الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

٥ أماكن تحت المجهر
٥) ولاية تركاكا: أرض البحيرات الخمس

أكيم موجيزا
إمكانيات ومشاكل ولاية جديدة مليئة بالبحيرات في جنوب السودان.
22.11.2016  |  تركاكا، جنوب السودان
 (الصورة: النيلان | قونار باور)
(الصورة: النيلان | قونار باور)

بعد رحلة ثلاث ساعات بالسيارة وأكثر من خمسين ميلاً من الطرق الوعرة شمالي جوبا، عاصمة جنوب السودان، تجد نفسك في قلب ولاية تركاكا، موئل قبيلة المنداري، وهي واحدة من ٦٤ مجموعة عرقية في جنوب السودان.

يعمل غالبية المنداريين بتربية الماشية، لكن بعضهم يمارس الزراعة على نطاق ضيق، إضافة إلى صيد الأسماك في نهر النيل الذي يمر عبر أراضيهم في طريقه إلى ولاية جونقلي.

تركاكا هي واحدة من ١٨ ولاية إدارية خلافية، أضافها الرئيس سلفاكير ميارديت في عام ٢٠١٥، ما رفع عدد الولايات من ١٠ إلى ٢٨ ولاية. يرأس المحافظ السابق، جمعة علي مالو الولاية الجديدة التي يعيش فيها قرابة ١٤٠ ألف نسمة، وفقاً لتعداد عام ٢٠٠٨ المثير للجدل. 

تضم الولاية، التي تزيد مساحتها عن ١٠ آلاف كيلومتر مربع، خمس بحيرات طبيعية: هي موني وجور وبياك وجولوري وجوارين. وهذا يعني أن تركاكا، ومعناها باللهجة المحلية "المنسية"، ولاية فريدة من نوعها.

وفقاً للسكان المحليين، ينخفض منسوب المياه في الولاية خلال موسم الجفاف، ويرتفع مع تدفق الجداول الموسمية وروافد النيل أثناء هطول الأمطار.

يتجمع النساء والرجال والأطفال منذ السابعة والنصف صباحاً عند ضفة النهر، وهم يحملون سلالاً كبيرة وأحواضاً بلاستيكية وأكياس نايلون، بينما تتقاطر الزوارق نحو الضفاف من كلا الاتجاهين. 

يتفحص الصيادون بإعجاب حصيلة الصيد في الشباك، التي ألقوا بها ليلاً في النهر المنساب ببطء. 

يعيش في النهر مجموعة واسعة من الأسماك، مثل البياض النيلي والبلطي والقط والقرموط. ويزن بعضها نحو خمسة كيلوغرامات. وتُشاهد وهي تقفز وتتلوى في الزوارق الخشبية، ثم لا تلبث أن تفتح وتغلق خياشيمها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

يصرخ أحد الصيادين محاولاً إبعاد بعض الأشخاص الذين تجمعوا حول زورقه عند وصوله: "ليست للبيع. كل هذه الأسماك مباعة لجوبا".

يحاول إغماض عينيه، في محاولة لإبعاد سحابة كثيفة من دخان بين شفتيه، وهو يقوم بفرز الأسماك المختلفة حسب أحجامها وأنواعها. 

يندفع المتجمهرون نحو بقية القوارب الراسية عند الشاطئ. وتعلو أصوات أصحاب المطاعم الباحثين عن كميات الأسماك التي ستظهر على لائحة الوجبات اليومية.

تصيح امرأة متوسطة العمر، تملك مطعماً محلياً في تلك المنطقة، باللهجة المحلية: "هذه هي أسماكي ... هذه هي أسماكي." 

يتم تحميل الأسماك الطازجة المعبئة في أكياس وسلال كبيرة وصناديق خشبية على شاحنات صغيرة تتجه إلى جوبا والأسواق المحلية داخل الولاية. يستهلك بعضها طازجاً، ويحفظ الباقي بعد تدخينه وتجفيفه في الأفران التقليدية.

تقول السلطات والتجار إن تركاكا من أهم الولايات المنتجة للأسماك المحلية. فإضافة إلى تصديرها إلى جوبا، تنقل أسماكها أيضاً إلى بور في ولاية جونقلي المجاورة.

هناك منافسة قوية بين مستوردي الأسماك الطازجة في الشاحنات المبردة. وتشير سيدة أعمال، فضلت عدم ذكر اسمها في سوق الأسماك بالجمارك، إلى أنها لم تعد تستورد السمك المقدد من أوغندا بسبب الأزمة الاقتصادية، ولجأت إلى شراء احتياجاتها من سمك تركاكا.

