الأمم المتحدة: قهر الأزمات لكي تولد دولة

جوبا – تقوم نائب منسق الشؤون الإنسانية في جنوب السودان السيدة ليز غراند بجرد أعمال العنف المؤخرة و الاحتمالات المستقبلية للمنطقة، في حوارها التالي مع بوبويا سيمون وودو.

”إن ذروة حياتي المهنية هي في وجودي في جنوب السودان وهي تتحول إلى دولة مستقلة.“ - ليز غراند
© بوبويا سيمون فودو

س: ما هي آخر تقييماتك للوضع الإنساني، والذي ازداد سوءاً في المنطقة منذ الاستفتاء في يناير؟


عدد النازحين ارتفع بشكل حاد بسبب العنف في السودان. © تشارلتون دوكي
غراند: لقد ازداد الوضع سوءاً بعد أزمة أبيي، وقد باشرت خمس وعشرون عملية إنسانية رئيسية في جنوب السودان. إن ما شهدناه هو ازدياد مؤسف لغياب الأمن، وقد نزح مئات الآلاف من الناس، يمكننا أن نعد أكثر من 100,000 شخص هربوا خوفاً على حياتهم إلى الجنوب، وقد دخل معظمهم إلى مقاطعة تويك في ولاية واراب. وقد سارع كل من القيادات الحكومية ووكالات الأمم المتحدة المتواجدة في الخط الأمامي والمنظمات غير الحكومية لتقديم المساعدات المنقذة للحياة.

س: إلى أي مدى تستطيع المنظمات الإنسانية تخفيف الوضع على الأرض؟

غراند: قامت فرق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في اليوم الأول بتقييم الوضع، وفي أول يومين بدأ تسجيل الأشخاص النازحين. في اليوم الثالث وزعت أول معونة غذائية كما وزّع الكثير من الغذاء في الأسبوع الأول بالإضافة إلى المواد غير الغذائية كالأدوات المنزلية. كشف الفحص الطبي الذي قامت به الفرق المتنقلة أن بعض الأطفال من أبيي كانوا يعانون من الحصبة فقدمت لهم اللقاحات في هذه الأيام الأولى. عند هذه المرحلة، كان قد سجل أكثر من 80,000 شخص وقرابة 70,000 منهم قد حصل على الغذاء، وأكثر من 60,000 منهم حصلوا على مأوى. لقد تسارعت العمليات وتقدّم المساعدات اليوم إلى الأشخاص الأشد احتياجاً لها.

أود أن أشيد بحكومة جنوب السودان على قيادتها الحاسمة وعملها السريع في الساعات الأولى من الأزمة. لقد تحرك مسؤولون من جوبا وسلطات ولاية واراب ومقاطعة تويك سريعاً لنشر أشخاص لتقييم المساعدة اللازمة لهؤلاء النازحين. وقد ساعد ذلك في تمهيد الطريق لقدوم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.


أزمة أبيي أدت الى العديد من أعمال النهب. © صور الأمم التحدة \ ستيوارت برايس

س: هل ترين نهاية قريبة لأزمة أبيي؟

غراند: أجل بالتأكيد، لدينا كل الثقة بأن الوضع الأمني سيتحسن، إننا قلقون بشأن التوتر على الحدود ولكنني أعتقد أنه سيقلّ. وبالنسبة لاحتمالات المستقبل فأنا متفائلة جداً.

ولكن مئات الآلاف من الأشخاص خسروا كل شيء عندما تحركت القوات في الشمال إلى أبيي. فقد نهبت البيوت أو حرقت، وهؤلاء الأشخاص الذين فرّوا إلى أمكنة مثل تويك وصلوا بلا أي شيء معهم تقريباً.

