الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

قصة قصيرة
قرية في ذاكرة الماء

عثمان شنقر
قصة قصيرة من السودان: 'قرية في ذاكرة الماء' لعثمان شنقر، الخرطوم، السودان.
21.06.2016  |  الخرطوم، السودان
قرية كولي، جبال النوبة، جنوب كردفان، نوفمبر  ٢٠٠٣.  (الصورة: © كلود إيفيمي / النور)
قرية كولي، جبال النوبة، جنوب كردفان، نوفمبر ٢٠٠٣. (الصورة: © كلود إيفيمي / النور)

 ١. 

”رأى الفكي* إبراهيم، فيما يرى النائم، رؤيا منامية تُبشر بخير وفير.“

هكذا حدَّث إسحق، تلميذ الفكي إبراهيم، الناس في القرية النائية في أقصى غرب البلاد، في اليوم الثاني. كان الفكي قد اعتكف لأيام طويلة داخل قطيته، أسفل الجبل، بغرض جلب الأمطار التي توقفت عن الهطول لأعوام.  

في رؤيته في المنام رأى الفكي المياه تنزل على القرية من السماء. انفتحت أبواب كثيرة في قبة السماء وانهمرت على أرض القرية. نزلت خراطيم المياه واندفعت بقوة من أعلى. ومن باطن الأرض اندفعت المياه مثل شلالات شاهقة في كل الاتجاهات. غطت المياه أرض القرية الرملية. 

شربت البهائم حتى ارتوت، واغتسل الناس بماء السماء، وفاضت الحفر بمياه وفيرة. أينما تولي وجهك فثمة ماء يغطي الأرض حتى نهاية الأفق.

استيقظ الفكي من حلمه المائي الطويل فرحاً ومستبشراً خيراً. نادى على تلميذه إسحق وحكى له رؤيته، وأرسله لأهل القرية حتى يبشرهم بالخير الوفير الذي سوف يأتي إليهم. ركب إسحق على ظهر حماره واندفع في قيظ النهار يجول بين بيوت القرية الطينية الواطئة وأخذ يصيح:

”يا أهل القرية الصابرين! إن الفكي إبراهيم بعثني إليكم حتى أبشركم بأن الخير قادم وأن المياه الوفيرة في طريقها إليكم، فأبشروا بالخير والنماء. أبشروا بالرخاء العميم الذي سوف يفيض عن حاجتنا. إن الفكي لا يكذب وحلمه حلم صدوق. لأيام طويلة اعتكف الفكي أسفل الجبل حتى يجلب المطر، وها هو يرى رؤيا حقة لا شك فيها. رؤيا تجلب الماء الضنين الذي فيه خير كثير.

أبشروا يا أهل القرية بالوفرة والنماء. الشيخ يطلب منكم أن تذبحوا عجلاً سميناً فرحاً بهذا الخير. ويأمركم أن تدفعوا بثلاث بقرات وأربعة عجول صغيرة وتضعوها في زريبته حتى يستطيع جلب المطر بأسرع فرصة. 

أبشروا أبشروا أبشروا بالخير.“

فرح أهل القرية بهذه البشارة. استمعوا فرحين لكل كلمة قالها إسحق على لسان الفكي إبراهيم. منذ أن جاءهم فكي إبراهيم قبل خمسة أعوام من جهات غرب إفريقيا لم يروا منه سوى الخير. كان رجلاً لا يتحدث كثيراً. يرونه إما داخلاً إلى المسجد أو خارجاً منه. في يده مصحف عتيق كبير الحجم دائماً. كانت علامات الصلاح والبركة تزين وجهه الصغير. 

لم يبق أمامهم سوى الانتظار لأيام قليلة حتى تتحقق نبوءة الرجل. لكن قبل أن يتفرقوا إلى بيوتهم تلبدت السماء فوقهم بغيوم سوداء كثيفة. وسمعوا أصوات الرعد تهدر من بعيد. وبرقت أضواء السماء الملونة جهة الشمال الشرقي. 

نامت القرية في ذلك اليوم وهي مغطاة بغيوم سوداء كثيفة دون أن تهطل قطرة مطر واحدة.

٢. 

لأهل القرية الكائنة بجهة غرب دافور تاريخ طويل مع الجفاف، فمنذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، غرقت هذه المنطقة، والمناطق التي حولها، بل والاقليم الغربي كله في موجة جفاف طويلة الأمد. أحاطت الرمال بالقرى من كافة جهاتها. وغارت المياه بعيداً في باطن الأرض. نفق كثير من البهائم، ومات العديد من الناس بسبب العطش والجفاف. ونتيجة للقحط الشديد وموت الحياة في الإقليم، نزح كثيرون جهة الشمال، حيث الماء الوفير والخضرة التي تحيط بنهر النيل العظيم.

