الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

عوامل البركة

جوزيف ناشيون
عجوزان، أحدهما من قبيلة الأزاندي وآخر من قبيلة المورو، يتذكران كيف كان الماء في قديم الأيام مقدساً في مجتمعيهما.
18.03.2016  |  يامبيو، جنوب السودان
مستنقعات السد، التي تمتد شرقاً نحو نهر النيل الأبيض في ولاية البحيرات، جنوب السودان. (الصورة:  مايك د. كوك، صور قيتي)
مستنقعات السد، التي تمتد شرقاً نحو نهر النيل الأبيض في ولاية البحيرات، جنوب السودان. (الصورة: مايك د. كوك، صور قيتي)

”بغية تشجيعي أنا وإخوتي على التفوق في المدرسة، كان أهلنا يصبون الماء في أفواهنا وعلى أيدينا ورؤوسنا“، يتذكر يابا كسرى، البالغ من العمر 79 عاماً‪.‬ ”كنت أحب ذلك.“ كان ذلك واحداً من الطقوس العديدة المرتبطة بالماء، الذي كانت تمارسه جماعة الأزاندي العرقية التي ينتمي إليها كسرى، في ولاية غرب الاستوائية في جنوب السودان.

”كانت أرجل النساء تغسل بالماء دليلاً على الترحيب بهن أثناء دخولهن بيت الزوجية“، قال واصفاً طقساً تقليدياً آخر. ”اعتدنا آنذاك أن نذهب إلى منبع النهر، حيث درج الناس على ممارسة العبادة تحت الأشجار الكبيرة، وهم يصلون من أجل هطول المطر. كما كانت تغنى الأغاني حول النبع كي تسمعهم الآلهة، وكانوا يرقصون أيضاً. وكان لا يمضي وقت طويل بعد ذلك حتى تنهمر الأمطار بغزارة.“

اعتاد الأزانديون، الذين ينتمون إلى جماعة عرقية كبيرة تمتد إلى الجزء الشمالي الشرقي من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأجزاء من جنوب السودان والجنوب الشرقي من جمهورية إفريقيا الوسطى، أن يقدموا الأضاحي من أجل الحصول على مياه الأمطار. ”إذا لم يُستجب دعاؤهم ولم يشاهدوا أية علامة على هطول المطر لفترة طويلة، كان أعيان القبيلة يجتمعون للاتفاق على تقديم الأضاحي من أجل الحصول على المطر“، يفسر كسرى، مضيفاً أنهم غالباً ما كانوا يضحون بالماعز عند منبع النهر.

كان للمياه أيضاً دور مهم في فض النزاعات بين أفراد المجتمع. كان المتنازعون يملأون أفواههم بالماء وينثرونه على الأرض كدليل على التسامح فيما بينهم. ”كان ذلك واجباً لا مناص منه“، يقول كسرى. كان يُطلب من الطرفين المتنازعين تناول بعض الماء في أفواههم وبصقه على الأرض وهم يرددون: ’لقد سامحتك‘. ”كان على المتنازعين أن يقولا ذلك من أعماق قلبيهما، دون إخفاء أي شيء، لأن تلك الطقوس كانت تجري مباشرة بحضور الآلهة، الأمر الذي كان يقلل من الأحقاد والكراهية إلى أدنى حد“، يوضح كسرى.

”لم يكن ممكناً أن يكره أي منا الآخر، لأن الآلهة وأجدادنا كانوا يسيرون مع الناس للتأكد من أنهم يعيشون في وئام وانسجام، وأعتقد أن هذه الروح مازالت قائمة بين الأزانديين إلى الآن، رغم أنها ليست كما كانت عليه في الماضي“، يضيف كسرى.

المياه في زمن الحرب

اعتاد الأزانديون، الذي عرفوا بكونهم محاربين، أن يلاقوا العدو عند منبع المياه لصده ودرء اعتدائه. وكان هذا النهج متبعاً من جماعات عديدة في غرب الاستوائية بجنوب السودان.

يقول سيليفانو كو، وهو رجل مسن ينحدر من جماعة المورو المجاورة، إن أفراد قبيلته اعتادوا أن يبنوا الحواجز حول منابع الأنهار، حيث كانوا يعتقدون أن آلهتهم تقبع هناك. ”هكذا كنا نتمكن من تقوية أنفسنا وهزيمة عدونا“، يقول كو.

كانت المسطحات المائية تشكل جزءاً محورياً من مجتمعه، إذ اعتاد أسلافه أن يتجمعوا حول النهر أو البئر أثناء استعدادهم للقتال.

مكان للتبجيل

يقول كو: ”كنا نجتمع حول النهر أيضاً للاحتفال بمراسم الزواج، حيث اعتاد الزوجان رش الماء على منزل الزوجية الجديد على سبيل التبريك“، لكنه على الرغم من سحر الماء وجماله، كان يستخدم أيضاً كتعبير عن الاحترام. ”في الماضي، كان أفراد جماعتي يكنون الكثير من التبجيل والاحترام للأنهار والآبار لدرجة أننا لم نكن نسمح أبداً للأطفال بهدر الماء أو اللعب قرب مصادره.“

قال كو إن المجتمع الموري كان يفسر الفيضانات المتفرقة أو الأمطار المديدة بأنها رسالة مفادها أن عليهم احترام أماكن الفيضانات، والقبول بأن عليهم إبعاد أنشطتهم البشرية عنها. كان أفراد المجتمع يستجيبون لتلك التحذيرات ويمارسون أنشطتهم بعيداً عن المناطق التي تعرضت للفيضانات.

ويستذكر كو أن ”زعماء القبيلة لم يكونوا يسمحون أبداً للنساء والأطفال بعبور تلك المناطق، خوفاً عليهم من الاختفاء أو الغرق في المياه“. كما لم يكن يسمح للنساء الحوامل بجلب الماء بعد الخامسة والنصف مساءً بحجة أنهن سيلدن أطفالاً معاقين.

أوضح كو أنه كان لدى المورو أيضاً صناع المطر. لم يكن المورو يضعون اللوم على أفراد من القبيلة في حال احتباس الأمطار أو ندرتها. كان جميع الرجال يجتمعون في المنطقة ويرمون سهامهم على شجرة محددة. وكان شيوخ القبيلة ينظرون إلى الرجل الذي أصاب سهمه الشجرة، دافعاً الماء إلى الخروج، على أنه الشخص الذي كان قد منع المطر من الهطول.

مجتمع المورو لا يشبه بعض المجتمعات الأخرى، إذ يتعرض المشتبه فيهم بإعاقة هطول الأمطار إلى عقوبة الضرب المبرح من بقية أفراد المجتمع.

”أنا أحب الطريقة التي عمل بها زعماؤنا. مؤخراً ضُرب صانع مطر حتى الموت في أحد مجتمعات توريت (عاصمة ولاية شرق الاستوائية)، وهذا ليس جيداً بالطبع.“

”الجيل الحالي لم يعد يظهر ذلك الاحترام التقليدي للمياه. ترون في هذه الأيام كيف تؤدي الأنشطة البشرية إلى تلويث المياه. فقط مصادر مياه الشرب هي التي يتم الحفاظ على نظافتها.“

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#المياه: لن يجد الأحمق الماء حتى في النيل
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.