيز إلي أي دولة“‪.‬

ألمانيا قوة اقتصادية كبري ودولة لها ماض قوي تعلمت منه الكثير.  السياسة الخارجية الألمانية متزنة جدا والشركات الألمانية لها سمعة جيدة في كل أنحاء العالم. كل هذه العوامل وغيرها تحتم على صانع القرار في السودان العمل على تطوير العلاقة مع ألمانيا لخدمة قضايا الوطن بعيدا عن المواقف الإديولوجية. وفي النهاية يجب وضع مصالح الشعب فوق كل الاعتبارات الحزبية.