الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

’حد الشمس‘ - راعية حضارة النوبة، مهمشة من السلطات

رشان أوشي
تعاني قرية مشيكلة من بنية تحتية ضعيفة جدا، مما يؤدي إلى معاناة سكانها من الأمراض وغياب التعليم مثلا، رغم أن سكان هذه المنطقة هم دون شك رعاة للحضارة النوبية العظيمة.
30.06.2015  |  مشكيلة، السودان
قرية مشكيلة، 13 يونيو، 2015.
قرية مشكيلة، 13 يونيو، 2015.

تعليق

كان الغرض من رحلتنا إلى أرض النوبة، هو الذكرى السنوية لضحايا أحداث كجبار 2007، عندما اندلعت التظاهرات الرافضة لإنشاء سدي دال وكجبار، وسقط البعض من أبناء المنطقة في مضيق بين جبلين، يطلق عليه بالنوبية ’كدنتكار’.

درج شباب لجان المناهضة على إحياء ذكرى هؤلاء الضحايا يوم 13 يونيو من كل عام، ويقام المحفل بصورة دورية في مناطق المحس.

كل عام في منطقة بعينها، يتجمعون، يلقون الخطب الحماسية، ويستمعون للاغاني الوطنية بالنوبية، ويرددون هتافات مناوئة لانشاء السد مثل’ لا دال ولاكجبار في أرض النوبة نحن أحرار’ و ’مأساة عبود لن تعود’.

مازال وجدان النوبة مشروخا بذكرى تهجير أهل حلفا القديمة بعد إنشاء السد العالي في ستينيات القرن الماضي. هم الناس يعشقون أرضهم إلى حد كبير.

اتجهنا إلى منطقة ’مشكيلة’ التي تترجم للعربية بـ ’حد الشمس’، فوجدنا عالما مختلفا ومأساة لا تصدق. المنطقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. يعيش أهلها متكئين على حضارتهم وتاريخهم، منسيين من الحكومة المركزية في الخرطوم، معتمدين على ما تجنيه أيدي أبناءهم المغتربين في بلاد الله.

طبيعة المنطقة تشبه بقية مناطق النوبة في تلك البقعة الصحراوية التي يشقها النيل، ولكنها تختلف بالطبع عن الجزر التي تكون الطبيعة فيها أكثر لينا. مشكيلة منطقة صغيرة تقع في الاتجاه الغربي من الشارع الرئيسي وتبعد عن دنقلا عاصمة النوبة حوالي ساعتين ونصف.

تبدأ الحياة في هذه المنطقة في الصباح الباكر مع شقشقة الملاعق وهي تأرجح السكر داخل كؤوس الشاي. النوبة معروفون بحبهم الشديد لتناول الشاي.

تجد النساء وقد كست ملامحهن المشقة والكدح، فالطبيعة القاسية ألقت بظلالها على سحنات البشر. تجدهن يعملن بجد في المنازل، يصلك صوت الأيادي وهي تحرك الدقيق والماء في الأواني لصنع عجينة ’القراصة’.

بيوت مشكيلة تشبه أهلها، عتيقة ومبنية على الطراز النوبي. شوارعها شبه خاوية من البشر، هادئة جدا ومتناغمة، تكسوها الرمال، وتحيط بها أشجار النخيل التي بقيت شامخة كشموخ التاريخ هنا، يمر بها النيل خجولا.

النساء يكتسين الثوب السوداني ولكن لا يحبذن الحديث بالعربية، فاللغة النوبية هي التي تستعمل في هذه البقاع. عمق التاريخ وعبق الحضارة في تلك البقاع يجعل كل شيء ذو نكهة شعبية خالصة.

هاجر معظم أهل مشكيلة، حيث تفرقوا بين الاغتراب والعيش في العاصمة الخرطوم. قبل أن يغادر أبناءها بحثا عن الرزق، كان بها حوالي ثلاثة ألاف نسمة.

من تبقى بها من الرجال يعملون في الزراعة، يقضون معظم يومهم بين السقي، ودفن البذور ، وفلاحة الارض.

مشكيلة قرية مظلومة، تفتقر تماما لوسائل الترفيه، لا يوجد بها سوق ولا أي متنفس آخر. عندما تخنقهم بيوتهم، يلجأ السكان لضفاف النيل، مفرغين همومهم في جوفه، يأخذها ويغادر الى أرض أخرى. النيل عرف بوفائه للنوبة، لم يغدر بهم أبدا. وطبعا تجد الصغار يلهون بالسباحة.

هذا النيل تخرج منه المياه البطون مباشرة دون المرور بأي محطات للتنقية، لذلك تنتشر أمراض البلهارسيا، وبعض الديدان التي تقطن الأمعاء، وتفتك حمى الملاريا المنتشرة بالأجساد المنهكة كل موسم باعوض.

بالإضافة إلى كل هذه الصعوبات، ”تأتي الحكومة لجني جبايات شهرية من السكان لأنهم يأخذون المياه من النيل“ كما يقول أحد المواطنين اسمه محمد عبد الهادي عبد اللطيف.

معاناة ناس المنطقة لا تقتصر على المياه فقط. كل مناطق المحس لم تصلها كهرباء الحكومة حتى الآن. تعيش تلك البقاع في ظلام دامس، إلا من تيسر حاله واقتنى مولد كهرباء يعمل بالديزل.

البسطاء يعتمدون على ضوء الشمس نهارا، والقمر ليلا. معظم السكان غير قادرين على اقتناء ثلاجات تبريد، حيث يبردون الماء في أزيار كبيرة تحت الاشجار، ويطبخون الطعام طازجا ويعتمدون على روح الطبيعة في الشتاء والصيف.

أما التعليم فهو في دركه الأسفل. يضطر الأهالي لدفع حوافز للمعلمين لكي يستمروا في العمل، كما يقول عبد اللطيف. لا توجد مدرسة ثانوية في مشكيلة نفسها، هؤلاء المعلمون يدرسون في مدرسة في ’فريق المحس’، منطقة تبعد حوالي نصف ساعة بالسيارة. يقطع أطفال مشكيلة يوميا هذه المسافة، أحيانا راجلين وأحيانا بما تيسر من وسيلة مواصلات.

في مشكيلة مركز صحي واحد لم تبنه الحكومة بل شيده أبناءها المنتشرين في بقاع الدنيا اغترابا. يعمل في هذا المركز طبيب واحد، يتغير كل سبعة أشهر عند انتهاء مدة خدمته. المشفى بلا كهرباء. تحفظ الأدوية في ثلاجة صغيرة تعمل بالغاز. الحكومة لا تدعم المركز الصحي بشيء، سوى الطبيب العمومي.

عندما لا يتوفر العلاج، يتجه أهل مشكيلة إلى مستشفى حكومي في فريق المحس أو دنقلا، والبعض الآخر الى العاصمة الخرطوم.

غادر معظم أهل مشيكلة بحثا عن حياه أكثر رخاء، وهروبا من الشقاء والبؤس. ولكن قلة قلائل يواجهون هذه الصعوبات التي باتت تشكل حياتهم اليومية، ويفضلون الحفاظ على أرث الأجداد، رغم المعاناة. هؤلاء علينا حكومة وشعبا أن نشيد بنضالهم، ونعمل ما بوسعنا لمساعدتهم والرفع من مستوى عيشهم لأنهم رعاة حضارة عظيمة.