الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

خمسة أيام في فقاك

فاطمة غزالي
خلال حرب جنوب السودان، أمضت مراسلة النيلان فاطمة غزالي خمسة أيام في شهر كانون أول/ديسمبر ٢٠١٤، وهي تغطي مؤتمر الحركة الشعبية في المعارضة، بحيث قارنت المجموعة المتمردة إيجابيات وسلبيات الحرب، رغم محادثات السلام الجارية.
23.11.2016  |  فقاك، جنوب السودان
 الجيش الشعبي لتحرير السودان - في المعارضة، جوبا، سابع أبريل، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)
الجيش الشعبي لتحرير السودان - في المعارضة، جوبا، سابع أبريل، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)

الطريق إلى منطقة فقاك لم يكن سهلاً من كافة النواحي. شبح التهديدات الأمنية يلوح في كل مكان، بخاصة وأن المنطقة كانت هدفاً استراتيجياً يتطلع سلفاكير ميارديت، رئيس حكومة جنوب السودان، الوصول إليه. تعد فقاك العاصمة السياسية الثانية لرياك مشار بعد مدينة الناصر، المعقل السياسي لحركته المعارضة.

نقاش حاد دار بيني وبين ذاتي وأنا أستعد للرحيل إلى منطقة تتناسب نسبة المخاطر فيها تناسباً طردياً مع تصاعد حدة الحرب بين سلفاكير ورياك. لم ينقذني من هذه الهواجس إلا سلطان النوم. سمعت قصصاً كثيرة عن فقر المنطقة. هذا بالإضافة إلى حاجز اللغة، بخاصة وأني أغطي حدثاً وسط مجموعة أغلبها تتحدث اللغات المحلية. مع علمي أن من يتقن لغة النوير يملك مفاتح العيش هناك بلا عقبات.

من غامبيلا إلى فقاك  

صبيحة الخامس من كانون أول/ديسمبر ٢٠١٤ كان ميقات الرحيل إلى فقاك. غادرت أديس أبابا جواً إلى مدينة غامبيلا، المنطقة الحدودية بين دولتي جنوب السودان وإثيوبيا ومنها إلى بلدة فقاك. رغم أن غامبيلا مدينة إثيوبية، إلا أن لسان حالها يقول إنها تتبع لجنوب السودان، نسبة للتواجد الكثيف لقبيلة النوير فيها. حتى حاكم غامبيلا من قبيلة النوير. هذه المدينة خضعت للمساومة المناطقية بين السودان وإثيوبيا. تنازل السودان عن غامبيلا لإثيوبيا مقابل تنازل إثيوبيا للسودان عن مدينة كسلا، إبان عهد الرئيس السوداني الأسبق الفريق عبود. 

على الطريق بين غامبيلا وفقاك تتناثر خيام مخيمات اللاجئين من جنوب السودان. 

تلاقت معظم قيادات الحركة الشعبية في المعارضة المتجهة إلى مؤتمر فقاك في غامبيلا، أبرزهم إدوارد لينو، المسؤول الأمني السابق في الحركة الشعبية. إذ يعد لينو من أكثر الشخصيات التي تلم بالتفاصيل الدقيقة للحركة الشعبية. حضر كذلك عدد من القيادات الجنوبية التي كانت خارج منظومة الحركة الشعبية، ولكنها انضمت لمشار بعد اندلاع الحرب.

عند حلول الواحدة ظهراً، تحركنا من مدينة غامبيلا وسط حراسة أمنية وعدد ليس بالقليل من الجنود. الطريق لا يخلو من المخاوف والمخاطر، خصوصاً مع الهجوم المتوقع لقوات سلفاكير. إجهاض قيام مؤتمر رياك كان ليمثل نجاحاً كبيراً للحكومة على أرض الصراع.

 كما هي العادة في السودان وجنوب السودان، ذبحت الأبقار وسط الأغاني والرقصات.

