الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

لماذا تأخر الربيع العربي عن السودان؟

آدم أبكر علي
الخرطوم ‪-‬ بدأت المظاهرات المطالبة بخروج نظام الانقاذ في السودان في منتصف شهر يونيو الماضي. ثورة الشعب السوداني مختلفة عن ثورات الربيع العربي في البلدان العربية الأخرى حيث جاءت متأخرة عن قريناتها. فما سبب هذا التأخر؟
3.08.2012
ثورة السودان: مظاهرات نيالا في 30 يوليو الماضي.
ثورة السودان: مظاهرات نيالا في 30 يوليو الماضي.

قد ينظر المرء من خارج السودان لتظاهرات التي خرجت في السودان والتي ما زالت قائمة على أنها بداية لثورة الربيع العربي، خصوصاً أن لغة هذه المرحلة التي أصبحت مدعاة للفخر والتفاخر تشبه ثورة الربيع العربي في البلدان العربية التي تكللت فيها بالنجاح. كذلك في السودان هناك من يمني النفس بثورة تعيد للشعب السوداني ذكرى انتفاضتي أكتوبر ومارس-أبريل‪.‬

لكن قبل الدخول في ثورات الربيع العربي لابد من طرح بعض الأسئلة تخص الشأن السوداني كحالة ليست معزولة عن محيطها‪.‬

الشعب السوداني له السبق في تفجير الثورات أكثر من غيرهالشعب السوداني له السبق في تفجير الثورات أكثر من غيره، فقد فجر ثورتين أسقط فيهما نظامين عسكرييين (عبود ونميري) وأقام حكماً  ديمقراطياً،على أنقاض الأنظمة العسكرية المتهاوية.

فطالما الأمر كذلك، لماذا لم يخرج الشعب السوداني قبل غيره خصوصا مع توفر كل الظروف التي تقود الى الثورة؟

يجيب على هذا السؤال المواطن السوداني العادي الذي تم استخدامه من قبل في ثورتين. اليوم يدرك المواطن السوداني تماماً أن الثورة لا تعنى تغيير نظام بآخر، والديمقراطية بالنسبة للشعب السوداني ليست مجرد صناديق اقتراع وتصويت وأحزاب تقليدية تأتي في نهاية المطاف لتتربع عرش السلطة. الشعب يريد أن يختار ما يراه مناسباً وبحرية تامة!

لن يخرج الشعب السوداني في مجازفة غير مضمونة النتائج، ولابد من أن يتعرف على ما هو البديل الذي يمكن له أن يجري التغيير الحقيقي في البلادالتجربة علمت الشعب السوداني الكثير من الدروس والعبر، لذا لن يخرج الشعب السوداني في مجازفة غير مضمونة النتائج، ولابد من أن يتعرف على ما هو البديل الذي يمكن له أن يجري التغيير الحقيقي في البلاد.  

تجربة السنوات أكدت للمواطن أن الأحزاب التقليدية، التي حظيت بثقة الشعب المرة تلو الأخرى، عجزت تماماً وذهبت في نظرتها التقليدية لحكم البلاد دون أن تحدث الثورة الديمقراطية المقرونة بالإنجاز، بل برزت الخلافات بينها وإنقسموا الى يمين ويسار، ثم إلى يمين و يمين.

ذاكرة الشعب ما زالت تختزن صور هذه المشاهد التي تكررت أمام عينه، ففي كل مرحلة ديمقراطية تأتي نفس الوجوه المألوفة.

وقد يتغير الأشخاص لكن العقلية هي نفسها، لأن المنطلقات الفكرية هي واحدة (أنصار، ختمية، جبهة قومية إسلامية) وفي هذا يشكلون سداً منيعاً أمام أي من الأحزاب الأخرى. وقد يصل الأمر حد التحالف من أجل أسقاط أي حزب ذات توجهات يسارية.

خلال فترات حكم الديمقراطية الثالثة شهدت البلاد سيطرة واضحة للأحزاب التقليدية واليمينية لأن قانون الانتخابات والدستور كان في صالح الأحزاب اليمينية. وفي تجربتها في الحكم، عجزت هذه الأحزاب عن تحقيق رغبات جماهير الشعب السوداني في تحقيق الديمقراطية المقرونة بالإنجاز، بل ازدادت المماحكات والصراعات الحزبية ،ففي كل فترة تسلم الأحزاب التقليدية ورقة المبررات للمغامرين، فينقلبون على الحكم الديمقراطي.

وقال مصدر يمكن أن يكون من عناصر المؤتمر الوطني، و الذي رفض الافصاح عن هويته: ”ظل الشعب السوداني يأكل الكسرة بالماء… لن يخرجوا هذه المرة من أجل أن يأتي الصادق المهدي أو محمد عثمان الميرغني ليحكموا البلاد. هؤلاء قد ولى زمانهم تماماً! الآن قوى الهامش والقوى الثورية هي البديل الحقيقي للشعب السوداني ، في كل مرة تسرق الثورة لكن هذه المرة سوف لن تسرق.“
الثورة القادمة في السودان قد لا تعترف بالأحزاب الرجعية التي فرطت في الديمقراطية وبهذا استنفذت فرصها.

لشعب السوداني لا يريد أن ينطبق عليه قول الشاعر: دعوت على عمرِ فمات فسرني  وعاشرت أقواماً آخرون بكيت على عمرِالمواطن السوداني أصبح يشعر بمرارة  شديدة ويتحسر لضياع الديمقراطية الثالثة. فشل التجارب الديمقراطية في السودان جعلت المواطن السوداني يحسب لأي خطوة من خطواته لا لكون الوضع الحالي أفضل من السابق أو أن نظام الإنقاذ قد حقق للشعب رغد العيش والحياة الكريمة.

لا أحد يختلف على أن نظام الإنقاذ أسوأ نظام يمر بالبلاد، ففيه إندلعت الحروب وتبعثر السودان وازدادت الضرائب وارتفعت الأسعار وكتمت  القبضة الحديدية أنفاس من يعارض الظلم.

نجاح ثورات الربيع العربي في بعض الدول جاءت تلبية لرغبة الشعوب في الحرية والديمقراطية ونبذ سنوات حكم الفرد.

الأمر في السودان قد يختلف قليلاً لأن الشعب السوداني مارس الديمقراطية من قبل وقام بثورتين ، وهو الآن لا يبحث عن الديمقراطية بل يبحث عن البديل الديمقراطي.

الشعب السوداني لا يريد أن ينطبق عليه قول الشاعر: دعوت على عمرِ فمات فسرني  وعاشرت أقواماً آخرون بكيت على عمرِ.