رغم الهجرة الكثيفة لأهل القرية والقرى المحيطة بهم نحو الشمال، آثر البعض أن يبقى ويقاوم الجفاف وعنت الحياة وشظف العيش في هذه المنطقة النائية. في سنين الانتظار الطويلة عاش أناس ومات آخرون. ولم يتبدل شيء منذ أكثر من قرن. لا مدارس ولا مستشفى ولا مؤسسات حكومية تقوم على خدمة أهل القرية، سوى قسم للشرطة صغير مبني من الأسمنت المسلح.  

بعد سنين طويلة سمع أهل القرية أن ثمة حرباً قامت في الإقليم. انضم بعض أبناء القرية للحركات المسلحة للمطالبة بحق أهلهم في التعليم والصحة والحياة الكريمة. لا شيء تبدل. كل شيء على حاله منذ أن خلق الله هذه البقعة من الأرض.

٣. 

ما زالت الغيوم السوداء الكثيفة رابضة مكانها في سماء القرية. لم يتبدل شيء. لم تهطل قطرة مطر واحدة لتبلل الشفاه العطشى. 

هواجس كثيرة دارت في ذهن الفكي إبراهيم. أصابته شكوك عظيمة في جدوى ما فعل. لقد اعتكف لأيام طويلة يقرأ الأوراد التي علمها له أجداده في غرب إفريقيا الجالبة للأمطار. لقد فعل كل ما من شـأنه جلب المطر. ولكن ماذا حدث سوى تجمع غيوم سوداء قبيحة في سماء القرية؟ ماذا سيقول أهل القرية عن قدراته؟ هل يشككون فيها؟

خرج من القطية* ونظر نحو السماء. ما زالت الغيوم السوداء هناك. ثمة غيوم أخرى تتجمع ولا شيء ينذر بالمطر. نادى على تلميذه إسحق وبعثه برسالة أخرى لأهل القرية.

 سرعان ما ركب إسحق على ظهر حماره البطيء، وحين بلغ وسط القرية في ذلك الوقت المبكر تجمهر حوله أهل القرية. داعبت الآمال الأفئدة. ربما لدى الشيخ خبر جديد بشأن المطر. 

أبلغهم إسحق رسالة الشيخ بسرعة ولهوجة شديدين. وقال لهم إن الرؤية التي رأها الشيخ في منامه حقيقية مائة في المائة. وأعاد تفسير الرؤية مرة بعد أخرى وأن الخير سيكون عميماً، وأن مشكلة المياه التي عانوا من شحها ثلاثة عقود على وشك أن تنتهي بصورة جذرية. 

وشدّد إسحق على لسان الشيخ أن المطر سيهطل خلال ساعات. فرح الأهالي فرحاً شديداً، فهم يثقون بالشيخ إبراهيم ثقة كبيرة، ويعتمدون عليه في مداواة مرضاهم ومعالجة شؤون حياتهم المختلفة. ما أن تجمهر الأهالي حول إسحق حتى شرح لهم، مرة بعد أخرى الرؤيا المبشرة بالخير. وأكد لهم أن خلاصة الرؤيا هو قرب انتهاء مشكلة المياه. قال لهم على لسان الشيخ إن المياه أوشكت أن تكون حقيقة، وستكون وفيرة لدرجة أنها ستغمر كل الأودية المحيطة بالقرية. 

عندما فرغ إسحق من تبليغ رسالة الفكي للأهالي رفع رأسه نحو السماء ورأى الغيوم السوداء الكثيفة تتجمع دون أن تسفر عنها قطرة ماء. داعبت الشكوك ذهنه للحظة. لكنه طرد الهواجس سريعاً، فهو يثق بشيخه ويؤمن بما يقول إيماناً لا يداخله ريب. 

٤. 

في الأمسيات التي تلت، أقام أهل القرية احتفالات شعبية وقرعوا الطبول فرحاً بالحدث الذي يوشك أن يكون حقيقة. رقص الرجال مع النساء في الساحة الخالية أمام القرية، وجلبوا العازفين المهرة وقارعي الطبول الحاذقين من الجوار.

صنعت النساء المريسة* الخاصّة بمثل هذه الاحتفالات. شرب الرجال الكثير من المريسة كثيفة القوام، بينما شرب بعض الصبية مريسة خفيفة. ولم يستنكف الشيخ إبراهيم شرب المريسة، فكرع الكثير من كؤوس القرع التي خصها بها أعيان القرية.

كان الفكي إبراهيم يجلس في معية كبار أهل القرية، ويحاول أن يستمتع بمشهد الراقصين من الرجال والنساء الذين يتبارون في إظهار مقدراتهم في الرقص والقفز للأعلى. لكنه بين حينٍ وآخر، كان يساوره قلقٌ خفيِّ، فينظر للغيوم السوداء الكثيفة المتجمعة في السماء، فتهبط معنوياته وتوجعه أمعاءه بقوة. 