كان الاستعداد العسكري لمشار في أعلى الدرجات. طوقت الحشود العسكرية الضخمة التابعة له، بالإضافة إلى جيشه الأبيض، فقاك وما حولها من القرى. وسط كل هذه الرهبة تم تنظيم استقبال جماهيري من مؤيدي مشار لملاقاة قائدهم. كما هي العادة في السودان وجنوب السودان، ذبحت الأبقار وسط الأغاني والرقصات. أغاني تعبر عن الرغبة في السلام تخللت تلك التي تمجد قوة قبيلة النوير وتعبِّر عن تأييدهم لقياداتهم.

في الثالثة ظهراً دخلنا فقاك وسط إجراءات أمنية مشددة. لا استثناء لأحد من التفتيش الدقيق سوى قيادات الحركة والأعيان. الأغلبية المرافقة لدكتور مشار خضعت للتفتيش نساء ورجالاً. الحس الأمني وصل أقصى درجاته، خصوصاً أن هذه المنطقة لا تبعد سوى ساعتين من أماكن تواجد  قوات سلفاكير. 

اكتسح الزيّ العسكري المنطقة. أفراد القوات المقاتلة مدججين بالأسلحة. تقرأ الشراسة في أعينهم التي تحمل الشك والتساؤلات، رغم معرفتهم بأن البلدة ستحتضن مؤتمرين قادمين من دولة الجنوب ودول المهجر واللجوء، ولكن المزاج العسكري سيطر على السلوك. 

تقرأ الشراسة في أعينهم التي تحمل الشك والتساؤلات.

بلدة فقاك لا تختلف عن ملامح المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية. الطرقات مزدحمة بالعسكر، وسوق البلدة تدور حوله العربات العسكرية، باعتبار أن الأسواق هي بؤرة للأعداء الذين يتسللون لممارسة عملية التجسس.

عند التحرك في هذه المنطقة لا بد من الحذر، والأفضل أن يتم ذلك بصحبة من يتحدث اللغة المحلية، لهذا حرصت في الأيام الأولى أن يكون برفقتي من يجيد النوير. 

عادةً كنت أتحرك في البلدة ما بين مقر إقامتي بمنظمة أَدرا (وكالة الأدفنتست للإغاثة والتنمية الدولية)، ومنزل مشار، والسوق، ومقر المؤتمر، ضمن مجموعة ضمت بعض الزملاء الصحافيين من جهة، وأعضاء في الحركة من جهة أخرى. 

في الطريق إلى منزل مشار، وقبل الوصول إليه بآلاف الأمتار، جلس أحد رجال الأمن يرتدي الزيِّ المدني، مهمته هي تفتيش الحقائب. انتشرت قوات ترتدي الزيِّ العسكري وهي مدججة بالأسلحة على طول الطريق إلى بوابة المنزل. 

أمام مدخل المنزل تجد نوعاً آخر من الحراسة المشددة، صرامة الوجوه أقوى من الأسلحة التي يحملونها. من الصعوبة دخول المنزل ما لم يكن لديك موعد مسبق هناك وسبب وجيه، أو أن تلمحك أنجلينا تيني، زوجة مشار، أو أحد موظفي مكتبه ليطلب من الحرس السماح لك بالدخول. 

ثقافة الحرب الطويلة فتحت الباب على مصراعيه لسيطرة مفهوم التأمين العالي للقيادات، خشية من الاغتيالات. أغلبهم محافظون على ثقافة الحرب وأعرافها وتقاليدها وقوانينها، ولا تفصلهم عن حياة الغابة مدة طويلة بعد ظهور شبح الحرب من جديد. تراجعت شدة الإجراءات الأمنية قليلاً عندما وجه مشار قواته بخفض درجة التشدد والشك. 

من عادات بعض أفراد الشعب السوداني في جنوبه وشماله عشق التحلق حول الزعيم أو القائد، والبحث عن موضوع لملاقاته والتحدث معه. لذا تجد مشار إما في جلسات غير رسمية أو في اجتماعات فردية لساعات طويلة. مثله مثل الكثير من القادة السياسيين في السودانين، الذين لا يملون من التفاف مؤيديهم حولهم، لذا رغم الإجراءات الأمنية المشددة لم يخل منزله من الحركة. 

