الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

‫عندما تنضب مياه الآبار‬

عبد الرحمن إبراهيم
‫مصدر المياه أمامهم، ويدفعون فواتيرهم، ولكن سكان مدينة نيالا ما زالوا عطشى.
14.03.2016  |  نيالا، السودان
بئر في نواحي نيالا. (الصورة: النيلان | عبد الرحمن إبراهيم)
بئر في نواحي نيالا. (الصورة: النيلان | عبد الرحمن إبراهيم)

‫عقود من الصراع تركت مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، مفتقرة لبنية تحتية حيوية، وسكانها في بحث مستمر عن المياه. تتجدد الأزمة كل سنة، خصوصاً خلال أشهر الصيف الأربعة الطويلة، بحيث يطال الضرر المناطق الشمالية من المدينة أكثر من غيرها. ‬

‫أغلب منازل نيالا لا تتوفر على تمديدات صحية. وقد عزا والي جنوب درافور السابق آدم محمود جار النبي هذه الأحوال لأسباب فنية تتعلق بشبكة المياه، في تصريح صحفي في شهر حزيران/يونيو 2015. ”حصل تحديث للشبكة واكتملت المرحلة الأولى المتعلقة بمواسير الشوارع، ولكن المرحلة الثانية التي تخص المواسير داخل المنازل لم تتم حتى الآن“، حسبما فسر الوالي السابق. ‬

‫يجوب أصحاب العربات والصهاريج أحياء نيالا، لبيع براميل المياه لسكان تلك الأحياء التي لا تتوفر على مواسير عمومية. يبلغ ثمن البرميل الواحد 25 جنيهاً سودانياً، أي ما يقارب أربعة دولارات أمريكية. مع الإشارة إلى أن معظم سكان نيالا لا يحصلون على مرتبات شهرية، ويتفاوت دخلهم من شهر إلى آخر. ‬

‫ولكن حتى بالنسبة للموظفين الذين يتراوح دخلهم بين 700 و900 جنيه سوداني (قرابة 116 و150 دولاراً أمريكياً)، فإن تغطية نفقات المياه الشهرية تكلف 750 جنيه سوداني لأسرة عدد أفرادها لا يفوق تسعة أفراد و1500 جنيه سوداني للأسر الأكثر عدداً (ما بين 124 و240 دولاراً أمريكياً). حمل هذا المبلغ يقع على عاتق كل من له دخل في الأسرة الواحدة. ”مياه الشرب أضحت أغلى من غاز الطهي“، يقول محمد عبد الله، أحد سكان حي المطار في نيالا. ‬

‫حتى بالنسبة لتلك الأسر التي تعيش في الأحياء التي تتوفر على مواسير عمومية، فإن نضوب المياه المتكرر يعني اللجوء إلى الحفائر ومجاري مياه الخريف.

‫توقف المياه لا يعني التوقف عن سداد الفاتورة‬

‫هذه الأزمة لها عدة وجوه وأسباب: النزاع المسلح في المنطقة هو السبب الأول الذي يعود له أي مراقب، فالولاية عانت لمدة طويلة بسبب تركيز كل الموارد المالية على الجانب الأمني، مما أدى بطبيعة الحال إلى إهمال البنية التحتية. ‬

‫الوالي ليس متفائلاً بمستقبل مياه نيالا، فحسب قوله في نفس التصريح، ”مشكلة المياه في نيالا مشكلة كبيرة، ولن تحل بصورة كاملة لأنها مشكلة موروثة منذ الحكومات السابقة“. ‬

‫القلة القلائل المحظوظون الذين يتوفرون على مواسير في منازلهم يعانون بشكل مختلف. يقول المواطن أحمد سعيد الذي يسكن في حي السد العالي إنه يمتلك مواسير في منزله، ولكن ”منذ الصيف لم تصلنا المياه إلا مرة واحدة، ومع ذلك تقوم إدارة المياه بتحصيل الرسوم كل شهر.“ ‬

