الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

ماذا لو…

زينب محمد صالح
خمس خطوات كان بإمكانها أن تكون بذور السلام في السودان وجنوب السودان.
21.11.2016  |  الخرطوم، السودان
 تمثال الراحل جون قرنق خلال احتفالات استقلال جنوب السودان في جوبا، تاسع يوليو ٢٠١١.  (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)
تمثال الراحل جون قرنق خلال احتفالات استقلال جنوب السودان في جوبا، تاسع يوليو ٢٠١١. (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)

١. زمن أطول… 

كان من الأفضل لو تم تمديد الفترة الانتقالية، التي كان منصوصاً عليها في اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في عام ٢٠٠٥، وهي خمسة أعوام.

لقد كانت الفترة الانتقالية قصيرة جداً، مقارنةً بحجم المآسي التي عاشها الشعب السوداني، وخصوصاً الجنوبي منذ ما قبل استقلال السودان عن المستعمر البريطاني سنة ١٩٥٥. الحرب الأهلية، التي اشتعلت قبل عام من استقلال السودان، أودت بحياة أكثر من مليوني شخص وشردت ملايين، ما بين دول الجوار والمنافي البعيدة. معظم الضحايا كانوا من جنوب السودان.

اقترح الدكتور جون قرنق دي مابيور، القائد السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان والنائب الأول الأسبق لرئيس جمهورية السودان، أثناء مفاوضات السلام في كينيا أن تكون الفترة الانتقالية اثني عشر عاماً، ولكن المؤتمر الوطني رفض ذلك الخيار، وأصرّ على خمس سنوات. 

لربما قد ساهمت هذه المدة، من خلال تضمنها لبرامج وحملات إعلامية للتعريف بالسودانيين، شمالاً وجنوباً، في إعطاء الشعبين فرصة للتعرف على بعضهما البعض. 

عدم الاعتراف بهوية الآخر هو الخطوة الأولى نحو العنف. من المحتمل أن هذا التعريف كان قد يحول دون دخول الجانبين في حروب جديدة، كما حدث في هجليج في عام ٢٠١٢، إذ ظل كل طرف يكيل الاتهام للآخر بدعمه للتمرد.

 

٢. تصميم للعدالة...

كان من الممكن أن يساهم التركيز على العدالة الانتقالية في إرساء دعائم السلام. من خلال بناء ثقافة العدالة والمسؤولية، كان من الممكن منع الحروب التي اندلعت في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق مثلاً.

اقترحت الحركة الشعبية أثناء مفاوضات نيفاشا تأسيس لجنة للحقيقة والمصالحة، كعنصر من عناصر العدالة الانتقالية، كتلك التي عقدت في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وكذلك في المغرب عقب وفاة الملك الحسن الثاني. لكن هذا المقترح رفضته الحكومة السودانية.

 

٣. لو بقي "الرجل العظيم" على قيد الحياة...

وبالنسبة لمن يتبع نظرية "الرجل العظيم"، فإن وفاة جون قرنق كانت سبباً مباشراً في تردي العلاقة بين السودان وجنوب السودان لما هي عليه الآن. كان قرنق، الذي توفي عند تحطم مروحيته سنة ٢٠٠٥، يتمتع بكارزيما يشهد لها السودانيون وجنوب السودانيون على حد سواء. وكان يدعو لمستقبل "السودان الجديد"، حيث كل أطراف السودان متساوية في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو عنصرية.

استقبل قرنق ستة ملايين شخص عند عودته للسودان، وفقاً لأرقام الحركة الشعبية نفسها. ولعل هذا دليل كاف على المنحى الذي كان سيأخذه التاريخ، بوجود شخص له مكانته في قلوب الشعبين. ربما كان احترام الشعبين له ونفوذه الواسع سيساعدان في التغلب على التوترات التي خلفتها الحروب بين الشمال والجنوب.

 

٤. حلحلة القضايا العالقة… 

حلحلة القضايا العالقة والحرص على إتمام مستحقات اتفاقية السلام أثناء فترة نيفاشا، مثل ترسيم الحدود، وقضية أبيي، وأنابيب النفط، وديون السودان؛ كان سيؤدي بالتأكيد إلى تغيير التاريخ. بمعنى أن إزالة هذه العقبات ربما كان سبباً كافياً لوحدة شعبي السودان، بحيث أن تلك العقبات هي ضمن الأسباب الأولى التي أدت إلى تقسيم البلاد.