٥. 

انصرمت الساعات بطيئة، ولم يتبدل شيء. 

في اليوم الخامس جاء وفد من حكومة الشمال إلى القرية. كان الوفد مكوَّناً من عدد من الرجال يرتدون بدلات من أقمشة باهظة الثمن، ويركبون سيارات ضخمة الإطارات. وفي معيتهم أجانب قصار القامة وذوي عيون صغيرة جداً.

جالَ الوفدُ في أنحاء القرية ومعهم بعض أعيان أهل القرى المجاورة. كان أهل القرية يسيرون خلف الوفد الحكومي دون أن يفهموا شيئاً عن سبب الزيارة. هذه أول مرة في تاريخ قريتهم يزورهم وفد حكومي. كانوا يسمعون أهل القرى التي تجاورهم يقولون إن وفداً حكومياً زار منطقتهم.

كان بعض أفراد الوفد يحملون أجهزة غريبة الشكل، وكل مرة يضعونها على ظهر الأرض ويقيسون المسافات ويفحصون التربة. بعد فترةٍ وجيزةٍ طلب كبيرهم من أهل القرية أن ينضموا لهم في الساحة الكبيرة، لأنهم على وشك إعلان خبر سعيد يخص القرية ويحل مشاكلها للأبد. 

سرعان ما تجمهر الأهالي في الساحة، تداعب نفوسهم آمال شتى. هذه أول مرة في تاريخ قريتهم يأتيهم وفد من الحكومة. هؤلاء الناس لا يشبهونهم في شيء أبداً: ملابسهم الأنيقة تختلف اختلافا كلياً عن الأسمال التي يرتدونها، أجسادهم السمينة والناعمة لا صلة لها بأجساد أهل القرية الواهنة، حتى سحناتهم وألوانهم التي تتشكل بألف لون ولون لا تشبه سحنات أهل هذه القرية، كلامهم العربيِّ الفصيح نفسه يبدو غريباً عليهم.

تحدث الرجل المُلتحي الذي يلبس بدلة كاملة كلاماً كثيراً عن أشياء كثيرة غير مفهمومة. وقال إن هذه البلاد لابد أن تُحكم بشرع الله. وأن كل مشاكلهم الحياتية يمكن أن تُحل إذا طبقوا الشرع الحنيف. وقال لأهل القرية إنهم يعيشون في جاهلية وثنية. وأنهم يشربون المريسة، والمريسة خمر وهي حرام. وأنهم يرقصون مع النساء، والرقص حرام. وقال إن كل ما يقومون به من احتفالات يعتبر جاهلي،ة وإنه السبب المباشر في أنهم يعيشون حياةً ضنكة، وإن الله يعاقبهم على الموبقات التي ارتكبوها.

تبادل أهل القرية النظرات. وبدا على وجوههم عدم الفهم. أصابهم وجوم شامل. 

تابع الرجل حديثه قائلاً إن الجاهلية التي كانوا يعيشون فيها على وشك أن تنتهي. لأن الله أرسله لهم ليخرجوا من ضيق الظُلمات إلى رحابة النور. وأنه سيكون مُرشح هذه الدائرة في غرب البلاد. وأنهم اذا منحوه أصواتهم في الانتخابات القادمة سيحل كافة مشاكلهم وعلى رأسها مشكلة المياه. وقال إنه جلب الخُبراء من البلاد البعيدة حتى يصنعوا للقرية صهريجاً ضخماً للمياه لحل مشكلة القرية والقرى المحيطة بها. 

عند ذكر المياه، استحسن الأهالي حديثه. هلل البعض وكبّر. وانبسطت أسارير البعض وأحاطت نظرات الامتنان الفكي إبراهيم الذي كان يقف بعيداً. يبدو أن الرؤيا التي رآها الفكي في منامه والتي بشرهم بها ستكون حقيقة على يد هذا المسؤول. قال المسؤول إنه جلب معه خبراء لتركيب الصهريج وإن الخبراء سيحفرون الكثير من الآبار .. 

بعد أسابيع قليلة تدافع الأهالي نحو صناديق الاقتراع ومنحوا كل أصوات القرية للمسؤول الملتحي الوقور. ومضت ساعات، أيام، أسابيع، شهور، وسنوات ولم يبتدل شيء في حال القرية. كل وعود المسؤول في حل مشكلة المياه ذهبتْ هباء. لم يتبدل شيء في حال القرية، سوى مئذنة مسجد بيضاء شاهقة ارتفعت وسط بيوت القرية الواطئة.  

 


* الفكي: الفقيه وهو الشيخ.
* المريسة: مشروب منعش مصنوع من الذرة، مُغذي ومُسكر.
* القطية: بيت مستدير صغير مبني من القش. 

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#المياه: لن يجد الأحمق الماء حتى في النيل
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.