يستقبل مشار مؤيديه بابتسامة مشعة، ومزاج يعبِّر عن روح مرحة.

يستقبل مشار مؤيديه بابتسامة مشعة، ومزاج يعبِّر عن روح مرحة، ويوزع عباراته ضاحكاً هنا وهناك. من الصعب أن تصدق أن هذا هو نفس الرجل الذي قاد "مذبحة بور" سنة ١٩٩١، عندما قتل النوير الموالون له ألفي مدني على الأقل من قبيلة الدينكا، التي كان الراحل جون قرنق ينتمي لها. اعتذر مشار لدوره في المذبحة سنة ٢٠١١، ولكن "الخيانة"، كما وصفها قرنق، مازالت حية في ذاكرة الدينكا بور إلى اليوم. 

أنجلينا تيني، زوجة مشار، والملقبة بـ "ماما أنجلينا"، قيادية سياسية وتنتمي إلى وفد اللجنة الأمنية. أثناء المؤتمر كانت في نفس الوقت الزوجة التي تكرم ضيوفها والقيادية الصارمة.

شخصيتها القوية اختصرت عليها مسافات طويلة للتعاطي مع مجتمعها الذي يقدس الرجل، إلى أن حظيت بمكانة تحسد عليها، بل أصبح البعض غير راضٍ عن حرصها على معرفة تفاصيل الأشياء ومتابعة كل ما يقال لمشار.

رغم أنها وقفت بقوة أثناء منافستها لتعبان دنيق في الانتخابات، إلا أنها جلست بجانبه في مؤتمر الحركة الشعبية. هي تدرك جيداً أنه في السياسة، لا خصومة دائمة ولا صداقة دائمة.

نزول عدد ليس بالقليل من الناس فجأة إلى منطقة صغيرة وفقيرة، له تأثيرات على حركة البلدة التجارية التي تعتمد على إثيوبيا في جلب موادها الغذائية البسيطة.

ارتفعت أسعار المواد الغذائية وأصبحت ثمن قارورة المياه الصغيرة ٢٥ بر أثيوبي عوضاً عن عشرة بر، كما ارتفع سعر المأكولات.

لم تكن هناك مطاعم منظمة باستثناء مطعم صاحبته حبشية. ولكن من الواضح أن عدداً كبيراً من سكان البلدة حولوا منازلهم البسيطة المشيدة من القش إلى مطاعم ومحلات لبيع الشاي والقهوة.

شكا بعض المواطنين من كثرة الضغط على خدماتهم الضعيفة. ولكن هناك وجه مشرق لهذا الحراك، فقد ارتفع دخل الفرد اليومي في فقاك، بخاصّة وأن المؤتمرين يعتبرون السوق المنفذ الوحيد لكسر الملل بالنسبة للبعض، ومكان للأخذ والرد للبعض الآخر.

 عسكرة فقاك ليست أمراً غريباً على المنطقة، التي استغلتها الحركة الشعبية معبراً في حربها الطويلة.

تبدو على فقاك علامات الإهمال الواضحة. لم تحظ باهتمام تنموي، مثلها مثل الكثير من مناطق الجنوب. عسكرة فقاك ليست أمراً غريباً على المنطقة، التي استغلتها الحركة الشعبية معبراً في حربها الطويلة مع الشمال. تعكس ملامحها وبساطة واقعها وفقرها غياب الوفاء لها بشيء من التنمية. احتضانها للعمل المسلح لم يرفع أسهمها في بورصة الحركة الشعبية حينما وقعت اتفاقية السلام ونال الجنوب استقلاله بعد الفترة الانتقالية. قسوة الحياة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء. 

اتخذ مشار فقاك، التي تسكنها قبيلة واحدة – النوير، العاصمة الثانية بعد الناصر لممارسة أنشطته السياسية والعسكرية. ظل السكان في انتظار بدء المؤتمر. كل يوم يمر في مكان إقامة المؤتمرين تجد نيران الحطب مشتعلة لتقديم ثلاث وجبات كل يوم. الكبكبي بالأرز أو العصيدة هي الوجبة الأكثر قبولاً، بالإضافة إلى السمك بالأرز. تناول المؤتمرون كذلك البلح والفول السوداني والبسكويت.

