تنتشر الممارسات الوحشية ضد الأطفال في جنوب السودان، ويجب أن تتوقف.
معظم المستشارين النفسين يقرون بأن العقاب العنيف يسبب أمراضا نفسية خطيرة للأطفال
كابدت "جميلة" نوعاً من الجحيم يجب ألا يتعرض له أي طفل. فبعد وفاة والدها، تزوجت والدتها مرة ثانية. هگذا بدأت حياة مليئة بالعذاب بالنسبة للفتاة. تقول جميلة: "لم يكن والدي الجديد يتوان عن ضربي في أية لحظة. فكان لا مفر لي من هجر البيت والتشرد في الشوارع".
وحتى بعد سنوات، لم تستطع أن تجد تفسيراً لعنف زوج أمها ضدها، وهي تحمله مسؤولية تأخرها في التعليم، إذ تقول بعينين تملؤهما الدموع: "بقيت مشردة في الشوارع مدة أربع سنوات - طبعاً دون أن أتمكن من الالتحاق بالمدرسة".

جميلة. © هانينجتون أوتشان
تعيش جميلة، التي تبلغ السادسة عشرة من عمرها، مع جدتها في ضاحية بلدة يي. لقد عادت إلى المدرسة لتشق طريقها في الصف الدراسي الرابع بدعمٍ ورعاية من معلميها الذين يعرفون قدر معاناتها.
إن الجانب الأكثر حزناً من قصة جميلة هو أنها ليست المعذبة الوحيدة. فقد كشفت المحادثات مع الآباء والمعلمين عن ميلهم الغريب لاستخدام أشكال تأديبية قاسية و غير عادية مع أطفالهم وتلامذتهم.
والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الآباء والمعلمين ينجون من المحاسبة رغم أن هذا مخالف للقانون السوداني الذي يمنع معاقبة الطفل إلى مستوى يسبب له ألماً لا يحتمل. لكن نظراً لأن الشرطة تغض النظر عن هذه المخالفات، فإن الآباء نادراً ما يقاضون.
في إحدى الحالات الباعثة على الأسى بشكل خاص، تباهى سيد رفض الكشف عن اسمه بإيمانه بالتأديب القاسي سارداً رواية فظيعة. فحين اكتشفت أخته أن ابنها البالغ من العمر سبع سنوات كان يسرق، وضعت يده في ماء مغلي وأبقتها فيه مدة خمس دقائق: "عند ذلك، تقشر جلد يده فوراً، وفقد بعض أصابعه، ولم تُشفَ الحروق لشهور مما شوّه يده اليمنى، بيد أنه تعلم درساً عظيماً. فمنذ تلك اللحظة وصاعداً، لم يسرق مطلقاً".
حدثت هذه الواقعة منذ ثلاثين عاماً خلت. واليوم، لا يزال الرجل مقتنعاً بأن أخته كانت محقة عندما أنزلت بابنها هذا العقاب لأن ذلك جعله "مواطناً مسؤولاً" يفخر به اليوم هو وأخته. لكن مقابل أي ثمن؟
"الطفل لا يمكنه أبداً أن يستهين بك حالما تحرمه من الطعام".
أخبرتني أم لأربعة أطفال أنهم إذا ارتكبوا خطأ، فإنها تحذرهم شفهياً، "أما إن هم ارتكبوا نفس النوع من الخطأ مرة ثانية، فأحرمهم من وجبة طعام".
وأضافت إن حرمان الطفل من الطعام كعقوبة له على خرق القواعد العائلية تجعله أكثر حرصاً على التزام السلوك الصحيح، "فالطفل لا يمكنه أبداً أن يستهين بك حالما تحرمه من الطعام". ووفق منطقها، سيعي الأطفال الرسالة وهي أنهم سيبقون جائعين في كل مرة لا يطيعون فيها آبائهم.
لكن أي نوع من الحياة ينتظر طفلاً يعاني من إهمال كهذا؟

© دومينك لينرت
ويقول ليمي تشارلز، المستشار النفسي-الاجتماعي في مركز العمل المجتمعي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، أنه ما من طفل يستحق أن يعاقب أبداً "أبعد مما هو مسوغ". فالكثير من الأهالي يعتقد أنه من المقبول التعبير عن حبهم لأولادهم من خلال العقاب القاسي.
لقد سمعنا جميعاً البالغين يقولون: "طبعاً أنا أحب أطفالي، لكنني أحياناً أضطر حقاً إلى تلقينهم درساً". إن ذلك صحيح، لكن طريقة تلقين الدرس هي المهمة.
