الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

صراعات جنوب السودان التي تهدد السلام

استر موومبي
في ما يلي سرد لخمسة صراعات كبيرة ألقت بظلالها الواسعة على سنين جنوب السودان الأخيرة، والتي استمرت في إبعاد السلام عن متناول البلاد.
9.11.2016  |  كمبالا، أوغندا
جنود من الحركة الشربية في المعارضة، في عاصمة جنوب السودان، جوبا، ٢٥ أبريل، ٢٠١٦.  (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)
جنود من الحركة الشربية في المعارضة، في عاصمة جنوب السودان، جوبا، ٢٥ أبريل، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | واكي سايمون فودو)

كان جنوب السودان قبل الاستقلال عام ٢٠١١ محاطاً بجماعات عدة من المتمردين تهدد خطواته الأولى نحو الانفصال. وبعد الاستقلال، عقدت بعض حركات التمرد الموجودة في المنطقة مع الحكومة صفقات تسوية، في حين استمر عدد منها في تحديه. وواصل جنوب السودان، طوال سنواته الخمس الأولى بعد الاستقلال، نضاله بوجه هجمات عديدة للمتمردين، ودخل في عام ٢٠١٣ في أتون حرب أهلية شاملة. وعلى الرغم من اتفاقية السلام الموجودة، ما زالت الصراعات دائرة في أماكن كثيرة.

تعود دورة العنف في جانب منها إلى فيض الأسلحة المتروكة بعد عقود من الصراع والحرب. كذلك ازدادت التوترات نتيجة الفراغ الذي سببه ضعف الحكومة والأمن والتنمية والعدالة. وفيما يلي سرد لخمسة صراعات كبيرة ألقت بظلالها الواسعة على سنين جنوب السودان الأخيرة، والتي استمرت في إبعاد السلام عن متناول البلاد.

١. الاشتباكات العرقية في جونقلي

اندلعت أعمال العنف في جونقلي بعد شهر واحد من نيل الاستقلال، وأسفرت عن مقتل ٦٠٠ شخص. وفي كانون ثاني/يناير ٢٠١٢ أطلق جنوب السودان تحذيراً من العنف في الولاية الشرقية المزدحمة سكانياً بعد فرار ١٠٠ ألف شخص من الاشتباكات الجارية بين جماعات عرقية متنافسة.

وتبقى جونقلي قنبلة موقوتة قابلة للانفجار مع تزايد حدة العنف المحتمل بين الجماعات المدججة بالسلاح. فلهذه الجماعات تاريخ طويل من الإغارة على المواشي والتسلح في مواجهة هذه الغارات.

ويستمر انتشار السلاح على نطاق واسع على الرغم من قيام الحكومة بعمليات عديدة لنزعه في الولاية، إذ يعود ذلك إلى الحرب الأهلية التي استمرت بين عامي ١٩٨٣ و٢٠٠٥ عندما قاتلت قبيلة لو وغيرها من قبائل النوير في صفوف الجيش الأبيض، وهو وحدة دفاع محلية أنشئت لحماية الماشية والممتلكات.

وقد ثبتت صعوبة نزع سلاح الجماعات التي اعتادت حمله، في وقت أصبح فيه كثير من هؤلاء المقاتلين جنوداً في الجيش الشعبي حالياً، ويحافظون بذلك على أسلحتهم كلما جرى تنفيذ حملة لنزع الأسلحة. وقد برزت في السنوات الأخيرة ثقافة خفية تقضي بتسليم من هم أكبر سناً في عائلات جنوب السودان سلاحهم لمن هم أصغر سناً فيها لضمان الحفاظ عليه.

"حصلت على بندقيتي الأولى من عمي بعد عودتي من أوغندا إثر انتهاء الحرب. ناداني قبل النوم وقال: بني، لقد عدتَ إلى بلد يعمه الخطر وعليك أن تحتفظ بهذه البندقية، لكن تأكد من حسن استخدامها"، يقول الطالب بونجيري جون.

ارتفعت حدة الخوف والقلق في جونقلي أثناء الحرب الأهلية في عام ٢٠١٣ والتي أثرت بشدة على الولاية، مما جعل سكانها أقل استعداداً للتخلي عن أسلحتهم. 

