الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

٥\العمل: الخمول عذاب
أدرس مجالاً، وأعمل في آخر

هادية إلياس
دون علاقات شخصية أو وساطات، ليست هناك ضمانات للحصول على وظيفة، حتى بعد الحصول على أعلى شهادات الديبلوم والدرجات.
25.12.2016  |  الخرطوم، السودان
مجموعة شباب من خريجي الجامعات يجلسون عند بائعة شاي بالقرب من جامعة الخرطوم، ١٥ أغسطس، ٢٠١٦.  (الصورة: النيلان | محمد هلالي)
مجموعة شباب من خريجي الجامعات يجلسون عند بائعة شاي بالقرب من جامعة الخرطوم، ١٥ أغسطس، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | محمد هلالي)

راشد أمين، ٣٠ سنة، تخرج من هندسة نسيج في عام ٢٠٠٦، ولم يعمل في المجال الذي تخصص فيه أبداً. عمل في مجالات أخرى مرتبطة بعلم الإدارة لفترات طويلة. وقرر الآن تغيير مجال عمله تماماً.

"مشكلة البطالة مرتبطة في الأساس بنظرة المجتمع للوظيفة والتخصص"، يقول أمين موضحاً أن نظرة المجتمع تقسم العمل إلى وظيفة محترمة وأخرى غير ذلك. هذه مشكلة حقيقية تجعل كل الناس يرغبون في أن يعمل أبناؤهم في وظائف محددة دون مراعاة لرغبات أبنائهم، وحتى دون فهم لتكامل أدوار المجتمع من خلال العمل في حد ذاته."

نجد عدداً كبيراً من خريجي الهندسة أو الطب عاطلين عن العمل، لأن تلك الدراسات لم تكن رغبتهم الأساسية منذ البداية.“ 
راشد أمين

يقول أمين إن أغلبية الأسر السودانية تريد أن يدرس أبناؤها طب أو هندسة، ولا تقبل أن يدرسوا الفنون أو الموسيقى مثلاً، لذا "نجد عدداً كبيراً من خريجي الهندسة أو الطب عاطلين عن العمل، لأن تلك الدراسات لم تكن رغبتهم الأساسية منذ البداية".

الدراسة لا تضمن العمل

وفقا لآخر تقرير لوزارة العمل السودانية، الصادر في أيار/مايو ٢٠١٦، بلغت نسبة البطالة في السودان ١٩ في المائة، منهم حوالي ١٧ في المائة من الخريجين الجامعيين.

كشف وزير تنمية الموارد البشرية، الصادق الهادي المهدي، أن وزارته تهدف إلى توسيع ماعون العمل بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، من خلال إنشاء كليات مواكبة لمتطلبات سوق العمل. وكشف الوزير عن جملة من التحديات تواجه عمل الوزارة، لاسيما في مجالي التدريب وتشغيل الخريجين.

ضعف التمويل أدى للعجز الذي يعاني منه الصندوق القومي للتدريب.“ 
الصادق الهادي المهدي

"الشكل غير المنظم لعملية التدريب ينعكس سلباً على توزيع الفرص المتاحة بالتساوي." كما أن "ضعف التمويل أدى كذلك للعجز الذي يعاني منه الصندوق القومي للتدريب"، يضيف المهدي.

غير أن نسب البطالة تبقى مرتفعة رغم الجهود التي ترعاها الحكومة للحد من هذه الظاهرة. من ضمن هذه الجهود: تسليف الشباب قروض قد تصل إلى ٢٠ ألف جنيه سوداني (ما يقارب ٣١٤٨ دولار أمريكي)، من قبل حوالي ٣٣ مؤسسة تتبع لبنك السودان المركزي، بعد إجراءات وضمانات كثيرة بطبيعة الحال. ذلك إلى جانب لجنة الاختيار التي تعمل على توظيف الخريجين في الخدمة المدنية العامة، بالإضافة إلى مجهودات كثيرة مرتبطة بالتدريب والتأهيل تقوم بها وزارة تنمية الموارد البشرية بالتعاون مع وزارات العمل والرعاية الاجتماعية والتعليم العالي، لتشجيع الشباب الخريجين من الجنسين على إنشاء مشاريع صغيرة.


بطالة مقَنَّعة ومحسوبية

من جانب آخر، يعتبر البعض هذه النسب غير صحيحة، بل يجدها باحثون ومهتمون بأزمة البطالة في السودان بعيدة تماماً عن الحقيقة.