وتُظهر الأبحاث المكثفة أن نسبة مرتفعة من البالغين العنيفين أو المعنّفين كانوا يتلقون وهم أطفال عقوبات صارمة تتمثل بإساءات جسدية و/ أو عاطفية. هذه الدورة المأساوية تنتقل من جيل إلى آخر. فمتى ستنتهي؟
ربما يمكن أن ننسب بعضاً من هذه الوحشية إلى تفسير متطرف لمقطع توراتي شهير ورد في سِفر الأمثال والتي يمكن ترجمتها إلى "ابخل بالقضيب، يفسد الطفل". ويدعي التفكير التقليدي بأنه يتعين على الآباء ممارسة العقاب الجسدي بحق أبنائهم لمنعهم من اتباع طريق مدمر.
وعلى أي حال، تمنع حكومة جنوب السودان المؤقتة العقاب البدني، والتعذيب، وغيرهما من أشكال التعامل التي تهين الأطفال وذلك في كل الأماكن، بما في ذلك البيت.
لمزيد من المعلومات إقرأ : الثقافة التقليدية في صراع مع التعليم
إن تعليم الأطفال الطاعة أمر هام، لكن يجب القيام به بشكل صحيح كما يقول ليمي الذي يؤكد على أن الآباء يعاقبون أطفالهم وكأنهم مجرمين لأن الآباء أنفسهم كانوا قد تعرضوا لصدمة إما في طفولتهم أو أثناء الحرب (أو الاثنين معاً). فأقل زلة للطفل يمكن أن تثير رداً عنيفاً عندما تطفو إلى السطح مشاعر غضب أو ألم دفينة.
ويوضح ليمي: "ينتهي المطاف بالآباء إلى تحويل غضبهم صوب أطفالهم. ولهذا السبب يعاقبون أطفالهم بلا رحمة".
وتنطبق النظرية نفسها على المعلمين الذين كان معلميهم يعاقبونهم بالصفع أو الضرب بقضيب من الخيزران من عندما كانوا تلاميذ، ليكبروا وفي أذهانهم فكرة تقول إن هذا هو الشكل المستحسن والبنّاء للتأديب.
"الشعور بالإحراج يكفي لدفع المرء للانهيار والبكاء".تقول إحدى المعلمات في مدرسة السلام الميثودية المتحدة الابتدائية في يي إنها تعاقب الأطفال بحسب أعمارهم. وتتراوح إجراءاتها العقابية من وضعهم بالعزل أو إجبارهم على تنظيف الساحة المحيطة بمجمّع المدرسة إلى ضربهم بالعصا.
وهي تغفر للطفل في الصفوف الدنيا عندما يرتكب خطأ للمرة الأولى، وهي تردف قائلة: "لكنهم عندما يكررون أخطائهم، أطلب من زملائهم السخرية منهم والهزء بهم. وهم عادة يشعرون بالخجل من أعمالهم. فالشعور بالإحراج يكفي لدفع المرء للانهيار والبكاء".
إن المحزن في الأمر أن هذا قد يسبب إذلالاً للطفل أيضاً ويصبح عقبة أمام تعلمه، أو حتى يدفعه إلى ضرب الآخرين بعنف. ولا يتوقف الأمر عند ذلك فحسب. فهذه المعلمة لا ترى أي خطأ في استخدام العصا لمعاقبة بعض التلاميذ الضالين، إذ تقول: "ضربتان أو ثلاثة بالعصا على أردافهم مفيدة".
ويشكل هذا الأمر في الواقع خرقاً لاتفاقية الأمم المتحدة حول حقوق الطفل والتي وقع السودان عليها. ومن بين حقوق الإنسان الأساسية المدرجة في هذه الوثيقة المعترف بها دولياً الحماية من التأثيرات المؤذية، وسوء المعاملة، والاستغلال. ويتفق معظم الأخصائيين النفسيين للأطفال على أن للتأديب العنيف تأثير مسيء ومؤذ على حد سواء.
"التحول السياسي ومصير أطفال الشوارع"
يقول ليمي: "قد يصبح الأطفال المساء إليهم أكثر غضباً وعدوانية لبقية حياتهم". هل يمكن أن يوضح هذا جزئياً لماذا هناك الكثير من العنف في مجتمعنا؟ وينصح ليمي الآباء أن يتدربوا على ضبط النفس بدلاً من التصرف بعجالة واللجوء إلى العقاب القاسي للأطفال: "خذ نفساً عميقاً ولحظة من الراحة ريثما تستعيد أحاسيسك الطبيعية".
ويضيف أنه عندها يصبح الوقت مناسباً لمعاقبة الطفل لأنه يمنع تحويل الغضب نحو الأطفال وفي الوقت نفسه يعلم الآباء ضبط النفس.
قد تكون تربية الطفل محبطة ومرهقة، لكن من المفيد أن نتذكر أنه ما من طفل "سيء" بالفطرة. فكل الأطفال عند الولادة موعودون بفرص للنجاح، إن رعاهم آباؤهم بالعطف و المحبة.
الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org