انتهت اشتباكات ٢٠١١ العرقية عندما نشرت الحكومة وحدات من الجيش الشعبي، وأرسلت الأمم المتحدة ١١٠٠ جندي من قوات حفظ السلام إلى قواعد جديدة دائمة في منطقة الاضطرابات. إلا أن بعض الجماعات المحلية استمرت في الغارات، لتبقى جونقلي منطقة ساخنة. 

٢. هجمات المتمردين على مدينة مايوم

يعتبر جيش تحرير جنوب السودان، وهو مجموعة متمردة تقاتل في منطقة أعالي النيل، مصدر تهديد رئيسي آخر للسلام في جنوب السودان. وقد شن هجومه الأكبر في ذات العام الذي حصل فيه جنوب السودان على استقلاله، عندما استهدف مدينة مايوم وقتل ٧٥ شخصاً. وقد وضعت هذه المجموعة نصب عينيها محاربة الفساد والتخلف وهيمنة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي الحزب الحاكم في جنوب السودان، فضلاً عن الدور المهيمن لقبيلة الدينكا على معظم الدوائر الحكومية. 

وصرح بابيني مونيتيول، نائب رئيس حركة جيش تحرير جنوب السودان أثناء هجوم عام ٢٠١١ أن وحدات الحركة خططت للانتقال إلى ولايات أخرى بعد إتمام السيطرة على ولاية الوحدة. إلا أن جماعته هزمت فيما بعد على يد الجيش الشعبي وطردت خارج ولاية الوحدة إلى السودان.

وفي نيسان/أبريل ٢٠١٣ أصدرت حكومة جنوب السودان عفواً عن مقاتلي جيش تحرير جنوب السودان، وذكرت أن ٣٠٠٠ متمرد قبلوا العفو عابرين الحدود من السودان مع قرابة ١٠٠ عربة، بالإضافة إلى رشاشات ومدافع مضادة للطائرات. وأصدر الرئيس سلفاكير عفواً يشمل كافة مقاتلي جيش التحرير الذين سلموا أسلحتهم لقوات الأمن.

لكن العنف دخل مرحلة جديدة في أعقاب الحرب الأهلية سنة ٢٠١٣ عندما حول كثير من جنود جيش تحرير جنوب السودان السابقين، ممن انضموا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان، ولاءهم والتحقوا بفصائل موالية لريك مشار.

وظل أعضاء سابقون آخرون في جيش التحرير صامتين  دون أي دلالات عن أماكن تواجدهم. لكن إن استمرت هيمنة مجموعة عرقية معينة على الحزب الحاكم في جنوب السودان، فمن الممكن جداً أن يعود جيش التحرير إلى الساحة من جديد ويشكل تهديداً خطيراً للسلام في جنوب السودان.

٣. الصراع على أبيي

ظلت أبيي الغنية بالنفط والواقعة على الحدود بين السودان وجنوب السودان بؤرة للعنف زمناً طويلاً، نتيجة صراع البلدين للسيطرة على نفطها. كما أدى موقعها الحدودي إلى تضارب المطالب العرقية والثقافية واللغوية بين القبيلتين الرئيسيتين: الدينكا نقوك ورعاة المواشي من بدو المسيرية المنحدرين من شمال السودان، الذين يتنقلون مع حيواناتهم مع تعاقب فصول السنة. تضم أبيي كذلك حقول نفط عديدة منها حقل هجليج الرئيسي.

في الفترة التي سبقت استقلال جنوب السودان، اتجهت كل العيون إلى أبيي وسط مخاوف من أن تؤدي النزاعات عليها إلى عودة الحرب. وفي أيار/مايو ٢٠١١، وقبل شهرين من استقلال جنوب السودان، تحققت هذه المخاوف عندما غزت ميليشيات يدعمها السودان ومعها القوات المسلحة السودانية منطقة أبيي، فدمرت ممتلكات المدنيين وشردت نحو ١١٠ آلاف شخص من الدينكا نقوك من ديارهم. ونجحت القوات السودانية في السيطرة على المنطقة، إلا أنه أعقب ذلك محادثات سلام بين البلدين لتسوية النزاع.