شيء من المعاناة فرضته ظروف المنطقة الفقيرة، التي لا تتمتع بشبكة مياه أو كهرباء. مضخة وحيدة كانت مصدر المياه. ضوء خافت يأتي من مقر المنظمة الإفريقية للإغاثة، التي تستخدم المولدات الكهربائية من الساعة السابعة مساءً حتى الساعة العاشرة مساءً. بعدها تدخل البلدة في الظلمة التي تتراجع عند بزوغ الفجر. 

أفخر بنايتين في البلدة هما لمنظمتي "أدرا" و"كير"، إذ لهما ميزة الاتصال بالإنترنت الذي يسمح به لدقائق معدودة. منزل مشار مُشيَّد من أكواخ القش. القادمون من أوروبا وأمريكا وأستراليا وشرق إفريقيا والخرطوم جميعهم تكيفوا مع الوضع.

انطلاق المؤتمر

وسط حشد عسكري ضخم من جيش مشار والجيش الأبيض، بدأت يوم الاثنين الثامن من كانون أول/ديسمبر ٢٠١٤ فعاليات مؤتمر الحركة الشعبية في المعارضة.

انتظر المؤتمر حضور كل الحكام العسكريين والقيادات العسكرية الميدانية حرصاً على تماسك الحركة والخروج بموقف موحد. كان ذلك لازماً، خصوصاً وأنّ بعض الشائعات شككت في مشاركة عدد من القيادات العسكرية في المؤتمر بدعوى أنها رافضة لخيار السلام. لهذا تأخر المؤتمر عن موعد انعقاده لمدة خمسة أيام، حتى وصل آخر وفد عسكري من المناطق المحررة.

إجراءات أمنية خاصة طوَّقت مكان انعقاد المؤتمر الذي كان يبعد حوالي ربع ساعة من منزل مشار. قبل انطلاق المؤتمر، قدم الجيش الأبيض استعراضاً عسكرياً، تعبيراً عن جاهزيتهم لحماية البلدة والمؤتمرين. وقدرت المجموعة التي طوقت فقاك بحوالي ٥ آلاف جندي، من الجيش الأبيض والقوات المنتظمة في جيش الشعبي المعارض.

في كل صباح كان أهل البلدة يحضرون مبكراً إلى مقر المؤتمر، ليمارسوا الطقوس وترانيم الإنجيل، يتقدمهم القساوسة والراهبات. ظلوا يمارسون هذه العادة إلى أن انطلقت فعاليات المؤتمر، بحضور مؤيدي مشار، ممثلين للإيقاد وبعض الشخصيات الأجنبية، بما فيهم شخصي، الصحافية الوحيدة التي حضرت فعاليات المؤتمر منذ افتتاحه وحتى ختامه.

طقوس النوير

بدأت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، الذي استمر خمسة أيام، بالسلام الجمهوري، ثم بصلوات من الإنجيل باعتباره دين الأغلبية. وبعد ذلك تلاوة آيات من القرآن الكريم تعبيراً عن احترام المسلمين منهم، وتأكيداً على التسامح الديني. قامت بعض نساء النوير بطقوس خاصّة تخللتها الأغاني. بعد ذلك ظهر مشار وألفريد لادوا قورو، نائب رئيس الحركة وهو من قبيلة المورلي، وتعبان دنيق، رئيس الوفد المفاوض والقائد العسكري، بزيِّ محلي تقليدي. أخذت بعد ذلك صور تذكارية مع ممثلي الإيقاد ووفد التفاوض. لم تفارق الموسيقى والأغاني الحماسية والأشعار بلغة النوير أجواء المؤتمر.