‫يتوقف الإمداد المائي لأشهر الصيف الأربعة بسبب عدم وجود مياه جوفية في المدينة، كما يقول معتمد محلية نيالا شمال السابق، المهندس سرور أحمد عبد الله. ”تعتمد المدينة على مياه وادي ’برلي‘ الذي تبدأ مياهه في النضوب مع بداية شهر كانون ثاني/يناير من كل عام.“‬

‫حوض الأمل‬

‫يقول عبد الله إن حكومة المحلية قامت بالتعاون مع وزارة الموارد المائية والبيئة في الولاية ببحث عن مصادر للمياه في عدة مواقع بالمحلية. النتيجة التي خلص إليها تقرير المهندسين من الوزارة هي عدم وجود أي مصادر للمياه. ”الحل لا يأتي إلا بأمطار فصل الخريف أو تنفيذ مشروع حوض البقارة“، يفسر المعتمد السابق لـ ’النيلان‘.‬

‫يقع حوض البقارة في منطقة قريضة، ويبعد حوالي 80 كيلومتراً إلى جنوب مدينة نيالا. هذا المشروع بدأ التخطيط له في ستينيات القرن الماضي، ولكن دون أي تنفيذ حقيقي على أرض الواقع. في سنة 2008 مثلاً، تم توقيع عدد من العقود مع شركة صينية لتنفيذ المشروع بضمانات النفط. لكن، مع استقلال جنوب السودان وخروج النفط من معادلة الضمانات، تخلت هذه الشركة عن عقودها المبرمة وتوقف المشروع دون إكمال تنفيذه. ‬

‫تم توقيع عقود جديدة مع شركات مصرية وإماراتية وسودانية لتنفيذ المشروع سنة 2014، مع توقعات بإتمام المشروع مع نهاية 2016. وكان وزير التخطيط العمراني بولاية جنوب دارفور الطيب حمد أبوريدة قد صرح أن كل الإجراءات قد تمت، وأن الشركات المعنية بتنفيذ المشروع قد حصلت على كل الضمانات المطلوبة. ‬

‫وفي حال تحققت توقعات الوزير، فستتمكن نيالا من تغطية ما يقارب 40 في المائة من احتياجاتها المائية. أما الـ 60 في المائة المتبقية يفترض أن يغطيها كل من سد رمالية في شمالي المدينة وسد بلبل في جنوبي شرق المدينة، اللذين توقف العمل فيهما بسبب انعدام التمويل، إذ تصل التكلفة الكلية لمشروع حوض البقارة بالإضافة إلى السدين إلى 100 مليون جنيه سوداني (ما يقارب 17 مليون دولار أمريكي)، حسب عدد من المواقع الصحفية السودانية.‬

‫سبع سنوات من العطش‬

‫وبينما ينتظر المواطنون بدء تنفيذ هذه المشاريع، ستستمر معاناتهم في الحصول على المياه، كما تفسر حواء عبد الرحمن التي تستخدم ”مياه الأمطار في فصل الخريف في الشراب والطبخ“ دون أي علم إن كانت صحية أم لا. ‬

‫وبالنسبة للعديدين منهم، فيتعين عليهم الاستمرار في دفع فاتورة المياه الشهرية دون الحصول على أي مياه. يعقوب آدم الذي يسكن في حي الوحدة جنوب نيالا، يقول إنه يعاني من العطش لأكثر من سبع سنوات، رغم أنه لا يبعد أكثر من ربع كيلومتر من مورد مياه. ‬

‫آدم دفع مبلغ 25 جنيهاً سودانياً (ما يقارب 3.5 دولارا أمريكياً) كفاتورة شهرية لمدة طويلة دون مده بالمياه عبر الشبكة. قرر آدم التوقف عن الدفع، إلى أن تراكم المبلغ ووصل إلى 300 جنيه سوداني (50 دولاراً أمريكياً تقريباً). ‬

‫”إدارة المياه جلست معنا وأقنعتنا أنها ستوفر المياه قريباً. هكذا دفعنا المبلغ المتراكم، ولكن في النهاية، الأمر كان كله خداعاً. حتى الآن لم نر المياه، وما زلنا نعاني من العطش“. ‬

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#المياه: لن يجد الأحمق الماء حتى في النيل
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.