س: ما هي التحديات التي يواجهها هؤلاء النازحين الآن؟

غراند: إنه سؤال مهم حقاً لأن الأزمة في أبيي حدثت مع بداية اشتداد الفصل الماطر، ففي غضون أسابيع قليلة من المرجح أن يتعذر الوصول إلى أجزاء كبيرة من تويك عبر الطرق، لذلك سيكون من الصعب جداً إيصال المساعدة للأشخاص الموجودين في المناطق النائية.

والعامل الآخر هو أن الأزمة في أبيي حصلت في أوج فجوة الجوع، وهي الفترة التي يتضاءل فيها المخزون ولا تكون المحاصيل الجديدة قد حصدت بعد، وهي صعبة على وجه الخصوص بالنسبة للأسر المعوزة. تقول العديد من العائلات في تويك أنها قد خفضت استهلاكها من الطعام إلى وجبة واحدة في اليوم. هذا الأمر شائع أثناء فجوة الجوع، ولكن أتى هؤلاء الذين فروا من أبيي إلى مجتمعات تكافح أصلاً في هذه الفترة.

س: بعيداً عن أبيي، الطرق من الخرطوم مغلقة والبضائع لا تصل إلى الجنوب. هل لديك معلومات حديثة عن حالة الطرق؟

 


سد خطوط التجارة بين الشمال و الجنوب أدى الى ارتفاع حاد في أسعار النفط. © أكيم موجيزا

غراند: للتركيز فقط على أهمية هذا العامل، لقد شهدت بعض المجتمعات الحدودية زيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى حد 200%. ومع أوج فجوة الجوع والفصل الماطر يضع هذا النوع من الحصار مئات الآلاف من الأسر في خطر متزايد. بعد بضعة أيام من أزمة أبيي، أشار الشمال إلى أنه سيرفع الحصار وقد رحبنا بذلك، ولكن ما فهمناه من التجار الذين يحاولون جلب المؤونة إلى ولاية الوحدة أن ثمة حصار الآن باتجاه نقطة أبعد من الشمال، وبالتالي لا زالت هناك مشاكل في نقل البضائع. إن لذلك أثر غير متكافئ على المجتمعات الحدودية.

س: هل ترين أي نهاية لهذا الوضع؟

غراند: يمكن للحصار أن يضر بشكل كبير، فإذا لم تتمكن من إدخال المؤن إلى المجتمعات، سيرتفع سعر أي شيء متوفر إلى حد كبير. إننا نعلم أنه سيصعب على العائلات الفقيرة التي كانت تكافح أصلاً تحمل أسعار بعض الأشياء الضرورية للبقاء. إن برنامج الغذاء العالمي الذي يقدم مساعدات غذائية في الجنوب ينظر إلى تعقيدات الحصار على هذه العائلات المعوزة في الولايات التي تحد الشمال.

س: ما هو وضع النازحين داخلياً الذين بدؤوا بالعودة من الخرطوم في وقت متأخر من العام الماضي؟

غراند: منذ نهاية شهر نوفمبر عاد أكثر من 300,000 سوداني جنوبي قاطن في الشمال إلى الجنوب. قرابة 80% قرروا الاستقرار في مناطق ريفية وسيستقر الآخرون في المناطق المدنية. عندما بدأت الحركة في البداية، عاد العديد من الناس مباشرة لدرجة كان من الصعب معها التأكد من أنهم كانوا يحصلون على النوع الذي يحتاجون إليه من المساعدة. في أثناء فترة الإعداد للاستفتاء كان يصل 2,000 شخص في كل يوم. الآن وقد تباطأت نسبة العائدين، صار أسهل لحكومة الولاية تقديم المساعدة. لا يزال ما بين خمسمئة ألف إلى مليون جنوبي في الشمال، ولكننا نتوقع أن يرغب المزيد من الناس العودة بعد الاستقلال ليأخذوا دوراً في تأسيس الدولة الجديدة.

