الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

في ضوء أحداث هجليج ‪-‬ مستقبل العلاقات بين الخرطوم وجوبا

آدم أبكر علي
الخرطوم ‪-‬ أحداث هجليج فتحت المجال أمام المحللين لتحليل مستقيل العلاقات مابين دولتي السودان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
26.05.2012
شهدت منطقة هجليج الشهر الماضي أزمة عسكرية بين السودان وجنوب السودان.
شهدت منطقة هجليج الشهر الماضي أزمة عسكرية بين السودان وجنوب السودان.

أحداث أزمة هجليج، التي تطورت لتصبح منطقة نزاع عسكري بين السودان وجنوب السودان الى ان سحب الجنوب قواته منها أو طُرد حسب حكومة الشمال، فتحت المجال أمام المحللين والمعلقين لتناول مستقيل العلاقات مابين الدولتين، خاصة أن المنطقة تمثل أهمية إقتصادية كبرى للسودان التي فقدت الكثير من الموارد جراء الإنفصال، كما أن الطرف الجنوبي أيضاً قد تأثر من توقف مرور نفطه الى الأسواق العالمية.

لمعرفة العلاقة ما بين دولتين من دول العالم، لابد من الوقوف على طبيعة الروابط الإقتصادية والسياسية للدولتين في المقام الأول، ومن ثم الدخول في طبيعة العوامل التي تؤدي الى توتر هذه العلاقات أو تساهم في التقليل من شدة توترها.

ففي حالة دولتي السودان وجنوب السودان، تواجه علاقة الدولتين بعض المعرقلات التي يمكن أن تهز أسس أي علاقة مستقبلية، ومن بين هذه المعرقلات التباين في المصالح الإقتصادية مابين الدولة الأم والدولة التي نشأت حديثاً.

تضارب المصالح الإقتصادية يعتبر من أكبر المعرقلات التي تعترض سبيل التوصل الى خلق علاقات ودية بين دولتين كانتا حتى وقت قريب دولة واحدة.الدولة الأم فقدت مورداً مهماً ألا وهو النفط، والذي كانت تعتمد عليه في ميزانيتها ، ولم تجد أمامها حلا سوى أن تضع رسوماً خيالية لعبور النفط الذي فقدته حتى تعوض خسارتها، أي أن تكون المبالغ المحصل عليها من عبور النفط قريبة من المبالغ التي كانت تتحصل عليها في فترة تقاسم النفط بين الدولتين. كما تدرك السودان أن الدولة المنفصلة هي دولة حبيسة، ليس لديها أي منفذ آخر لتصدير النفط المنتج في أراضيها. وكانت هذه أولى أوراق الضغط في يد السودان.

تضارب المصالح الإقتصادية يعتبر من أكبر المعرقلات التي تعترض سبيل التوصل الى خلق علاقات ودية بين دولتين كانتا حتى وقت قريب دولة واحدة.

ونجد أن نفس هذه المعضلة حدثت في دولتي إثيوبيا وإريتريا، فعندما إنفصلت دولة إريتريا في العام 1993، أول دولة إعترفت بها إثيوبيا، لكن إريتريا بدأت تنظر للوضع من ناحية إقتصادية.

وفي العام 1998، بدأت إريتريا تضيق على إثيوبيا وحرمتها من المنفذ البحري وصادرت كل ممتلكات إثيوبيا في الموانئ الإريترية، وأصبحت أثيوبيا دولة مغلقة. هنا برز دور المصلحة الإقتصادية بشكل واضح في التوتر ما بين الدولتين وهذا بدوره ادى الى نشوب حرب طاحنة بينهما.

إذا الروابط الإقتصادية أصبحت تشكل أساس المشاكل ما بين الدول قبل كل شئ آخر. فعلى سبيل المثال، إثيوبيا وإريتريا لم يرسما حدوداً منذ إستقلال إريتريا في 1993. عندما نشبت الصراعات الاقتصادية سنة 1998، وقعت الدولتان إتفاق الجزائر، والذي بموجبه أقر الطرفان على إعادة ترسيم الحدود بينهما. هذا يعني أن مشكل الحدود أصبح مهما فقط مع تضارب المصالح الاقتصادية، حيث لم يكن ذي أهمية من قبل.