انهارت هذه المفاوضات في كانون ثاني/يناير ٢٠١٢ وسط خلاف حول كيفية اقتسام إيرادات النفط بين السودان وجنوب السودان. وأدى هذا الخلاف بجنوب السودان إلى وقف إنتاج النفط، مما اضطره لخفض الإنفاق العام على معظم الخدمات إلى النصف وترك مواطنيه يعانون مصاعب جدية. وفي أوائل كانون ثاني/يناير ٢٠١٣ اجتمع الرئيس السوداني عمر البشير مع رئيس جنوب السودان سلفاكير، إلا أنهما أخفقا في التوصل إلى اتفاق نهائي على مستقبل أبيي.

وفي تشرين أول/أكتوبر ٢٠١٣ صوّت سكان أبيي بأغلبية ساحقة لصالح الانضمام إلى جنوب السودان في استفتاء غير رسمي لم يُعترف به عموماً. وسرعان ما رفض السودان الاقتراح قائلاً إنه ينبغي إيجاد مؤسسات حكم محلية قبل إجراء أي تصويت. وقال أيضاً إن التصويت أحادي الجانب تجاهل حق أفراد قبيلة المسيرية البدوية العربية، التي يرجح أن تصوت لكي تكون المدينة جزءاً من السودان.

ويبقى الوضع مشحوناً إلى حد كبير. إذ تعرض وزير الخارجية المقال برنابا ماريال بنيامين مثلاً للهجوم مؤخراً، بعد أن أشار إلى أهل أبيي بأنهم "سودانيون"، في رسالة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بحسب صحيفة سودان تربيون.

ويعود الآن كثير من اللاجئين الذين هربوا من عنف عام ٢٠١١ إلى ديارهم، لكن يبقى وضع أبيي النهائي غير واضح، بمعنى أنه يبقى كبرميل بارود في المستقبل المنظور.

٤. الحرب الأهلية في عام ٢٠١٣

لقد ولدت الدولة الأحدث سناً في العالم وسط تحديات كبرى. وقد مثّل الانفصال عن السودان معلماً هاماً وفرصة جديدة. لكن الفساد الهائل الذي ينخر بنية الدولة وعدم الاستقرار السياسي في صفوف الحزب الحاكم، الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتوترات المستمرة مع السودان حول عائدات النفط تبقي جنوب السودان عرضة لتجدد الصراع. 

بلغت التوترات ذروتها عام ٢٠١٣. ففي البداية، أقال الرئيس سلفاكير، الذي ينحدر من الدينكا، نائب الرئيس مشار، الذي ينحدر من النوير وباقي وزرائه في تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠١٣. جاء ذلك إثر قرار سلفاكير استبدال أعضاء من الجيش والحكومة بعد انتشار شائعات عن انقلاب عسكري محتمل. وبلغ التوتر ذروته عندما اتهم سلفاكير مشار بالتخطيط لانقلاب في كانون أول/ديسمبر ٢٠١٣.

وأطلقت الاتهامات موجة من الاعتداءات في البلد، إذ أطلقت الفصائل الموالية لكليهما دوامة متصاعدة من العنف. وبدأت الاشتباكات العرقية تتسع مع الهجمات التي شنتها ميليشيات على قرى ومناطق يسكنها الدينكا أو النوير. ويستمر العنف في كثير من المناطق على الرغم من توقيع اتفاق السلام في آب/أغسطس ٢٠١٥.

٥. تهديدات جنرالات الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة

ويبقى القادة، الذين انفصلوا عن الزعيم المتمرد مشار في وقت سابق من العام الماضي، مصدر تهديد يلوح في الأفق. يعد الجنرالات المنشقون، بيتر قاديت وجاثوث جاتكوث وغابرييل تشانغسون تشانغ، من كبار قادة الحركة الشعبية المعارضة. هؤلاء نددوا بكون مشار النائب السابق لسلفاكير قائداً لهم، وزعموا أنه لم يكن يحارب في سبيل السلام، بل من أجل منصبه في الحكومة. 

وعلى الرغم من اتفاق السلام الموقع في إثيوبيا في العام الماضي، قال القادة إنهم سيمضون قدماً في تشكيل حركة جديدة تعتزم إبعاد سلفاكير ومشار معاً عن الحكومة.

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.