 


في اقليم مايوم، متفجرات جديدة زرعت مثيرة قلق مؤسسات الاعانة الموجودة هناك. © بونيفاسيو تعبان  

س: لقد اشتدت نشاطات المتمردين التي بدأت بعد انتخابات العام الماضي منذ استفتاء شهر يناير المتعلق باستقلال الجنوب. لماذا ينشق بعض جنرالات الجيش الشعبي لتحرير السودان ليشكلوا جيوشهم الخاصة، وما هو التأثير الذي تتوقعونه نتيجة لذلك؟

غراند: أعتقد أن هناك مجموعة من الأسباب. معظم العمل الإنساني الذي نقوم به الآن، لاسيما العمليات الطارئة، هي في الواقع مرتبطة بانعدام الأمان الذي تسبب به ظهور هذه المجموعات المتمردة. في المناطق التي ينعدم فيها الآمان يتحمل المدنيين وطأة المعاناة الأكبر بالتأكيد. في مقاطعة مايوم في ولاية الوحدة، زرعت الألغام على الطرقات التي تؤدي إلى الأماكن التي يعاني فيها الناس ويحتاجون فيها لمساعدة. لم يكن بإمكاننا أن نوصل المساعدة إلى هناك، وذلك محبط ومخيب للآمال إلى حد كبير لأن فرق نزع الألغام قد قاموا بجهود جبارة في المرحلة الانتقالية لإزالة الألغام من الطرق في جنوب السودان.

س: تقول الأمم المتحدة أن اتفاق السلام الشامل قد نفذ بنجاح، ولكن يدّعي الناقدون الذين يلومون الدولة بأنها لا تستخدم الموارد بشكل ملائم بأنها بددت الكثير، بينما يعيش الكثير من الناس على دولار واحد في اليوم. كيف تردين على هذا الأمر؟

غراند: تشير الأرقام بالنسبة لجنوب السودان بوضوح إلى أن الأوضاع هي من الأسوأ عالمياً. يمكننا أن نقول أنها إحصائيات مخيفة عندما يكون لدينا أكثر من 90% من السكان يعيشون على دخل أقل من المعيار الدولي، وقرابة 80% لم يزوروا منشأة صحية في حياتهم كلها. وللأسف أنّ في جنوب السودان واحد من أعلى نسب الأمية ومعدل الوفيات في العالم. لا بد لنا أن نتذكر أن هذا نتيجة لسنوات من التهميش والاستعمار. من الحقائق المقلقة هي أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، والتي قد تكون واحدة من بناتي، احتمال وفاتها أثناء الولادة أعلى من احتمال إنهائها للمدرسة.

بالطبع إن حكومة الجنوب واعية بكل هذا وهي مصممة على فعل شيء ما حيال الوضع، إحدى الأفكار في خطتها التنموية للسنوات الثلاث الأولى من الاستقلال، هي تقديم تعويضات أطفال لكل عائلة في الجنوب. ستحصل كل أسرة على مساهمة نقدية صغيرة من أموال النفط العائدة للحكومة، وستكون جميع العائلات مؤهلة لهذا التعويض.

س: ما هي استفادتك الشخصية في استقلال جنوب السودان؟

غراند: أشعر أنني وهبت بنعمة خلال عملي مع مؤسسة دولية كالأمم المتحدة، الملتزمة بأن تضمن أن يعيش الناس العاديين حياة كريمة وعادلة. أعتقد أن ذروة حياتي المهنية هي في وجودي في جنوب السودان وهي تتحول إلى دولة مستقلة. إنه لأمر لا يمكن لأحدنا نحن الأجانب أن ينساه، لذلك ندين بامتناننا لسكان الجنوب للسماح لنا بأن نكون إلى جانبكم في هذه المناسبة العظيمة وأنتم تحتفلون بحريتكم وتعلنوها للعالم.


الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org

رسالة إلى المحرر | اتصل بالصحفي

Email this page to someone

Recipient's email address:

Your name:

Your email address:

Subject:

Cancel