الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

١\ الهوية: قد تظهر الانعكاسات أقرب مما تبدو
لا يستطيع الديك أن يصيح في بيت الجيران

أبرهام داليانق ماكر
أينما ذهب كان يجد بانتظاره عبارة مكررة تتساءل عن هويته.
19.12.2016  |  نيروبي، كينيا
مختبر للإعلام الاجتماعي في نهر النيل. (الصورة: محمد نور الدين عبد الله | رويترز)
مختبر للإعلام الاجتماعي في نهر النيل. (الصورة: محمد نور الدين عبد الله | رويترز)

يسهل تمييزنا من بشرتنا الأبنوسية وقاماتنا الطويلة والنحيلة. أما الوحمات بالنسبة للآخرين فهي ندبات وجوهنا: الوشوم الجميلة على وجوه النوير والخطوط المتعرجة على جباه الدينكا والنوير، والندوب المنقطة على وجنات أبناء الشيلوك، وعلامات أخرى على أجساد أفراد بعض القبائل الأخرى. يسألني بعض الأجانب كيف نجوت من تشطيب الوجه، فيستغرق التفسير وقتاً طويلاً، مهما كان الشرح الذي أقدمه لإقناعهم.

لماذا تقتلون بعضكم؟ ما الذي تستفيدونه من ذلك؟“

لكن الأسئلة لا تتوقف عند شكلي الخارجي: "لماذا تقتلون بعضكم؟ ما الذي تستفيدونه من ذلك؟" ولا أجد رداً صحيحاً، لأني أنا أيضاً لا أعرف لماذا يقتل بعضهم بعضاً.

كلما واجهني هذا السؤال، تندفع داخلي طباع الغطرسة وحب الحروب، وهي صفات طالما أطلقت علي، فيرتفع ضغط دمي ملايين المرات مطلقًا كميات هائلة من الأدرنالين إلى الأوعية الدموية في جسدي. وهناك، تعمل مضخات الحرارة عبر أذني ودماغي لتجعلها تقذف حمم براكين يمكن أن تحرق صاحب السؤال.

الشيء المفرح أن المشهد كله لا يستغرق سوى بضع ثوانٍ، وعندما ينخفض ضغط دمي وتهدأ حمم براكيني أكتفي بالقول: "الله يعافي بلدي. ادعوا لنا."

 

يقولون أننا متغطرسون 

بعد وصولي إلى نيروبي في كينيا مؤخراً، خرجت السائقة، التي انتظرتني في المطار، عن صمتها الطويل وأخبرتني أن مواطني جنوب السودان يعيشون في كل أنحاء المدينة، وبينت مقدار الغطرسة لدى بعضهم، لاسيما جيرانها الذين يحولون مشاجرات الأطفال إلى معارك واسعة تشمل الكبار.

سألتني السائقة: "ما سبب كل هذه الغطرسة لديكم؟ لماذا تحبون القتال دائماً؟ بعض أبناء جلدتك هم دائماً من يبدأ القتال مع المواطنين الكينيين دون أن يدركوا أنهم يعيشون في بلد أجنبي". لم أحر جواباً. كل ما استطعت أن أفعله هو التحديق في الفضاء كعنزة مستغرقة في حيرتها أين ومتى تأكل العشب القليل المتبقي. خطر لي القول المأثور: "لا يستطيع الديك أن يصيح في بيت الجيران."

لا تظهر الفوضى في بيتك حتى تغادره. وها أنا ذا أرى مدى ما وصلت إليه الفوضى في بلدي بالنسبة للناظر من الخارج. كلما تحاورت مع أبناء الجنسيات الأخرى ألحظ تعاطفًا، ولكنني أيضاً ألحظ اشمئزازاً على وجوههم عندما أخبرهم أنني من جنوب السودان.

بعضهم يعبر عن أسفه لما حدث في بلدي ولأهل بلدي، في حين يسألني آخرون عن سبب استمرار أهل جنوب السودان بقتل بعضهم بعضاً بعد الاستقلال. يتعاطف بعضهم معنا بصدق بينما يعبر غيرهم عن ذلك من باب المجاملة فقط. دفعني هذا إلى آلية دفاع جعلتني، عندما ألتقي أحداً، أعرف بنفسي تلقائياً وأبدأ فوراً بشرح أن الحرب انتهت وأن السلام يعم على يد حكومة الوحدة الانتقالية التي استلمت زمام الأمور، حتى لو لم يطلب مني أحد تفسيراً.

 

يقولون أننا عدوانيون

لم أكن أعلم أن هناك معضلة أخرى ستنتفض من جديد في جوبا، وأنها ستحمل صور بلدنا إلى شاشات التلفزيون العالمية، ليس لأننا اخترعنا آلة تنقذ حياة الناس، بل لأننا بدأنا حرباً جديدة بعد أقل من شهرين من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

ولهذا أستطيع أن أقرأ أفكار الجميع: "من ذا الذي يهتم لحكومة الوحدة الوطنية عندكم بعدما عبثتم ودمرتم أرواحكم وبلدكم؟" هم لا يقولون هذا بصوت عالٍ لكني أراه في عيونهم.

وكلما اقتربت من مجموعة أشخاص أدعو الله في نفسي ألا يسألني أحدهم من أي بلد أنا. وكلما ازددت توسلاً إلى الله، زاد احتمال تعرضي للسؤال، وحاولت أن أشرح لهم تفاصيل عملية السلام. يستغرق الشرح لكل من يسألني عن الحرب في بلدي قدراً كبيراً من جهدي ووقتي لكي أخبرهم بأن الوضع ليس كما يظنون وأطمئنهم بأن السلام سيخيم عليه يوماً ما.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#السكان: لم يُرْسَل أحد ليرى
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.