الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني: مفاوضات عاثرة وحلول مطلوبة

آدم محمد أحمد
عادت الخرطوم إلى طاولة التفاوض مع الحركة الشعبية - قطاع الشمال بعد قطعية تخللتها دماء كثيرة بسبب القتال الذي اندلع بين الطرفين منذ السنة الماضية.
2.09.2012
بناية مدنية تم تدميرها في قرية أم بارتومبو، جنوب كردفان في السادس عشر من يونيو 2012.
بناية مدنية تم تدميرها في قرية أم بارتومبو، جنوب كردفان في السادس عشر من يونيو 2012.

تعود الخرطوم والحركة الشعبية - قطاع الشمال إلى طاولة الحوار هذه المرة بدفع مباشر من مجلس الأمن الدولي، عبر قراره الذي أصدره قبل ثلاثة أشهر مضت، بالتنسيق مع الآلية الإفريقية رفيعة المستوى ومجلس الأمن والسلم الأفريقي والذي عرف بقرار حل القضايا الخلافية بين دولتي السودان وجنوب السودان.

وجاء في أحد بنود هذا القرار فقرة يقول مضمونها أن ”حل قضايا منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان يتم عبر الحوار السياسي“. وهذا الأمر كان بمثابة إعادة الأطراف إلى التفاوض بدلا من الاستمرار في النزاع.

وبالطبع لم يأت قرار مجلس الأمن من فراغ، فكل المعطيات الموجودة على الأرض تقول أن حل القضايا العالقة بين دولتي السودان وجنوب السودان لم يتم ولن يكتب له النجاح إذا لم تحل مشاكل الحدود من بينها النيل الأزرق وجنوب كردفان، في إطار النظرة الكلية لوضع حلول مستدامة تضمن استمرار الاستقرار.

إن طريق التفاوض بين أطراف تتقاتل ليس سالكا بحيث يضمن المرور دون عثرات ومطبات، فالمؤتمر الوطني الذي عاد و رفض \"الاتفاق الإطاري\" الذي وقعه مع الحركة الشعبية في 28 يونيو 2011 في ظرف أقل من 24 ساعة من توقيعه، لم يكن مستعدا إلى مجرد الجلوس في طاولة واحدة مع قيادات الحركة الشعبية - قطاع الشمال الذين ينعتهم ”بالعملاء للخارج“، ناهيك من إبرام اتفاق آخر.

يضاف إلى ذلك الضغوط الداخلية التي يتعرض لها ”الوطني“ من جهات رافضة مبدأ إعادة التفاوض مع ”قطاع الشمال“ أبرزها حزب ”منبر السلام العادل“ الذي يتزعمه الطيب مصطفى، وهو الحزب الذي كان يتبني موقفا يدعو لفصل الجنوب عن الشمال قبيل الاستفتاء الذي جرى العام الماضي.

ومن الناحية ذاتها تقف الحركة، التي تعشعش في رأسها هواجس انعدام الثقة من عدوها اللدود. فالتجارب التي خاضتها منذ توقيع اتفاق السلام الشامل في العام 2005 والذي أفضى إلى انفصال الجنوب وما صاحبه من عثرات في التنفيذ مرورا برفض ”الإطاري“، جعل الحركة وكأنها تتمسك بالمثل السوداني ”الذي عضه الثعبان يخاف من مجر الحبل“، فاتجهت إلى التحالف مع حركات أخرى من دارفور تقف معها في خط الثورة المسلحة فيما عرف بتحالف ”الجبهة الثورية السودانية“.

وبناء على تلك الحيثيات، فان ثمة صعوبات تنتظر مسار التفاوض بين الحكومة السودانية ممثلة في المؤتمر الوطني والحركة الشعبية - قطاع الشمال الذي من المفترض أن تستكمل حلقاته بعد عطلة عيد الفطر.

على الرغم من أن الطرفين وضعا إطارا لقضية المعونات الإنسانية بالاتفاق على وصول المساعدات للمتضررين الذين يفوق عددهم المليون، فالصعوبات برزت بوضوح في أول جولة للتفاوض غير مباشرة انعقدت بين الطرفين في العاصمة الإثيوبية أديس ابابا في نهايات يوليو الماضي، وذلك من خلال تباعد شقة الخلاف بين الطرفين.

يرى المؤتمر الوطني بأنه لا يعترف بالحركة الشعبية كممثل وحيد لقضايا المنطقتين وان هناك فعاليات أخرى من أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق يجب إشراكهم. يضاف إلى ذلك ان الوطني لا يخفي هواجسه أيضا، وبحسب رئيس وفد الحكومة السودانية كمال عبيد فإن ”السودان نقل للوساطة الأفريقية شكوك الحكومة في عدم رغبة الحركة في التوصل إلى تسوية سلمية تنهي النزاع في المنطقتين وتنزع فتيل الحرب“.

فالأمر الذي يكاد يحول شكوك الخرطوم إلى يقين وفقا لعبيد هي الورقة التي سلمتها الحركة الشعبية للوساطة وحملت رؤيتها للحل والتي تحدثت عن منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في سطرين ونصف السطر من بين خمسة أسطر أفردتها الحركة الشعبية للحديث عن قضايا مناطق جديدة في السودان كدارفور، السدود، شرق السودان، مشروع الجزيرة، وشمال كردفان.

هذا الأمر يبدو مرفوضا إلى قيادات المؤتمر الوطني التي تنظر لقضية المنطقتين من زاوية استكمال اتفاقية السلام الشامل وتنفيذ بروتوكول المنطقتين بدمج قوات الحركة وتسريحها.

غير أن الحركة الشعبية - قطاع الشمال لديها رؤيتها الخاصة لدعم موقفها وتعضيد حجتها فهي ترى أنها حركة يمتد وجودها في كل ولايات السودان السابعة عشر، وأن قضايا المنطقتين أصبحت قضايا قومية، وان أهل جنوب كردفان والنيل الأزرق مواطنين سودانيين مثلهم مثل الآخرين ولهم الحق في المشاركة وفي معالجة القضايا الوطنية وتحديد كيف يحكم السودان. وبحسب أمينها العام ياسر عرمان ”فإن الحلول الجزئية والتبضع في سوق الإتفاقيات الثنائية صنعه وحرفة أتقنها المؤتمر الوطني“.

ويبدو أن الحركة تتمسك بالرؤية القومية للحل التزاما منها واحتراما لوجودها داخل منظومة قوى تحالف الجبهة الثورية، التي تضم حركات دارفور وشرق السودان أيضا.

ومع كل ذلك الاختلاف، فان مراقبون ينظرون لملف التفاوض بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية - قطاع الشمال من زاوية أن الملف أصبح في يد مجلس الأمن مما يعني خروجه من أهواء وسيطرة طرف دون الأخر.

عجز الطرفين عن الاتفاق يعني فرض حلول جاهزة من قبل المجتمع الدولي، وعليهما القبول بالحل جبرا أو مواجهة العقوبات دون وجود أي خيارات أخرى… خاصة وأن مهلة ثلاثة أشهر التي حددها قرار مجلس الأمن كحد أقصى للبحث عن حلول بين الطرفين انتهت في بداية أغسطس الجاري.

وعليه، فإن الجولة التي من المفترض أن تنطلق الآن بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بالتزامن مع مفاوضات دولتي السودان وجنوب السودان، تعتبر حبلى بالكثير من المفاجآت.