بعض الأشعار كانت هجاء للحرب وبعضها الآخر عبّر عن شجاعة النوير ومعرفتهم بفنون القتال وتحملهم لقسوة المعارك وشراستها. ومنها عبّرت عن الرفض للظلم والقهر والفساد ونهب أموال الشعب. كنت حريصة على معرفة ما يقال بلغة النوير، لذلك سعدت بالترجمة الفورية من النوير إلى الإنجليزية والعربية والعكس.

لم تفارق الموسيقى والأغاني الحماسية والأشعار بلغة النوير أجواء المؤتمر.

ساد نوع من الصمت إعلاناً لبداية مناقشة قضايا من أجلها تنادى المؤتمرون: السلام، الحرب، الحكم الراشد في جنوب السودان، وحدة الحركة الشعبية الحاكمة والمعارضة.

سيطرت القيادات العسكرية على الصفوف الأمامية للمؤتمر وعلامات الرتب العسكرية والأوسمة على أزيائهم.

كل حركاتهم تدل على الزهو، بخاصّة الفريق بيتر قديت المقاتل الميداني الشرس في ولاية الوحدة. أشاد العديدون بخطابه على أنه خطاب بليغ حمل رسالة قوية.

استعادة مرارات الحرب

اتسمت أجواء النقاش في المؤتمر بالشفافية والحرية. لم يقاطع مشار أي شخص وقف على المنصة، حتى لو تحدث ساعة. استعاد عدد من المؤتمرين مرارات أحداث ليلة ١٦ كانون أول/ديسمبر في مدينة جوبا، التي أعلنت بداية الحرب. شنوا هجماً عنيفاً على سلفاكير، واعتبروا أعمال العنف في جوبا تطهيراً وإبادة جماعية. قالوا إن النوير هم الذين واجهوا القتل وحدهم في جوبا. تطرّق البعض لرفض سلفاكير على كرسي الرئاسة.

بَرَّأَ أبناء الدينكا في حركة مشار قبيلة الدينكا من أحداث جوبا، وقالوا إنه سلوك خاص بسلفاكير ومجموعته المستفيدة من ثروات جنوب السودان. تعهدوا بالعمل لتحقيق أهداف ثورة مشار، وأشاروا إلى العلاقة الاجتماعية المتينة مع النوير.

 طرحوا السؤال: "أيهما أول السلام أو المحاسبة؟"

نالت أوغندا من الهجوم نصيب الأسد في المؤتمر، فقد اعتبر المتحدثون أنها تسعى لنهب ثروات بلادهم. اشترطوا خروج قواتها كخطوة تمثل عربوناً لاتفاقية السلام، وقطعوا عهداً بأن مشار، كرئيس للوزراء، لن يمثل النوير فقط، بل شعب جنوب السودان كاملاً، وأنه سيحفظ موارده من الهيمنة الأجنبية.

طرحت قضية السلام والعدالة في إطار أولويات المجتمع الدولي. أقرّ بعض المؤتمرين بأن سياسة المجتمع الدولي تختلف عن تفكير الحركة. طرحوا السؤال: "أيهما أول السلام أو المحاسبة؟"

قال الحاضرون إن الأولوية للسلام قبل المحاسبة، لأن العدالة تمر بخطوات التحري والتحقيق الطويلة قبل مرحلة المحاسبة الجنائية. ولكنهم أشاروا إلى أن الأدلة والشواهد محسومة في مسألة الإبادة الجماعية للنوير.

الاتجاه العام للمؤتمرين مضى نحو تطبيق فدرالية بإنشاء ٢١ ولاية. أما في الجانب الأمني، فطالبوا بقومية الجيش والشرطة والأمن وبإبعاد الطابع القبلي والإثني من كل مؤسسات الدولة. 

وشدد المتحدثون على ضرورة عمل الإدارة الأهلية على نشر السلام الاجتماعي، والابتعاد عن التسييس القبلي والإثني في العمل السياسي والخدمة المدنية.

ومن ضمن خططهم المستقبلية، قرروا أن يتم التوظيف وفقاً للكفاءة والخبرة، وأن يتم تشجيع النمو الاقتصادي والاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية، والتوعية بتغيير ثقافة الرعاة لكي تساهم الثروة الحيوانية في الاقتصاد.