واقع الحال في دولتي السودان وجنوب السودان أصبح يكتنفه الغموض، والقضايا العالقة بينهما أصبحت مثل برميل البارود، قابل للإنفجار في أي لحظة. والسبب الذي يقود الى ذلك هو ربط قيادات البلدين كل القضايا العالقة بالمصالح الإقتصادية ، حتى أصبح حل المشاكل السياسية منوطا بإيجاد حل للتضاربات الإقتصادية.

”لن نسمح بمرور نفط الجنوب في ظل وجود الحركة الشعبية حتى لو وافقوا على تقاسم النفط بيننا (كما كان الحال) قبل الإنفصال.“ الرئيس السوداني عمر البشيرفي ظل هذا الواقع، هل يمكن للدولتين خلق علاقات وطيدة بينهما؟ وهل يستطيع الطرفان تغليب مصالحهما الإقتصادية المشتركة على كل شئ آخر؟ أم يظل التمسك بالمصالح الإقتصادية لكل طرف سيد الموقف؟

تتوالى التصريحات هنا وهناك، تارة تحمل إشارات التصعيد وأخرى تلمح الى التهدئة الخجولة .

الرئيس السوداني قال: ”لن نسمح بمرور نفط الجنوب في ظل وجود الحركة الشعبية حتى لو وافقوا على تقاسم النفط بيننا (كما كان الحال) قبل الإنفصال.“

بينما جاءت التصريحات من حكومة الجنوب أقل حدة وقال رئيس حكومة الجنوب:”نرغب في تصدير النفط عبر الشمال لأن دولتنا سوف تنهار إذا لم نصدر النفط.“

رغم أهمية المشاكل الاقتصادية، على المتتبع ألا يغفل الروابط السياسية مابين الدولتين، فهذه الأخيرة أساسية لمعرفة الحقيقة كاملة ولابد من تتبع آثارها لفهم المعادلة الصحيحة وواقع العلاقات المستقبلية بين الدولتين.

بعد الإنفصال تبينت صورة المشهد في كل من السودان وجنوب السودان، دولة علمانية في الجنوب ودولة دينية في الشمال. ولكل دولة أنصار في الدولة الأخرى.

بعد الإنفصال تبينت صورة المشهد في كل من السودان وجنوب السودان، دولة علمانية في الجنوب ودولة دينية في الشمال.ففي الشمال توجد الحركة الشعبية - قطاع الشمال تلتقي في توجهاتها العلمانية مع الحركة الشعبية في الجنوب، وهذا يشكل عامل إزعاج شديد للقيادات التي تتدثر بالدين في الشمال. هذا بالإضافة الى وجود بعض الحركات الدارفورية العلمانية التي تقف صفاً واحداً مع الحركة الشعبية من حيث التوجهات ورؤيتها للدولة في الشمال.

هناك أيضاً جماعات ضغط دينية، إن جاز التعبير، تضغط على النظام الحاكم في الشمال من أجل القضاء على العلمانيين الذين يتفقون مع الحركة الشعبية، لأنهم يرون فيهم تهديدا لتوجهاتهم، وأبرز هذه الجماعات ”منبر السلام العادل“ الذي يقف في وجه أي تقارب بين دولتي السودان وجنوب السودان.
 
في ضوء هذه المعطيات نجد أن مشهد العلاقات بين الدولتين لا يزال يخبئ الكثير والمثير من المفاجأت. هناك عدة عقبات تحول دون التوصل الى علاقات جوار تحافظ على الروابط القديمة مابين القيادات الحاكمة في كلا البلدين وما بين شعبي البلدين في المقام الثاني.