على سبيل المثال، الاتفاق بشأن مسألة النفط وحدها كان يمكن أن يبني جسور التعاون بين الجانبين، وربما مساعدتهما على البقاء موحدين. فمثلاً قضية البترول: الجنوب ليس لديه خيار سوى نقل نفطه عبر الشمال، لأن مدّ أنابيب جديدة وتشييد بنى تحتية لنقل البترول عبر كينيا مكلف للغاية بسبب التضاريس. هذا بالإضافة إلى أن الجنوب تمكن من استخدام الأنابيب حينما وقع على اتفاق السلام. ولو تم الاتفاق على قضية البترول، لأدى ذلك إلى حقن أرواح هدرت في حرب هجليج قبل أربعة أعوام.

قضية أبيي هي الأخرى كانت قد تغيّر تاريخ السودانيين. فالعمل على التعايش بين شعبي المسيرية والدينكا يصب في مصلحتهما، وربما كان ذلك مؤشراً على إمكانية العمل على جميع القضايا الأخرى، التي مازلت لحد الآن مصدر توتر العلاقات بين السودان وجنوب السودان. 

 

٥. أسلحة أقل...

وخارج حدود البلدين، كانت هنالك خطوات، لو اتخذتها دول الجوار والمجتمع الدولي، لربما ساعدت على إشاعة السلام والوئام بين شعبي السودان، شمالاً وجنوباً. لو أن المجتمع الدولي توقف عن دعم حكومات البلدين بالسلاح، كان يمكن أن يؤدي ذلك إلى إيقاف الحروب الأهلية في البلدين، أو على أقل اعتبار، كان عدد الضحايا أقل.

وفقاً لتحقيق صحافي أجرته صحيفة الغارديان قبل ثلاثة أعوام، فإن بريطانيا تدعم السودان والكونغو عسكرياً عبر تدريب ودعم الموظفين العسكريين من البلدين، في الوقت الذي يعاني فيه البلدان من حروب أهلية. 

ولقد كشف تقرير للأمم المتحدة، نشر في أغسطس ٢٠١٥، عن وجود بنادق IWI-ACE الآلية إسرائيلية الصنع، في جنوب السودان. بالإضافة إلى صفقة أسلحة بين نورينكو ووزارة شؤون الدفاع والمحاربين القدامى جنوب السودانية في حزيران/يونيو ٢٠١٤. شملت الصفقة بنادق آلية وقاذفات قنابل ورشاشات الأغراض العامة ومسدسات وصواريخ مضادة للدبابات شديدة الانفجار.

إضافة إلى ذلك، نشر مشروع مسح الأسلحة الصغيرة في نيسان/أبريل ٢٠١٢، تقريراً عن المصدّرين والمصدّرين المحتملين للأسلحة إلى جنوب السودان. تضم اللائحة: أوكرانيا والصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية. كما أوضح تقرير من نفس المؤسسة في عام  ٢٠٠٩ لائحة المصدّرين لأنواع مختلفة من السلاح للسودان. إيران والصين وروسيا وروسيا البيضاء وتركيا ومصر والسعودية وألمانيا والإمارات وإيطاليا والكويت هي على لائحة موردي السلاح الرئيسيين للخرطوم، بمقتضى تقارير السودان إلى قاعدة بيانات الأمم المتحدة كومتريد بين ٢٠٠١ و٢٠٠٨. ليس من المفاجئ إذا أن يحتل السودان المركز الثالث في إفريقيا من حيث استيراد الأسلحة بعد المغرب والجزائر، وفقاً لقاعدة بیانات سیبري لعملیات نقل الأسلحة في آذار/مارس ٢٠١٥. 

المجتمع الدولي من جهة يضخ الأموال للحد من آثار الحروب المفجعة في السودان وجنوب السودان، ولكن في نفس الوقت يؤمن الأدوات التي تتسبب في وقوع جرائم وضحايا.

وفي آخر المطاف، فإنه عند الحد من تسرب السلاح إلى مناطق النزاع وإعطاء الأولوية للسلام والعدالة بدلاً من الربح والجشع، آنذاك فقط يمكننا أن نبدأ الحديث عن إمكانيات السودان وجنوب السودان في تأمين العيش الكريم لمواطني البلدين. ما دام الحال كما هو، فثنائية الربح والأنانية ستبقى هي القانون الوحيد الذي يحترمه اللاعبون.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#خمسة: تعال بالباب
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.