قالوا إنهم سيستغلون دخل البترول لتأسيس البنية التحتية كالطرق والمواصلات وربط المدن بالأرياف عبر طرق رئيسية. وتحدثوا كذلك عن إنشاء مشاريع وسدود لتوفير الكهرباء، وتشجيع القطاع الخاص الوطني على الاستثمار وقيادة التنمية.

مع مرور الوقت، تبلورت الرؤى حول عملية السلام والحرب وشكل الحكم. في هذا المناخ السياسي العسكري هناك سؤال يطرح نفسه: هل بلدة فقاك الفصل الأخير لنبوءة وندينق؟ تقول النبوءة إن رجلاً من أبناء النوير سيحكم الجنوب بعد قيام الدولة واشتعال حرب شاملة. 

كان أنصار سلفاكير يقولون إن هذه النبوءة كانت إحدى دوافع خروج رياك مشار من الحركة الشعبية سنة ١٩٩١. واليوم يعيد التاريخ نفسه.  فجر مشار الحرب ليحقق النبوءة بحكم جنوب السودان بعد الاستقلال.

بعد نقاشٍ طويل لقضايا المؤتمر قدمت اللجان المختصة تقاريرها. عرض رئيس الشؤون الإنسانية حسين مار توت واقع الأوضاع في مناطق الحركة ووصفها بالسيئة للغاية بسبب النقص الحاد للغذاء والدواء، بخاصة في منطقة ود كونا، التي تقع في الضفة الغربية للرنك.

وشكا حسين مار من استهداف الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة جنوب السودان للموظفين المحليين، مما تسبب في نقص الكوادر المحلية التي تمثل حلقة الوصل بين مجتمع النازحين والمتأثرين بالحرب من جهة، والأجانب في المنظمات الدولية من جهة أخرى.

الموقف الإنساني يواجه تحديات كبيرة، قال مار، بخاصة وأن طائرات الأمم المتحدة ترفض اصطحاب المتأثرين بالحرب. أضاف مار أن هنالك حوالي ٢٩٢ ألف نازح بولاية الوحدة، و٢٧٥ ألف في ولاية أعالي النيل، و٦٢٠ في ولاية جونقلي، وقطع بأن هؤلاء جميعهم بحاجة إلى خدمات عاجلة. هذا بالإضافة إلى الأعداد الأخرى التي فرت إلى كينيا وإثيوبيا وأوغندا والسودان. لقد كشفت لجنة الصحة برئاسة اليزبيث بول عن اتجاهات لفتح مراكز صحية في المناطق المحررة والمناطق الحدودية لجنوب السودان مع السودان وإثيوبيا وكينيا. عندما تبدأ الحرب تغيب الإنسانية، قالت بول. بعد ذلك قدمت اللجنة المالية، برئاسة قبريال شانسون، مقترحاً لتمويل أنشطة الحركة المسلحة. قال شانسون إن على العضوية دفع اشتراك شهري قدره ٥٠ دولاراً، مشيراً إلى أن مجمل الاشتراكات ستوفر مليون دولار ونصف شهرياً. كما أشار إلى فرض ضرائب رمزية على مواطني المناطق المحررة في إطار تنظيم الأسواق.

وأخيراً أعلن ضيو مطوك، رئيس علاقات الخارجية للحركة، أنه حَيَّد بعض الدول، مستشهداً بتحييد الصين. كما أضاف أن لجنته نجحت في إيقاف شحنة أسلحة، وفتح مكاتب للحركة في عدد من الدول.

جيش مابور، الجيش الأبيض

في اليوم الرابع لفعاليات المؤتمر، كشفت القيادات العسكرية عن دخول قواتهم في معارك مع قوات سلفاكير في منطقتي قلاشل وأدونق في ولاية أعالي النيل جنوب ملكال، اللتين تبعدان ٦ ساعات عن فقاك. 