بالقرب من تلك المرأة، يقف بائع سمك داخل كشك صغير، يبيع الكيلوغرام من السمك الطازج بمائة جنيه جنوب سوداني (٣,٣٠ دولاراً أمريكياً)، أي أقل بعشرين جنيهاً من ثمن كيلوغرام اللحم في الأكشاك المجاورة.

يتكبد بعض التجار أحياناً خسائر بسبب تأخرهم في تسليم شحنات الأسماك في الوقت المناسب بسبب حالة الطرق السيئة، خصوصاً في موسم الأمطار.

وتشكل الثروة السمكية حسب ريتشارد خميس، مدير التجارة والصناعة والتعدين والاستثمار، مصدراً رئيسياً لدخل السكان المحليين، رغم أنها لا تزال غير راسخة كبقية الصناعات الأخرى.

ويوضح خميس أن الصيادين يستخدمون شباكاً صغيرة وصنارات تقليدية، لكنهم يستطيعون توريد الأسماك بانتظام إلى أسواق جوبا الرئيسة مثل كونيوكونيو وقوديلي ومونكي وجبل وشيريكات ومناطق أخرى.

ويضيف خميس: "لو استطعنا إيجاد شخص يستثمر في هذه الصناعة، فإنه سيشتري أسماك جميع الصيادين وينقلها إلى جوبا". ويتوقع أنه مع مرور الوقت سيتم تنظيم ومراقبة أنشطة صيد الأسماك. فهذا سيسمح للجهات المعنية بمعرفة الكميات التي يتم صيدها وتصديرها داخل وخارج الولاية.

كما عبّر خميس عن تفاؤله بأن يصبح صيد الأسماك أحد أهم مصادر الدخل في الولاية عند فرض الرسوم على قوارب الصيد وتجار الأسماك. 

ولا يزال تحصيل الإيرادات من هذا القطاع هزيلاً، لأن التجار يدفعون ضرائب منخفضة عند نقاط التفتيش ورسوماً بسيطة في أسواق جوبا.

ووفقاً لخميس، تقع ولاية تركاكا على حزام النفط، وهناك ما يدل على وجود نفط عائم في البحيرات، ما يشير إلى فرص محتملة للتنقيب عن النفط في هذه الولاية. 

غير أن صيد الأسماك ليس منتشراً على نطاق واسع، بحسب وزير الدولة لشؤون الإعلام والإذاعة والسياحة والآثار في الولاية، مودي لومندي أجوانق، لأن المنداريين ينتمون إلى مجتمع رعوي أساساً، ويركزون على مواشيهم، بينما يستخف أغلبهم بصيد الأسماك.

تم التأكد من أثر هذه المواقف الثقافية خلال رحلة استطلاعية لأحد مراسلي النيلان إلى منطقة بياك، إحدى البحيرات الخمس في الولاية، حيث لم يكن هناك سوى عدد قليل جداً من الصيادين مقارنة مع نهر النيل. كانت البحيرة هادئة وخالية من الصيادين، باستثناء قارب صيد وحيد ظهر في الأفق البعيد. وعلى مقربة من البحيرة كانت هناك كومة مهجورة من شباك الصيد. 

بعد الثالثة ظهراً بقليل، تراقصت أشعة الشمس فوق سطح الماء وظهر عدد كبير من الطيور فوق البحيرة. وكانت تقترب أحياناً من الماء بحثاً عن الطعام. كما شوهدت أسماك مختلفة الأحجام وهي تقفز فوق سطح الماء بحثاً عن الحشرات القريبة من السطح. 

رأينا خطاً مستقيماً من الأجسام الطافية تبين أنها شباك صيد. يقول مودي موضحاً: "ليس هناك صيادون في مثل هذا الوقت. الناس هنا يفخرون بما يملكون من أبقار، ويعتبرون صيادي السمك من الطبقات الفقيرة."  

ويضيف أن الجهات المعنية تخطط لتطوير هذا القطاع في المستقبل، من خلال التوعية والتدريب على مبادرات الحد من الفقر. ويؤكد المسؤول الحكومي أن المسطحات المائية يجب أن تستخدم لتعزيز السياحة بعد استكمال بناء البنية التحتية. كما أن البحيرات مفيدة أيضاً للزراعة المحلية في تلك المنطقة، لأنها توفر المياه اللازمة للري وتربية الحيوانات.

غير أن تطلعات الحكومة في الوقت الراهن نحو استغلال هذه الموارد الطبيعية لا تزال في مراحلها الأولى. ولا يمكن إحراز أي تقدم فعلي ما لم يتم تحسين شبكة الطرق المتهالكة من أجل تسهيل عمليات النقل وربط ولاية تركاكا "المنسية" ببقية أجزاء البلاد.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#خمسة: تعال بالباب
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.