الأزمة تحمل عدة معرقلات منها ما هو مرتبط بالعلاقات التي تربط القيادات المعارضة هنا وهناك، ومنها ما هو مرتبط بالقضايا العالقة بين البلدين مثل النفط وتبعية أبيي ودعم قوات التمرد في كلا البلدين.

تعددت المصالح وتوزعت بين الولاءات التي تقف مع طرف وضد الطرف الآخر، فهل من سبيل الى خلق علاقات مستقبلية ما بين الدولتين في ظل هذا التباينات الواضحة بينهما؟كما أن التباين الآيدلوجي أصبح واضحا بين القيادات السياسية في البلدين. تعددت المصالح وتوزعت بين الولاءات التي تقف مع طرف وضد الطرف الآخر، فهل من سبيل الى خلق علاقات مستقبلية ما بين الدولتين في ظل هذا التباينات الواضحة بينهما؟ وما هي المحفزات التي يمكن أن يدفع طرفاً من الأطراف للسير خطوة بإتجاه الحل أو التقارب في المستقبل ؟

هذه الأسئلة تطرح نفسها في هذه المرحلة الحرجة دون أن يلوح في الأفق بارقة أمل أو بصيص من نور، و بالرجوع الى تصريحات حكومة الخرطوم أو حكومة الجنوب، يجد المتتبع أن الهوة تتسع يوماً بعد آخر نتيجة للمستجدات التي تحدث بين الفينة والأخرى ، على جانبي حدود البلدين. كل هذا يؤدي الى المزيد من التوتر وتوصد أية فرصة للتقارب أو الحل بالرغم من جهود الوسطاء والضغوط الدولية.

الرسائل السلبية التي تصدر من أي طرف من الأطراف لا تخدم فرصة التوصل الى أي إتفاق، وتزيد في توتر الأوضاع. قد يتساءل سائل ما الذي يريده كل طرف من الطرف الآخر؟ وهل بمقدور أي طرف من الأطراف، الإلتزام تبعاً لرغبة الطرف الآخر في إطار المصلحة الوطنية؟ أم أن هناك أجندات خفية ليست لها علاقة مباشرة بالمصلحة الوطنية لكلا الطرفين؟

الضغوطات الدولية والوساطات تطل برأسها في الشأن السودان وجنوب السودان، ويبدو أنها بدأت تعيد الأطراف المتناحرة والمتصارعة الى طاولة المفاوضات. ولكن يمكن للوساطة أن تثمر في حالة واحدة: عندما يشعر كل طرف من أن الوسيط لايمارس الإزدواجية في تعامله مع أي طرف من الأطراف.

انعدام اللغة المشتركة بين النظامين لا يبشر بعلاقات مستقبلية سلمية بين البلدين الجارين

وهذه النظرة نجدها بائنة في السودان حيث ظلت القيادات في دولة الشمال تشكك وتردد عبارات مثل ”دولة الجنوب تتلقى دعماً من الولايات المتحدة وإسرائيل“ وأن القيادات الجنوبية تأتيها الأوامر من الخارج. نظرة الشك هذه ربما تقف حائلاً بين أي جهود قد تأتي من الخارج.

الأمم المتحدة طلبت من الدولتين الدخول في مفاوضات مباشرة لحل القضايا العالقة ووعدت بفرض عقوبات على الدولتين وهدد الإتحاد الأفريقي الدولتين بحل خلافاتهما خلال ثلاثة أشهر، فهل تجدي هذه المساعي لجر الطرفين الى إتفاق مستدام؟ أم ينتهي الأمر بزوال أحد النظاميين الحاكميين؟

ذهاب أي نظام من النظامين الحاكمين قد يكون الحل الأمثل، لأن انعدام اللغة المشتركة بين النظامين لا يبشر بعلاقات مستقبلية سلمية بين البلدين الجارين، وسوف تظل أجواء التوتر قائمة رغم إدعاء كل طرف قبوله للقرار الدولي الخاص بوقف العدائيات واستعداده للتفاوض من أجل السلام.