قال الحاكم العسكري لولاية أعالي النيل قارهوث قاركوث إن قواته استولت على ثلاث عربات تاتشر محملة بالأسلحة الثقيلة، وأن قوات مشار تصدت لهجوم من قوات سلفاكير بالقرب من الناصر. قال العسكريون إن القوات الحكومية تراجعت من الناصر إلى كوات، حيث كانت في طريقها لفقاك لضرب المؤتمر. 

للجيش الأبيض وقائده داك كويت قدرة عالية على استقطاب آلاف المقاتلين في فترة قصيرة.

رغم هذه الأنباء كان المؤتمرون على درجة عالية من الطمأنينة، والكل يتحدث عن صعوبة وصول قوات سلفاكير لفقاك، وذلك بسبب سيطرة الجيش الأبيض، الذي يطلق عليه بلغة النوير جيش مابور، على مداخل البلدة وما حولها من القرى. للجيش الأبيض وقائده داك كويت قدرة عالية على استقطاب آلاف المقاتلين في فترة قصيرة، وفقاً لحديث المؤتمرين.

ويبدو واضحاً ان الجيش الأبيض يلتزم بأوامر قيادته، والشاهد على ذلك هو أنني لم أسمع صوت أعيرة نارية أو اشتباكات بالأسلحة طوال الفترة التي قضيتها بمنطقة فقاك. 

الحرب والسلام

مدد المؤتمر عدد أيامه، حرصاً على الإجماع في قراراته بشأن قضيتي السلام، والحكم الراشد، وحدة الحركة الشعبية. وعليه أوصت قرارات المؤتمر بالمضي قدماً في العملية السلمية لحل الأزمة عبر التفاوض، مع التشديد على أن الحرب ستزيد من حجم المعاناة الانسانية.

وعليه طالبت قراراته المجتمع الدولي بدعم الإيقاد للوصول إلى حلول عادلة. هذا وأوصى المؤتمر بضرورة تمسك الوفد المفاوض بمخاطبة جذور الأزمة، والدفاع عن حقوق جنوب السودانيين وتحقيق أهداف الحكم الراشد وتشكيل الحكومة في الفترة الانتقالية.

أوصى المؤتمر بطرد القوات الأوغندية، وقوات الحركات المسلحة الدارفورية والحركة الشعبية – شمال فوراً من دولة جنوب السودان.

وحسم المؤتمرون موعد بقاء سلفاكير كرئيس لدولة جنوب السودان لمدة عامين ونصف، أي إلى موعد قيام الانتخابات في حال التوقيع على اتفاق. وتبنى المؤتمر قراراً يقضي بمحاكمة مرتكبي جريمة الابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.

أوصى المؤتمر بطرد القوات الأوغندية، وقوات الحركات المسلحة الدارفورية والحركة الشعبية – شمال فوراً من دولة جنوب السودان.

وأمّن مشار على قرارت المؤتمر، وفي مقدمتها نقل عاصمة الجنوب من جوبا إلى مدينة رامشيل بولاية البحيرات بعد الفترة الانتقالية. وقطع مشار بأن ثورتهم ستعمل على بناء دولة الديمقراطية والحرية والمواطنة العادلة والاستقرار، وشدد على ضرورة الاهتمام بالتعليم والصحة.

رسالة الإيقاد 

بعد ختام المؤتمر انخرط مشار في اجتماعات منفصلة مع كل ممثلي الولايات وجنوب السودانيين من المهجر، لبحث عملية التنظيم والتمويل. دامت اجتماعاته من التاسعة مساءَ حتى الواحدة صباحاً.

أزعج بقاء مشار في فقاك بعد المؤتمر الإيقاد، التي ظنت أن الهدف وراءه هو التعبئة للحرب. أرسلت الإيقاد رسالة له تطلب منه الحضور لأديس أبابا.

خيارات السلام والحرب كانت قائمة لدى مؤيدي مشار. كانوا يحضرون للعملية السلمية باليمين، وللحرب وتنظيم الصفوف بالشمال. الحقيقة التي كانت واضحة في فقاك هي أن لسان حال مشار وحركته يقول: راية للسلام ومدافع للحرب.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#خمسة: تعال بالباب
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.