"الخطورة الحقيقية تتمثل في البطالة المستترة المرتبطة بالشباب الذين لديهم وظائف، ولكن ليس لديهم عمل يقومون به"، يقول الباحث الاجتماعي علي باوقة الحاج، المهتم بهذا الشأن وله عدد من البحوث فيه من خلال موقعه كمتعاون في مؤسسات الرعاية الاجتماعية السودانية. هذه الظاهرة موجودة بكثرة "في القطاع العام والمؤسسات الحكومية، إذ يمكنك أن تجد مكتباً يحتوي على أكثر من عشرة موظفين، في حين يقوم شخصان فقط بكل العمل في هذا المكتب".

المحسوبية والوساطات تيسر إيجاد وظيفة لشخص بلا مؤهلات.“
علي باوقة الحاج

ويرى الحاج أن "المحسوبية والوساطات هي سبب رئيسي في انتشار هذه المسألة، بحيث أنها تيسر إيجاد وظيفة لشخص بلا مؤهلات". ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن عمل أي شخص في مجال غير المجال الذي تأهل فيه أكاديمياً يمكن أن يعتبر بطالة مستترة، موضحاً أن "كل التجارب أثبتت أن أي شخص يعمل في مجال غير الذي تأهل فيه أكاديمياً يكون أداؤه ضعيفاً فيه، وغير متكامل ويتضمن العديد من المشاكل". وأشار إلى أن هذا الأمر يبدو واضحاً أكثر في "المجالات المرتبطة بالدراسات النظرية وجوانب العمل الاجتماعي".

 

تبعات أخرى

للبطالة تبعات أخرى، وتأثيرات سلبية أدت لمشاكل أخرى كبيرة، فقد "أثبتت الدراسات أن قضايا الطلاق والعنف ضد الأطفال والتحرش بكل أنواعه وانتشار المخدرات وسط الشباب وغيرها من المشكلات، مرتبطة بصورة أو بأخرى بالبطالة"، يفسر الحاج. كما أن "الضغط النفسي الذي يقع على عاتق العاطلين عن العمل يسبب كثيراً من المشاكل. لذلك ارتبط كثير من الأزمات الاجتماعية بالعاطلين عن العمل".

 

معالجات مؤقتة

يعتبر الحاج أنه لا يوجد أي بُعد استراتيجي للحلول التي تقدمها الدولة، أو للمحاولات التي تتبناها للحد من هذه الظاهرة. وشكَّكَ في النسب الحكومية للبطالة، مشيراً إلى أن كل الأرقام المعلنة غير حقيقية. "حلول مثل التمويل الأصغر ولجنة الاختيار للخدمة المدنية هي حلول فاشلة وغير مجدية، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في أن سوق العمل لا يستوعب الكم الهائل من الخريجين"، يفسر الحاج.

لقد أصبحت الهجرة الحل الوحيد أمام أغلب الشباب الآن في السودان.“ 
تسنيم الماحي

"هنالك عدد كبير من المؤهلين خارج إطار ماعون العمل، مقابل عدد ضئيل من غير المؤهلين الذين يجدون وظائف بناء على انتماءاتهم السياسية أو لأسباب اجتماعية." وأضاف الحاج أن "التمويل الأصغر محدود جداً على مستوى السودان، والحملة الإعلامية والجانب السياسي له أكبر بكثير جداً من حجمه الطبيعي. الأمر الذي لا يساهم في حل مشكلة البطالة إطلاقاً".

 

الحل في الهجرة

"منذ تخرجي سنة ٢٠٠٩، عملت لمدة عامين فقط، وفي مجال غير مجال دراستي"، تقول تسنيم الماحي، التي درست تنمية ريفية. "تقدمت للحصول على وظيفة في الخدمة المدنية عن طريق لجنة الاختيار كذا مرة، ولكن بدون فائدة، فالوظائف لأشخاص محددين بحسب الانتماءات السياسية والاجتماعية. إجراءات التمويل صعبة للغاية وتتطلب ضمانات وحساب في الخدمة، وتزيد الفائدة مع زيادة فترة تسديد القروض. من الأساس المبالغ التي تتم الموافقة عليها كقروض غير كافية لبداية أي مشروع، وقد يتعرض الشباب المستدينون لمشاكل، وربما يدخلون السجن بسبب الديون."

تعرف الماحي عدداً كبيراً من الشباب الذين واجهتهم مشاكل في السداد بعد أن فشلوا في تأسيس مشاريع، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية غير المستقرة. وتؤكد تسنيم أن أغلبية من تعرفهم بلا عمل، والنسبة الأكبر وسط البنات. "لقد أصبحت الهجرة الحل الوحيد أمام أغلب الشباب الآن في السودان."

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#السكان: لم يُرْسَل أحد ليرى
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.